بعد انسحاب الجانب الأميركي من هدنة الحرب وتعليق "مذكرة إسلام آباد"، انتهى حديث التسوية، ودخل العالم مرحلة تبدّل استراتيجي وانقلاب جيوسياسي كامل، مع تغيّر موازين القوى في الشرق الأوسط وانقلابها لمصلحة من يواجهون الحرب ويفرضون أمرًا واقعًا بقوة النار.
تعتدي الولايات المتحدة بما تملك من فائض قوة عسكرية وسياسية واقتصادية على دولة ذات حضارة راسخة عمرها آلاف السنين، متجاوزة القوانين الدولية وميثاق الأمم المتحدة، ومن دون غطاء داخلي أو إجماع سياسي. كل ذلك يجري بإدارة الرئيس ترامب، التي شهدت استقالات وإقالات هزّت انطلاقة ولاية وصل إليها على متن وعود كبيرة، قبل أن يفشل في تحقيقها ويجرّ الولايات المتحدة إلى مستنقع يصعب الخروج منه.
أمام تعنّت ترامب وعدم احترافه السياسة، أدار دولة تُعدّ أكبر اقتصاد في العالم بعقلية الصفقات، واقعًا تحت تأثير اللوبيات وسيف قضية إبستين، وتضارب المصالح بين المجموعات الداعمة له، ضمن نظام سياسي قائم على مصالح الشركات وتديره منظومة عميقة من النفوذ. إلا أن الشهادة الأبرز التي يقدّمها الواقع هي أن ترامب أصبح، وفق خصومه ومراقبين كثر، أحد أسوأ الرؤساء تأثيرًا ليس على الولايات المتحدة وحدها، بل على العالم بأسره ودور أميركا فيه.
لقد انتقلت واشنطن من مرحلة فرض النفوذ بالتأثير السياسي والاقتصادي إلى مرحلة التدمير المباشر، في حرب هزّت ركائز مفاهيم بُنيت عليها القوة الأميركية وجذبت أنظار العالم إليها لعقود. وقد قوض ترامب هذه الصورة بحروب عبثية وكلفة مرتفعة، ونتائج عكست ضعف الرؤية الاستراتيجية، وأصابت عصب الولايات المتحدة في الصميم، ولا سيما في قلب الشرق الأوسط، الذي شكّل ثقلاً اقتصادياً ومصدراً للقوة مكّن سياسات واشنطن من ترسيخ نفوذها طوال عقود.
إلا أن الحرب الأخيرة كشفت عن واقع جديد، وكرّست بداية استراتيجية مختلفة، تفوّق فيها محور المقاومة على ثلاث جبهات رئيسية: النفط، والبحر، والأرض.
بدأ المشهد من كابوس الطاقة السعودي، الذي دخل مرحلة من الشلل في التصدير، وسط انهيار في منظومة التوزيع والتحديات الأمنية المتصاعدة. وتواجه الرياض اليوم أسوأ كوابيسها، وفي مقدّمها احتمال توقف تصدير النفط، واستهداف المنشآت والمحطات الاستراتيجية، بما يتجاوز مجرد إحراق خزانات أو تعطيل محطة توزيع، ليصل إلى إلحاق أضرار مباشرة بالبنية التحتية للطاقة.
ويتزامن ذلك مع تخبّط التحالف في اليمن، بعد تقدّم أنصار الله في عدد من الجبهات، بالتوازي مع تراجع وانهيار في أداء القوات المدعومة سعودياً. وهو واقع عزّز مكانة إيران كقوة عسكرية وسياسية فاعلة، تعمل على فرض معادلات جديدة في المنطقة، وفي مقدّمها مضيق هرمز.
وتسعى طهران إلى تكريس سيادتها على المسار البحري وفق شروط حاسمة، في ظل تفاهمات واتفاقات إقليمية، أبرزها الاتفاق العُماني-الإيراني، الذي يكرّس، وفق القراءة الإيرانية، حضور طهران ونفوذها في إدارة حركة الملاحة ضمن نطاق مياهها الإقليمية.
وبعد ربط فتح المضيق بشروط سياسية وأمنية واضحة، وجدت واشنطن نفسها في موقع الرهينة، تلهث خلف تسوية مع إيران. وهنا أرست المواجهة توازنًا جديدًا على حساب القدرة الأميركية على التهديد، بالتوازي مع تصاعد الملف النووي الإيراني.
وقد تمثّل ذلك بردّ طهران على إحالة ملفها إلى مجلس الأمن، عبر إعداد البرلمان الإيراني قانونًا ذي "أهمية ثلاثية"، يتضمّن التلويح بالانسحاب من معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية (NPT)، وإجراء اختبار نووي في أسرع وقت ممكن لضمان الردع المطلق، بالتوازي مع استمرار الاشتباكات الميدانية في المضيق.
وتستخدم إيران في هذه المواجهة منظومة متطورة من الصواريخ المجنحة والطائرات المسيّرة، مستهدفة أهدافًا أميركية وقوافل حاولت عبور مسارات بحرية بديلة، متجاوزة قرارات الحرس الثوري الإيراني. وقد ثبّتت هذه المواجهة معادلة الضربة بالضربة، وانتقلت طهران من استراتيجية الصبر الاستراتيجي إلى صناعة النصر، في ظل تلاحم قيادي مع الجيش الإيراني، وإرسال رسالة واضحة مفادها أن القوة الإيرانية اليوم أقوى من أي وقت مضى، وأن الاعتماد الإسرائيلي المطلق على الدعم الأميركي لم يعد ضمانة للنصر.
ليدخل على خط المعركة عامل حاسم تمثّل في التخبط الأميركي. فواشنطن المثقلة ماليًا اختارت التراجع تحت وقع التهويل، بالتوازي مع انسحاب لوجستي وهذيان سياسي متواصل من ترامب، في وقت اقترب فيه سعر برميل النفط من عتبة 110 دولارات.
ويطل ترامب معلنًا السيطرة على مضيق هرمز، ومتحدثًا عن التواصل مع الحوثيين وإنهاء حرب غزة، عبر تصريحات تبدو منفصلة تمامًا عن واقع الجبهات المشتعلة، وفي مقدّمها الجبهة اللبنانية، التي تحولت إلى ساحة الأرض المحروقة وغليان الشارع.
فإسرائيل تواصل سياسة الأرض المحروقة من خلال تفجيرات هندسية ممنهجة، يبدو أن هدفها الأبعد هو تفجير الشارع اللبناني من الداخل، ورفع مستوى الضغط قبيل أي مفاوضات. وقد اصطدمت هذه المفاوضات بحائط مسدود من التعنّت الإسرائيلي، رغم تنازلات السلطة وإذعانها لشروط الخارج، ومحاولات تجريد المقاومة من عناصر قوتها بدل حماية الأرض والسيادة.
أمام هذا المشهد الكبير، تتكشف حقيقة جديدة في المنطقة: عجز التحالف عن حماية نفط السعودية، وفشل واشنطن في حماية ناقلات نفطها، في وقت تخوض فيه إيران واحدة من أخطر حروبها دفاعًا عن وجودها وموقعها الإقليمي. وهو ما ترك المنطقة أمام مرحلة إعادة خلط للأوراق وتحولات كبرى، مع انهيار منظومة تصدير النفط السعودي، واستهداف القوافل في مضيق هرمز، على أبواب انفجار غير مسبوق امتدت نيرانه إلى الساحة اللبنانية، حرجًا للمنظومة الحاكمة في مواجهة شعبها مباشرة.
لقد انتهى زمن حكم "الوكالات"، وبدأ عهد الأمر الواقع بالنار والقلم. ومن يعيد رسم خارطة المنطقة في المرحلة المقبلة لن يكون بالضرورة أميركيًا، بعدما أثبتت الوقائع أن القوة وحدها لا تكفي لصناعة الهيمنة، وأن من يملك القدرة على الصمود وفرض المعادلات هو من يمتلك مفاتيح المستقبل.
إن العالم يقف أمام انقلاب جيوسياسي حقيقي، تتراجع فيه منظومات النفوذ القديمة، وتصعد قوى جديدة تفرض حضورها بالنار، وتفاوض بالقلم، وتعيد تعريف موازين القوة على الأرض. وما بعد هذه الحرب لن يكون كما قبلها، لأن خارطة الشرق الأوسط بدأت تُرسم من جديد، وهذه المرة لن تكون يد واشنطن وحدها ممسكة بالقلم.