2026- 07 - 29   |   بحث في الموقع  
logo أكبر من ترامب ونتنياهو logo أسرار الصحف logo عناوين الصحف logo مانشيت “الأنباء”: من لبنان إلى غزة فسوريا… نتنياهو يطلب حرية الحركة ويدفع نحو التصعيد logo افتتاحية “الجمهورية”: الجيش في صلب حراك دولي وعربي… صمت ديبلوماسي بعد قمة ترامب- نتنياهو logo مرويّة بمياه الصرف الصحي.. إتلاف 14 ألف متر مربع من المحاصيل في عكار logo استهداف شقة سكنية في النبطية الفوقا logo بأقل من 24 ساعة.. توقيف مطلق النار في جريمة المنية
أكبر من ترامب ونتنياهو
2026-07-29 08:30:31

كتب ناصر قنديل في البناء 


جاء الإخراج الأميركي للقاء دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو بمثابة إذلال لرئيس حكومة الاحتلال؛ فلا صورة رسمية وزعها البيت الأبيض، ولا صحافة دُعيت إلى المكتب البيضاوي قبل الاجتماع أو بعده، ولا استقبال لنتنياهو عند المدخل، ولا تصريح مشترك؛ بل دخول من باب جانبي وبيان مقتضب جمع اللقاء باجتماع ترامب مع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، ووصف اللقاءين معاً بأنهما «إيجابيان ومثمران».


 


– قرأت «واشنطن بوست» المشهد تحت عنوان عودة نتنياهو إلى «ترامب المتشكك»، وتحدثت عن اتساع المسافة بين رغبة رئيس الحكومة الإسرائيلية في مواصلة الحرب، وسعي الرئيس الأميركي إلى فتح طريق التسوية. أما «أكسيوس» فوصفت نتنياهو بأنه وصل إلى واشنطن منقوص القوة والنفوذ، فيما ركزت «رويترز» على انزعاج ترامب من محاولة ضيفه استخدام المعلومات عن المنشأة النووية الإيرانية لدفعه نحو التصعيد. ورأت «أسوشيتد برس» في الزيارة محاولة لترميم العلاقة قبل الانتخابات الإسرائيلية.


 


– لذلك بدا وصف نتنياهو الاجتماع بأنه «من أفضل اللقاءات» محاولة منفردة لتعويض مشهد حجب فيه البيت الأبيض عنه صورة الحليف المميز. لكن المسألة أكبر من علاقة رجلين، وأبعد من غضب ترامب أو قلق نتنياهو؛ فهي تمس مستقبل مشروع إقليمي كان الرجلان يمثلان آخر فرصة لإنقاذ هيبته واستعادة مكانة أيام مضت، يوم كان حصاد الحكومتين واحداً: “إسرائيل” تغيّر المنطقة بحروبها، وأميركا تستثمر التفوّق الإسرائيلي في تثبيت هيمنتها بأكلاف محدودة.


 


– جاءت الأحداث لتضع هذه الشراكة أمام امتحانات قاسية. هل لا تزال “إسرائيل” قادرة على خوض حرب منفردة؟ وهل تستطيع أميركا تحقيق مصالحها عبر الحرب؟ وهل يمكن التوصل إلى اتفاق مع إيران يضمن في الوقت نفسه المصالح الأميركية والشروط الإسرائيلية؟


 


– أظهرت الحرب أن “إسرائيل” تستطيع بدء مواجهة بعيدة المدى، لكنها لا تستطيع مواصلتها منفردة. فهي تحتاج إلى المعلومات الاستخبارية الأميركية، وطائرات التزوّد بالوقود، والذخائر الهجومية، وقبل ذلك كله إلى صواريخ الدفاع الجوي الأميركية. وخلصت دراسة نشرتها «سمول وورز جورنال» إلى أن مخزون الصواريخ الاعتراضية الإسرائيلي تعرّض لاستنزاف حرج، وأن اعتماد “إسرائيل” على الإمداد الأميركي صار مكشوفاً، بينما لم يُقضَ على البرنامج الصاروخي الإيراني ولم يُفتح مضيق هرمز. أما معهد الحرب الحديثة في «ويست بوينت»، فاستنتج أن الذخائر لم تعد مجرد أدوات عسكرية، بل التزامات سياسية محدودة يجب توزيعها بين الجبهات والحلفاء. وهذا يعني أن المشكلة ليست أن ترامب يمنع نتنياهو من خوض الحرب التي يريدها، بل أن “إسرائيل” فقدت عملياً القدرة على خوضها من دون أميركا. وقد قال وزير الحرب الإسرائيلي يسرائيل كاتس إن “إسرائيل” تريد ضرب منشآت الطاقة الإيرانية، لكن واشنطن لا توافق، خشية رد إيراني على دول الخليج يؤدي إلى أزمة نفط عالمية. هنا يسقط مفهوم استقلال القرار الإسرائيلي: تستطيع تل أبيب اقتراح الحرب وبدء بعض فصولها، لكن استمرارها وحدودها وأهدافها الكبرى تبقى في يد واشنطن.


 


– في المقابل، اكتشف ترامب أن امتلاك القدرة على القصف لا يعني امتلاك القدرة على تحقيق المصلحة الأميركية. لم تفتح الحرب مضيق هرمز، ولم تسقط النظام الإيراني، ولم تنتزع اتفاقاً بالشروط الأميركية، لكنها رفعت أسعار النفط والبنزين، واستنزفت الذخائر، وعرّضت القواعد الأميركية ودول الخليج للخطر. وقد وصف آرون ديفيد ميلر، الباحث في مؤسسة كارنيغي والمفاوض الأميركي السابق، الحرب بأنها «حرب اختيار»، ورأى أن أي اتفاق ينتهي إلى تثبيت دور إيران ومكاسبها سيُقرأ إسرائيلياً كهزيمة استراتيجية. أما المعضلة الأميركيّة، فهي أن واشنطن تستطيع تدمير منشآت إيرانية، لكنها لا تستطيع منع إعادة بنائها إلى الأبد، أو إجبار إيران بالقوة على التخلي عن صواريخها وعلاقاتها الإقليمية، أو تأمين الملاحة في هرمز من دون تفاهم معها. ويصعب على أي اتفاق يحقق المصالح الأميركية المتمثلة بفتح هرمز وخفض أسعار الطاقة ووقف استنزاف القوات والذخائر أن يحقق في الوقت نفسه شروط نتنياهو: إنهاء التخصيب والبرنامج الصاروخي وعلاقات إيران بقوى المقاومة، مع إبقاء حرية العمل العسكري الإسرائيلي.


 


– يبدو أن توجه واشنطن إلى إنهاء الحرب بما يضمن فتح مضيق هرمز مشروط بفاتورة لبنانية تسددها أميركا من جيب “إسرائيل”: التزام بالانسحاب من الأراضي اللبنانية وفق جدول زمني واضح، يُقدَّم إلى إيران ضمن ضمانات التسوية. وليس المقصود إعادة انتشار بلا مهل، ولا منحة للسلطة اللبنانية؛ وواشنطن لا تمانع أن تخسر السلطة قبل “إسرائيل” بعض رهاناتها ومكانتها، ما دامت الأولوية للمصلحة الأميركية. بهذا المعنى، يموّل ترامب حملة حزبه الانتخابية من الرصيد الانتخابي لنتنياهو. يحصل الجمهوريون على وقف الحرب، وفتح هرمز، وانخفاض أسعار النفط والبنزين، مقابل تنازل إسرائيلي يضرب صورة نتنياهو بوصفه زعيم الحرب والسيطرة الإقليمية. وهكذا تبدأ صيغة الشراكة الكاملة بالتصدع، وتجد واشنطن نفسها معنية بتذكير “إسرائيل” بمن يملك القرار، كما قال ترامب سابقاً إن نتنياهو «يعرف من هو السيد». فعندما تقع الخسارة، تدفع أميركا عادة من جيوب حلفائها. و”إسرائيل” لا تزال الحليف المفضل، ولذلك دفعت واشنطن مراراً من جيوب حلفائها في الخليج؛ لكن عندما تصبح الفاتورة لبنانية، تضطر إلى الدفع من رصيد إسرائيل. وفي المقابل، تسعى واشنطن إلى تعويض “إسرائيل” بتوسيع اتفاقات التطبيع الخليجي. إلا أن هذا السعي غير مضمون النجاح، ولا توحي الظروف الراهنة بأنه قابل للتحقق قريباً. وهكذا يمكن أن يتحول الانسحاب من لبنان إلى ثمن واقعي لفتح هرمز، بينما يبقى التعويض الخليجي لـ”إسرائيل” مسعى أميركياً يصطدم بعقبات سياسية وإقليمية كبيرة.


 


– لكن التحول الأشد خطورة على “إسرائيل” لا يجري داخل المكتب البيضاوي، بل في الرأي العام الأميركي. فبحسب استطلاع «أسوشيتد برس–نورك»، يقول 40% من الأميركيين إن بلادهم تدعم “إسرائيل” أكثر مما ينبغي، بعدما كانت النسبة 27% قبل «طوفان الأقصى». وترتفع إلى 58% بين الديمقراطيين. وحتى بين الجمهوريين، هبطت نسبة الذين يرون أن الدعم الأميركي لـ”إسرائيل” غير كافٍ من 39% إلى 15%. وأظهر مركز «بيو» أن النظرة الإيجابية إلى الحكومة الإسرائيلية انخفضت بين الجمهوريين من 65% عام 2022 إلى 51% عام 2026، فيما لا ينظر إليها إيجابياً سوى 16% من الديمقراطيين. أما استطلاع «إيكونوميست يوغوف» المنشور يوم زيارة نتنياهو، فأظهر أن 47% من الأميركيين يعدّونه مذنباً بجرائم حرب، وأن قرابة نصف الأميركيين يؤيدون توقيفه إذا دخل الولايات المتحدة. بحيث لم يعُد الاعتراض على “إسرائيل” محصوراً باليسار الجامعي والجناح الديمقراطي التقدمي، بل دخل إلى أوساط المستقلين، واليهود الأميركيين العلمانيين، وقاعدة «أميركا أولاً» الرافضة للحروب الخارجية. وما يتراجع ليس التحالف الأميركي الإسرائيلي حصراً، بل الجاذبية الإسرائيلية التي كانت تجعل دعم “إسرائيل” رصيداً انتخابياً مضموناً، وتحوّل نقدها إلى مخاطرة، بعدما أصبحت “إسرائيل” لدى قطاعات متسعة عبئاً أخلاقياً بسبب حرب الإبادة في غزة، وعبئاً اقتصادياً بسبب النفط، وعبئاً عسكرياً بسبب استنزاف الذخائر، وعبئاً سياسياً لأنها تبدو قابلة لجرّ أميركا إلى حروب لا تعرف واشنطن كيف تنهيها.


 


– نتنياهو يحتاج إلى الحرب، أو إلى استمرار خطرها، ليقول للإسرائيليين إنه الزعيم الوحيد القادر على حماية الدولة وإدارة العلاقة مع واشنطن. ويحتاج إلى صورة حميمية مع ترامب لترميم حجته التقليدية بأنه وحده يستطيع انتزاع ما تريده “إسرائيل” من أميركا. لذلك بالغ في وصف لقاء لم يمنحه البيت الأبيض صورة أو استقبالاً أو بياناً مستقلاً. أما ترامب فيحتاج، قبل انتخابات الكونغرس، إلى العكس: وقف الحرب، وفتح هرمز، وخفض البنزين، واستعادة شعار «أميركا أولاً». فقد هبط مؤشر ثقة المستهلك إلى 90.8 نقطة، وارتفع متوسط سعر البنزين إلى نحو 4.10 دولارات، بينما أظهر استطلاع «رويترز–إيبسوس» أن 62% من الأميركيين يعارضون الحرب على إيران، وأن 63% يرون أنها تسير بصورة سيئة. وهنا تتشكل المعادلة الجديدة: كي يساعد ترامب حزبه على الفوز، يحتاج إلى مسار ينتهي بسقوط منطق نتنياهو، وربما بسقوط نتنياهو انتخابياً؛ وكي يفوز نتنياهو، يحتاج إلى إفشال التسوية وإدامة الحرب واستعادة صورة “إسرائيل” المهيمنة، ولو أدّى ذلك إلى إضعاف ترامب والجمهوريين في صناديق الاقتراع. وهذه ليست بالضرورة مؤامرة متبادلة لإسقاط أحدهما الآخر، بل تعارض موضوعيّ بين شروط النجاة السياسية للرجلين. لا يزال نتنياهو قادراً على المنافسة، وقد أظهر استطلاع للقناة 12 تعادله مع غادي آيزنكوت عند 38% في تفضيل رئاسة الحكومة. لكن طريقه إلى الفوز يمر عبر استعادة صورة “إسرائيل” القوية التي تغيّر المنطقة، بينما يمر طريق ترامب إلى الفوز عبر إثبات أن أميركا تستطيع وقف الحروب لا الاستمرار فيها لحساب “إسرائيل”.


 


– لهذا كان اللقاء أكبر من ترامب ونتنياهو. فما ظهر كأزمة في العلاقة الشخصية ليس إلا التعبير المباشر عن أزمة مشروع الهيمنة المشترك، حيث “إسرائيل” لم تعد قادرة على فرض نظام إقليمي بقوتها، وأميركا لم تعد قادرة على تحويل الحرب إلى استقرار بشروطها. والشرق الأوسط الذي خرج من حروب غزة ولبنان وإيران وهرمز لم يعد قابلاً لأن تعيده الغارات أو الصفقات الجزئيّة إلى زمن الهيمنة الذي مضى.




Saada Nehme



ملاحظة : نرجو ممن يرغب بإضافة تعليق، صياغته بلغة لائقة بعيدة عن القدح والذم والتحريض المختلف أو المسّ بالكرامات. إن كل ما ينشر من مقالات وأخبار ونشاطات وتعليقات، لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع الذي لا يتحمّل أي أعباء معنويّة أو ماديّة من جرّائها.


التعليقات

لارسال تعليق يرجى تعبئة الحقول الإلزامية التالية

الاسم الكامل: اختياري *الرسالة : مطلوب

 البريد الالكتروني : اختياري

 الدولة : اختياري

 عنوان الرسالة : اختياري

 



INN LEBANON

اشترك و أضف بريك لتلقي الأخبار

تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعية
INN LEBAANON ALL RIGHTS RESERVED 2026
top