في لحظة تاريخية بالغة الدقة والحساسية تشهدها المنطقة ولبنان، حيث تتكالب التحديات الوجودية وتتعاظم المخاطر الاستراتيجية على كافة المستويات، انعقد في وسط العاصمة بيروت اجتماع محوري تحت عنوان جامع يختصر جوهر الصراع والحل في الراهن اللبناني: “الطائف يساوي سيادة، تحرير، إصلاح”.
جاء انعقاد هذا اللقاء ليرسم مشهداً وطنياً يتجاوز الأطر الطائفية والمذهبية والانتماءات الحزبية الضيقة، حيث شهد مشاركة واسعة ونوعية شملت أكثر من ٢٥٠ شخصية ومن وزراء ونواب وفعاليات حزبية وسياسية ودينية وثقافية ونقابية ومهنية واجتماعية وفكرية، تمثل مختلف المكوّنات والشرائح اللبنانية.
ولعلّ هذه المبادرة تكتسب أهميتها الاستثنائية من التوقيت الدقيق الذي جاءت فيه وسط ملفات إقليمية ودولية متزاحمة ومتشابكة، فيما تتواصل الاعتداءات الإسرائيلية على الأراضي اللبنانية، وفي وقت تعجز فيه السلطة السياسية الرسمية عن تقديم خيارات حاسمة ورؤى متكاملة قادرة على حماية السيادة الوطنية وصون كرامة البلاد.
وتتجلى القيمة المؤثرة لهذا اللقاء في قدرته على بلورة تمثيل سياسي وازن وحقيقي يعبّر عن تطلعات القاعدة الشعبية والوطنية، ويرتكز على التمسك بالحوار الداخلي الفاعل كوسيلة فضلى لإدارة الاختلاف وبناء التوافقات، مع الإصرار على التطبيق الكامل وغير المبتور لاتفاق الطائف بجميع مندرجاته، ورفض أي مسارات تفاوضية منفردة أو أطر استسلامية، ولا سيما التفاوض المباشر أو صيغ اتفاق الإطار التي تطرح للالتفاف على حقوق لبنان الثابتة.
إن القراءة المتأنية للمواقف الصادرة عن المجتمعين تعكس قناعة راسخة بأن مواجهة الأخطار الداهمة الخارجية والداخلية لا يمكن أن تتم عبر تقديم التنازلات المجانية أو الاستجابة للشروط والإملاءات الخارجية، بل تتطلب توحيد الصفوف والتمسك بالحق المشروع للبنان في الدفاع عن أرضه ومقاومة العدوان بمختلف الوسائل المتاحة.
كما تبرز الرؤية الوطنية الجامعة التي عبّر عنها اللقاء ضرورة وجود سلطة سياسية جادة تمارس صلاحياتها بتجرّد، وتنفذ اتفاق الطائف بجميع بنوده دون استنسابية أو تجزئة، مع التأكيد على شرعية وقانونية المقاومة الوطنية التي يقرّها روح هذا الاتفاق ومبادئه في التصدّي للعدوان الإسرائيلي المستمر. وتتقاطع هذه الرؤية مع التحذير المباشر من خطورة المخططات العدوانية التي تهدف إلى اقتلاع المواطنين من أرضهم وتغيير الديموغرافيا والواقع الميداني، سواء في جنوب لبنان أو في فلسطين.
ومن هذا المنطلق، يكرس اللقاء حقيقة مفادها أن معالجة الأزمات والتعقيدات الداخلية يجب أن تظل صناعة لبنانية خالصة، تعتمد على التفاهم والتحاور المباشر كنموذج عملي قادر على إخراج البلاد من حالة الانسداد والارتهان. وهذا ما شدّد عليه البيان الختامي الصادر عن اللقاء، والذي رفع بشكل صريح شعار “نعم للحوار، نعم لتطبيق اتفاق الطائف بكل مندرجاته، ولا للتفاوض المباشر أو اتفاق الإطار بصيغته المطروحة مع العدو”، يوضح الدلالات السياسية والأبعاد الاستراتيجية لهذا الحراك؛ فهذا اللقاء بكل زخمه ومكوناته المتنوعة لا يمثل اصطفافاً سياسياً فئويّاً أو خندقاً حزبياً ضيقاً، بل يبعث برسالة وطنية مدوّية ومباشرة إلى القوى والشخصيات والتيارات التي تتبنى خيار تسليم لبنان بقراره الحر وسيادته الوطنية للإرادة الخارجية.
وتؤكد هذه الرسالة الشاملة أن الحوار الداخلي والالتقاء الصادق على الثوابت الوطنية يمثلان الخيار الأجدى والأكثر صوابية لمواجهة التهديدات المحدقة بمستقبل الكيان اللبناني، وهو الطريق الوحيد لبناء الدولة والنهوض بالبلد.
وفي المقابل، فإن الخضوع للإملاءات الأمريكية والتماهي مع الطروحات الاستعمارية لا يخدم سوى الأهداف الإسرائيلية التي تسعى جاهدة إلى تفكيك مقومات القوى اللبنانية، ومحو لبنان عن الخارطة الجيوسياسية ككيان صاحب دور ورسالة في المنطقة، بهدف تحويله إلى مجرد حديقة خلفية تابعة ومستباحة للكيان الصهيوني.
ومن هنا جاء الموقف الصارم برفض “اتفاق الإطار” واعتباره “ولِد ميتاً”، نظراً لكونه يتعارض بشكل تام مع الأولويات الوطنية، حيث يتجاهل استمرار الاحتلال والعدوان المباشر، ويسعى إلى فرض التزامات وإملاءات جائرة على الجانب اللبناني قبل إرغام العدو على الالتزام بوقف انتهاكات الاستباحة الدائمة للسيادة اللبنانية جواً وبراً وبحراً.
إن بناء المستقبل الوطني يستوجب الإدراك التام بأن أي حلول حقيقية ومستدامة للأزمات اللبنانية لا يمكن أن تُسقط من الخارج أو تُملى عبر ضغوط المحاور، بل تقتضي بالضرورة وجود توافق وطني واسع ومشاركة فعلية وشاملة لمختلف المكونات والفاعليات اللبنانية في صنع القرار الوطني المستقل، صوناً لأرض الوطن وسيادته، وحمايةً لمستقبل أجياله القادمة.