على وقع استمرار الخرق الإسرائيلي المتمادي للهدنة الممدّدة، وردّ «حزب الله» على هذه الخروقات، واتساع رقعة التدمير للقرى والبلدات الجنوبية في حنوب الليطاني وشماله، تنشط التحضيرات الرسمية للاجتماع اللبناني ـ الإسرائيلي الثالث على مستوى السفيرين المنتظر برعاية الجانب الأميركي في واشنطن هذا الاسبوع، حيث سيطرح لبنان وقف إطلاق النار وتثبيته شرطاً للانتقال إلى البحث في موعد انطلاق المفاوضات المباشرة ومكانها على مستوى الوفود، تحت طائلة الإحجام عن الدخول في هذه المفاوضات إذا لم تلتزم إسرائيل وقف النار نهائياً، والتوقف عن تفجير المنازل في المناطق الجنوبية.
فيما أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن إطلاق «مشروع الحرية» صباح اليوم الإثنين بتوقيت الشرق الأوسط، مؤكداً أن الولايات المتحدة ستبدأ بمرافقة السفن العالقة في مضيق هرمز استجابة لطلبات دولية، مع الاستعداد لاستخدام القوة في حال عرقلة العملية؛ وبالتوازي مع هذا التصعيد الميداني، كشف عن إجراء محادثات «إيجابية للغاية» مع إيران قد تفضي إلى نتائج بناءة للجميع.
وقال ترامب في منشور له ليل امس أن «دولاً من أنحاء العالم لا تشارك معظمها في النزاع بالشرق الأوسط طلبت مساعدتنا في تحرير سفنها بمضيق هرمز، وان الجهود الأميركية لتحرير حركة السفن في مضيق هرمز ستبدأ صباح الاثنين (اليوم) بتوقيت الشرق الأوسط». واضاف: «أنا على علم تام بأن ممثلينا يجرون محادثات إيجابية للغاية مع إيران وقد تؤدي لشيء إيجابي جداً للجميع» واعتبر أن «من أجل مصلحة إيران والمنطقة وأميركا أبلغنا الى هذه الدول أننا سنرشد بأننا سنتولى توجيه سفنها وإخراجها في أمان من مضيق هرمز ليتسنى لها استئناف أعمالها البحرية» واكد أن «ما سنقوم به لفتة إنسانية من قبل الولايات المتحدة ودول الشرق الأوسط ومن إيران بشكل خاص».
وقال: «هذه العملية ستظهر قدراً كبيراً من حسن النية من كل من كانوا يقاتلون بشدة في الأشهر الماضية. وفي حال عرقلة هذه العملية الإنسانية فإن هذا التدخل للأسف سيتعين التعامل معه بقوة»، واشار الى ان «تحريك السفن يهدف فقط لتحرير الأشخاص والشركات والدول التي لم ترتكب أي خطأ وهم ضحايا للظروف».
«واشنطن 3»
على الصعيد الداخلي اللبناني، قالت مصادر رسمية لـ«الجمهورية»، انّ المعنيين يبحثون في فكرة مشاركة رئيس الوفد اللبناني في لجنة «الميكانيزم» السفير السابق سيمون كرم في اجتماع السفيرين، من أجل إظهار الجدّية اللبنانية والرغبة في التوصل إلى اتفاق يوقف الاعتداءات الإسرائيلية نهائياً. ويعوّل لبنان على حصول تدخّل أميركي فاعل هذه المرّة للجم إسرائيل وإجبارها على التزام الهدنة التي تنتهي منتصف الشهر الجاري، خصوصاً إذا كانت الإدارة الأميركية جادة في رعاية اتفاق ينهي الحرب.
واكّدت المصادر، انّ أي لقاء بين رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، سواء برعاية الرئيس الأميركي دونالد ترامب او من دونها، غير وارد على الإطلاق، وانّ الرئيس عون قد يزور واشنطن للقاء ترامب حصراً، في حال دعاه الأخير لزيارة العاصمة الأميركية.
وأشارت المصادر إلى تطور العلاقة ايجاباً على المستوى الرئاسي، وخصوصاً بين الرئيس عون ورئيس مجلس النواب نبيه بري، وإن كان التواصل بينهما في هذه الأيام غير مباشر، على عكس التواصل المباشر بين عون ورئيس الحكومة نواف سلام. واكّدت المصادر، انّها تنتظر أن تعود الحرارة إلى العلاقة بين بعبدا وعين التينة إلى طبيعتها قريباً.
في غضون ذلك، لاحظت مصادر سياسية، انّ ارتفاع وتيرة التصعيد الإسرائيلي ربما تكون غاية تل أبيب منه إحداث وقائع على الارض، من شأنها ان تمكّنها من رفع سقف شروطها قبل اجتماع «واشنطن 3»، الذي قد يحصل خلاله تدخّل اميركي مباشر لإلزامها بوقف النار، خصوصاً بعدما لمست الإدارة الأميركية انّ الموقف اللبناني على رغم انقسامه بين مؤيّد للمفاوضات المباشرة وبين معارض لها، مفضّلاً المفاوضات غير المباشرة ومن خلال لجنة «الميكانيزم»، قد يرفض المفاوضات برّمتها إذا استمرت اسرائيل في تصعيدها وتهديدها ضدّ لبنان.
وأشارت المصادر إلى انّ لدى جميع المعنيين اقتناعاً بأنّ مصير الوضع في لبنان ومآلاته، وخلافاً لتوقعات البعض، كان ولا يزال مرتبطاً بما يمكن ان تنتهي اليه المفاوضات الجارية بين الجانبين الأميركي والإيراني عبر الوسيط الباكستاني، خصوصاً انّ طهران متمسكة بكل الافكار والمقترحات التي تقدّمها للحل بينها وبين واشنطن، ومنها إنهاء الحرب على الجبهة اللبنانية إلى جانب بقية الجبهات.
خسائر «الحزب»
في غضون ذلك، أفادت وكالة «رويترز»، أنّ «حزب الله» تعرّض لخسائر جسيمة بسبب الحرب الأخيرة، كان أبرزها احتلال جزء من جنوب لبنان ونزوح مئات الآلاف من أنصاره.
ونقلت الوكالة عن أكثر من 12 مسؤولاً في الحزب قولهم «إنّهم يرون فرصة لقلب الموازين، بما يرجح كفة الحزب عبر التحالف مع طهران في حربها ضدّ إسرائيل والولايات المتحدة». وأفادت الوكالة، نقلاً عن المسؤولين، «إنّ حسابات «حزب الله» تستند إلى تقييم مفاده بأنّ مشاركته ستؤدي حتماً إلى جعل لبنان جزءاً من جدول أعمال المفاوضات الأميركية ـ الإيرانية، وأنّ الضغط الإيراني يمكن أن يضمن وقف إطلاق نار أكثر تماسكاً من ذلك الذي دخل حيز التنفيذ في تشرين الثاني 2024.
ونقلت «رويترز» عن أحد نواب «حزب الله» إبراهيم الموسوي، قوله، إنّ الحزب رأى فرصة «لكسر الحلقة المفرغة.. حيث يستطيع الإسرائيليون استهداف واغتيال وقصف وقتل أي شخص دون أي ردّ».
وأقرّ الموسوي بالخسائر والأضرار في جنوب لبنان، لكنه قال: «لا ينبغي للمرء التطرّق لحسابات من قبيل عدد من سيقتلون.. (عندما تكون) الكرامة والسيادة والاستقلال» على المحك. واضاف، إنّ وقف إطلاق النار في لبنان لا يزال أولوية قصوى لإيران، مضيفًا أنّ طهران تشاطر لبنان أهدافه، بما في ذلك وقف إسرائيل لهجماتها والانسحاب من لبنان. وأكّد أنّ «حزب الله» «يثق ثقة تامة بإيران، وأنّ الإيرانيين لن يبيعوا أصدقاءهم».
ونسبت «رويترز» إلى «ديبلوماسي على اتصال مع حزب الله» وصفه قرار دخول الحزب في الحرب بأنّه «مغامرة كبيرة واستراتيجية للبقاء»، قائلًا إنّ الحزب «شعر بأنّه من الضروري أن يكون جزءًا من المشكلة حتى يصبح طرفًا في أي حل على المستوى الإقليمي في نهاية المطاف».
إنحدار مقلق
من جهة ثانية، وفي ضوء المضاعفات التي أثارها ما نُشر على مواقع التواصل الاجتماعي، وتناول رموزاً دينية وكاد يتسبب بفتنة داخلية، توجّه البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي أمس، في عظة لمناسبة عيد سيدة لبنان من بازيليك حريصا، إلى اللبنانيين سائلاً: «إلى أين نحن ذاهبون؟ وما هو مصيرنا في لبنان؟». ووصف الراعي الوضع الراهن بأنّه «حالة معلّقة ترهق الإنسان»، مشيراً إلى شعور اللبنانيين المستمر بالانتظار وعدم اليقين. وأضاف: «شعبنا يحاول التمسك بما تبقّى من أمل في ظل توترات زائدة، وكأننا بتنا غير قادرين على احتمال بعضنا البعض».
ولم يغفل الراعي التحوّلات التي طرأت على النقاش العام، لا سيما على وسائل التواصل الاجتماعي، حيث لاحظ تصاعد «حرب كلامية» تتجاوز حدود التعبير عن الرأي. وقال: «ما يجري اليوم على وسائل التواصل ليس حرّية رأي، بل انحدار مقلق في سلّم القيم واللغة واستباحة للكرامات، ولا يحقّ لأحد أن يمسّها». وشدّد على ضرورة استعادة الاحترام المتبادل والقيم الأساسية التي تجمع اللبنانيين، محذرًا من أنّ استمرار هذه الانحدارات قد يفاقم الانقسامات ويزيد من هشاشة النسيج الاجتماعي في لبنان.
خطاب عقلاني
إلى ذلك، أكّد وزير الإعلام بول مرقص، انّ «وظيفة وسائل التواصل وجدت للتواصل بين الناس، وليس للمسّ بالمعتقدات والرموز والمرجعيات الدينية والحطّ بالكرامات والتجريح الشخصي». وقال في تصريح: «لقد تابعت خطاب الكراهية عبر مواقع التواصل الاجتماعي. نحن في وزارة الإعلام نعمل على الحدّ منه عبر حملات التوعية والاجتماعات والاتصالات للمعالجة، إلّا اننا نحترم دور الملاحقة التي تعود للقضاء وليس لوزارة الإعلام». وأضاف: «أشجّع التعبير عن الرأي السياسي إلى أبعد مدى، ولكن مع احترام حقوق الآخرين وحرّياتهم وكراماتهم». ودعا كل وسائل الاعلام ورواد التواصل الاجتماعي إلى «اعتماد خطاب عقلاني، متزن وغير مستفز، خصوصاً أنّ الحرّية مسؤولية، والاستقرار الاجتماعي والحرّية صنوان» معتبراً انّ «ما يحصل من تجاوز لهذا الإطار فليس من الحرّية بشيء، ويقع تحت الملاحقة الجزائية للقضاء الذي نحترم وليس لوزارة الإعلام».
من جهته، أعلن «حزب الله» في بيان له امس، أنّه «يرفض الإساءة لأي شخصية أو رمز في لبنان، داعياً الحكومة اللبنانية ووزارة الاعلام إلى وضع حدّ للتجاوزات والاستفزازات».
وقال البيان «إنّ «حزب الله»، الذي كان واضحاً في موقفه الرافض لأي إساءة إلى أي شخصية أو رمز في هذا البلد، دينيًا كان أم غير ديني، يرفض هذه الاتهامات التي تتجاهل مواقفه المعلنة، ويضعها في إطار التحريض ومحاولات إعادة تأجيج التوترات وإشعال الفتنة».
ودعا الحزب الحكومة ووزارة الإعلام والأجهزة القضائية والأمنية إلى «تحمّل مسؤولياتها في وضع حدّ لهذه التجاوزات، إذ لم يعد مقبولًا ما يصدر عن بعض وسائل الإعلام وبعض الإعلاميين والسياسيين، من استفزازات وإساءات تطال شريحة واسعة من اللبنانيين، بغية استدراجها إلى ردود فعل وتوتير الساحة الداخلية، لا سيما في ظلّ ما تتعرض له بيئة المقاومة وتتحمّله منذ اتفاق وقف إطلاق النار في 27-11-2024 من حملات إعلامية وسياسية ممنهجة تستهدفها بشكل مباشر، وتمسّ بثوابتها وقيمها ورموزها وقياداتها وشهدائها». وأكّد أنّ «هذه الجهات مدعوة للقيام بدورها بعيدًا من أي ازدواجية في المعايير، حفاظاً على الاستقرار والسلم الأهلي».
إطلاق نار وقذائف
على الصعيد الأمني، سُجّل إطلاق نار وقذائف صاروخية في الهواء في محلة الكفاءات في الضاحية الجنوبية لبيروت، وذلك أثناء تشييع بعض الشهداء الذين سقطوا نتيجة القصف والمواجهات على الجبهة الجنوبية، ما أثار هلعاً في المنطقة.
ولاحقاً صدر عن قيادة الجيش – مديرية التوجيه البيان الآتي: «نفّذ الجيش تدابير أمنية فورية في منطقة الكفاءات – الضاحية الجنوبية، شملت عمليات دهم وتسيير دوريات مؤللة وإقامة حواجز ظرفية، على إثر إطلاق نار أثناء مراسم تشييع. وفي هذا السياق، دهمت وحدات من الجيش منازل المتورطين، وأوقفت أحد مطلقي النار، وضبطت كمية من الأسلحة والذخائر. سُلّمت المضبوطات وبوشر التحقيق مع الموقوف بإشراف القضاء المختص، ويجري العمل على توقيف بقية مطلقي النار».