وعاد الليل إلى فيروز قرر أن لا يغادرها
تركها لحظات لربما تحاور صمتها بعد رحيل زياد، ولكنه اشتاق إليها، فهرول مسرعاً من دون قمره، حضنها، وتركها مع تنهيدتها تدمع خارج النور، فأم زياد أصبحت دمعة، ودمعتها أصبحت قمر الليل، والليل هو ليلها المتجدد!
يزداد ليل فيروز بمحاصرتها...ليل فيروز عباءة مطرزة بالصبر والصمت!
ليل فيروز هو دمع العيون، ونهر من شكوى داخلية لا تعرف الخروج ولا البوح إلا للرحمن!
هلي ذاك الابن الباحث عن شبابه، زارته "الصفيرة" لتنال من وهجه، اقعدته، وجعلته مختلفاً، وسرقت قدرته الجسدية، هذا الشاب الذي أصيب بعجز أرق زمانه، وعاشت فيروز في زمانه...زاد تعبها وهمها، واقلق مشوارها، وخطف ابتسامتها...
وعاد الليل ليرافق ناطورة الحزن، وخميرة الصبر، ولكنها ستبقى ثوب الرجى، وحديقة من يرحل، وشاهدة على صور من تحب، إنها فيروز الصوت المطرز بالتعب والانتظار وبغيمة ملبدة بالبرد والمطر...
وعاد ليل فيروز لجلس بجوار مدفئة فيها كل الشوق ولهيب الحنين...
لقد تسابقت إليها أوراق العمر في السقوط، وحاولت فيروز الأيقونة أن تعاود التصالح مع الطفولة كي تلملم هذه الأوراق، لتجدها أعمار الغوالي، وباقات من عمر الروح لتعيدها فوراً إلى الكبر...لقد تناثرت أرواح من عشقتهم فيروز كحلم في روحها، فهل تقدر على تحمل المزيد من أوجاع الروح؟
صمت فيروز الأم أصعب ما يتصوره عقل، وحزن فيروز شجرة تكبر في قلبها، وقلبها مساحة من صفعات القدر، وقدر فيروز أن يشاكسها الزمن، ويخطف منها صور أمالها في أحلامها...إنه ضناها!
في هكذا قدر، وحكاية الصفحات الخاسرة الموجعة تجدنا نقف أمام السيدة الأم والإنسانة الفنانة بإنحناء لكبرياء زمانها وعنفوان مصيبتها، وسر حكاياتها، أملين من الرحمن أن يزيدها قوة لتجمع ذاكرتها، وتعيد تشكيل الوطن...!
فيروز بكل ما أصيبت به تشبه لبنان الوطن الوجع الغدر الغياب الذي عاشته وغنته، وكانت تنتظره بعد إطفاء أضواء الشهرة والنجاح والتميز...
فيروز...ستبقى هي فيروز الأصالة والكون والحجر الأثمن، والقيمة...وحتى في مصيبتها قيمة، وفي حزنها كل الوطن...!