مع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية، وتصاعد الحديث عن قيام دولة أو حكم درزي مستقل، خرج رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، أمس، كاشفاً عن تفاصيل مكالمة هاتفية "قصيرة جداً وحادة للغاية" أجراها مع الرئيس السوري أحمد الشرع. وبحسب نتنياهو، فقد جرت المكالمة في يوليو 2025، في أعقاب الغارات الإسرائيلية التي دمرت مبنى وزارة الدفاع السورية واستهدفت موقعاً قرب القصر الرئاسي في دمشق.
وبعيداً عن لغة التهديد التي وجهها نتنياهو للرئيس السوري، والمفارقة المتمثلة في عدم نفي الحكومة السورية للخبر حتى الآن، فإن هذا الاتصال يدل دلالة قاطعة على أن الرئيس أحمد الشرع تواق إلى السلام مع إسرائيل، بل وينتظر أدنى إشارة للتواصل معها. والدليل أنه لم يتوانَ في الرد على الهاتف ومحادثة رئيس الوزراء الإسرائيلي، دون الالتفات للواقع العربي والإسلامي في المنطقة. هذا التصرف يؤكد أن سوريا لن تعود كما كانت سابقاً، مما يعني أن حكم الأكراد سيقوم، وحكم العلويين سيقوم، وأن الدروز، في حال لم يحصلوا على إعلان دولة، فإنهم سيشكلون منطقة ذات خصوصية حكم تحتاج إلى وقت للتبلور.
فيما يتعلق بالدروز، فقد كتبت قبل سقوط بشار الأسد، وتحديداً في 4 – 11 – 2024، مقالاً بعنوان: "بحال هزمت المقاومة.. استيطان إسرائيلي سوري فلسطيني، الشيعة إلى العراق، الدروز إلى وادي التيم، وقيام دولة علوية". وفي مقال آخر بتاريخ 1 – 1 – 2025، تحت عنوان: "بريطانيا ستحكم جزءاً من عالمنا، وإسرائيل ستحكم الجزء الثاني". هذا المقال نُشر قبل أشهر من الهجوم على السويداء، وقد كتبت فيه عن سيناريو الهجوم وكيف ستقوم إسرائيل بحماية الدروز، وهو السيناريو الذي طُبق فعلياً.
أما بخصوص الرد الأمريكي الأخير على النشاط الإسرائيلي الساعي لقيام حكم درزي، فقد سربت الإدارة الأمريكية عبر الإعلام، برفضها قيام دولة درزية مع الاشارة الى خصوصية درزية واضحة، معللة الرفض بسبب بأنها ستكون دولة تحت الحكم الثيوقراطي (الديني)، بالإضافة إلى أن عدد الدروز في السويداء لا يسمح بقيام دولة قابلة وقادرة على الاستمرار وهناك الرفض الاردني.
في قراءتي لهذا الموقف، أرى أنه ليس رفضاً أمريكياً لقيام حكم درزي، بل هو "الاعلان" للبدء بالمرحلة الثانية من تقسيم لبنان وسوريا. ومن يراجع مقالي المنشور بتاريخ 4 – 11 – 2024، سيجد النص التالي: "أما الدروز فسينتقلون من جبل العرب وجبل لبنان إلى وادي التيم بحدوده القديمة، مما يعني تحولهم إلى مواطنين إسرائيليين".
بعد عامين من كتابة المقال تسمعون علنا من غالبية دروز السويداء بعد المجازر بحقهم كيف يطالبون بالحماية الاسرائيلية وحتى وصل الامر بمطالبة بعضهم بالانضمام الى اسرائيل.
السؤال الذي رفضه كثيرون قبل عامين عندما كتبت المقال، انه كيف ستكون اسرائيل في الجنوب اللبناني وكيف ستربط لبنان بالسويداء.
نعم قبل عامين فقط كان مقالي ضرباً من الجنون والقفز فوق الجغرافيا، أما اليوم، وبحال تتبعنا ما يعلنه الجيش الإسرائيلي نفسه من احتلالات وتوغل وما نشاهده على الفضائيات وتصرح فيه حتى الحكومة السورية، نجد أن ما كتبته قد أصبح واقعاً.
اليوم المسار الجغرافي العسكري الاسرائيلي: إسرائيل اليوم تملك انتشاراً عسكرياً في جبل الشيخ والقنيطرة وأجزاء من غرب درعا، وأعلنت في 9 أيلول 2026 أن لديها "سيطرة مطلقة" على منطقة تمتد من قمة جبل الشيخ جنوباً إلى نهر اليرموك وغرباً نحو البحر المتوسط. وبالتالي، من حيث القدرة الجغرافية والعسكرية، وفي هذا المجال فأن اسرائيل امتد نفوذها باتجاه السويداء. بمعنى آخر، فإن التوغل الإسرائيلي الراهن خلق ممراً عسكرياً واقعاً تحت سيطرته ونفوذه، يربط جغرافياً بين وادي التيم في لبنان والحدود الغربية للسويداء في سوريا كخط واحد متصل على الخريطة، مما يعني أن موضوع تطبيق السيناريو الثاني ربما أصبح مسألة وقت فقط.
بالطبع مواقف الموحدين في لبنان يرفضون اي تغيير ديمغرافي،
لكن الدول لها حسابتها ويبدوا ان حسابات الدول تطبق مثل اشهر الولادة بدقتها.
أما فيما يتعلق بقيام الدولة العلوية، فإن الطائفة الإسماعيلية -التي كانت تحمي حافظ الأسد والعلويين بسبب نفوذها العالمي- هي التي دفعت الإدارة الأمريكية إلى إرسال كولن باول عام 2003 إلى بشار الأسد لإقناعه بالبدء بقيام الدولة العلوية، والطلب منه مساعدة الشيعة على التوغل في سوريا وصولاً إلى حمص لإنشاء "الهلال العلوي الشيعي".
وجميعكم تعرفون ما حدث يومها، فقد رفض بشار الأسد السلام مع إسرائيل وتقسيم سوريا، كما رفض الشيعة أي أفكار توسعية لهم والبقاء على عداء مع إسرائيل.
"بعد مرور 25 يوماً على زيارة كولن باول لبشار الأسد، التقى الرئيس بوش الأبن الأمير كريم آغا خان إلى البيت الأبيض في 28 مايو 2003، وأبلغه برفض بشار لمطالب باول، فقال الأمير خان: 'فليسقط نظام بشار الأسد'. وقد كان الكثيرون ممن يرتادون مجالس الأمير خان يسمعون منه مقولة مفادها أن حافظ الأسد لم يعلن تسننه تقية وطمعاً بالحكم، بل إنه -أي حافظ الأسد- كان ينتمي في حقيقة الأمر إلى الطائفة السنية الكريمة، وكان يستفيد من الفكرة الطائفية القائلة بأنه علوي لتعزيز قبضة حكمه، بينما الرجل ليس علوياً في الواقع. وبالفعل، مرت الأيام وتبين أن حافظ الأسد وابنه لم يقدما شيئاً للعلويين، ولا حتى بندقية، بعكس ما كان يشاع، واتضح أن العلويين من أفقر المواطنين السوريين، وأن 65% منهم يعتاشون من صندوق للتبرعات يموله أثرياء العلويين."
يومها، نُشر التهديد الذي قاله باول لبشار الأسد، ولكن لم يُنشر الحديث عن الطروحات والمقايضات التي عُرضت عليه. وكان المطلوب من الأسد الانسحاب من لبنان (وقد حصل)، وقطع العلاقات مع إيران (وقد انتهى نظام الأسد وحصل ذلك)، وإغلاق المكاتب الفلسطينية (وهذا الأمر أيضاً حصل في سوريا).
اليوم بدات امريكا وبالتوافق مع الفرنسيين بتحرك جدي للبدء باعلان قيام الدولة العلوية المطلة على بحر الابيض المتوسط، ويقال ان اردوغان بسبب ضغوط علوية تركية وباكستانية وافق مبدئيا على قيام الدولة العلوية، والتي ستكون شبيهة بنظام اذربيجان.
ملاحظة: "عصب الاقتصاد الباكستاني "الكاش" هم الاسماعيليين"
للأسف، إننا اليوم أمام خارطة كبيرة في المنطقة، وربما ستتشكل قبل عام 2030. لذلك، فإن الوحدة اللبنانية ضرورية للغاية، ليس فقط في السياسة، بل حتى في تقاسم رغيف الخبز وشربة الماء وحبة الدواء، والابتعاد عن أي تشنج مهما كان صغيراً، فالزلزال كبير للغاية.