يتوقف متابعون عند موقف الرئيس وليد جنبلاط من اتفاق الإطار الذي وُقّع في واشنطن، إذ إن الكلمات القليلة التي استخدمها اختزلت الكثير من التفاصيل عندما وصف الاتفاق بأنه “ثلاثي الشكل، أحادي المضمون”.
ولفهم خلفية هذا الموقف، لا بد من التوقف عند تغييب اتفاقية الهدنة لعام 1949 عن الاتفاق، رغم أنها شكّلت مرجعية أساسية في عدد من القرارات الدولية والاتفاقات المفصلية الخاصة بلبنان، وفي مقدّمتها وثيقة الوفاق الوطني (اتفاق الطائف)، التي نصت صراحة، في المحور المتعلق بتحرير لبنان من الاحتلال الإسرائيلي، على “الالتزام باتفاقية الهدنة الموقعة في 23 آذار 1949”.
من هنا، فإن استحضار اتفاقية الهدنة ليس أمرًا مستغربًا أو خارج السياق، كما يحاول البعض تصويره عبر حصر الاتفاقية ببعض الترتيبات العسكرية الواردة في ملحقها الأمني. فهذا الطرح يتجاهل أن الاتفاقية الأممية كرّست أيضًا مبادئ سيادية وقانونية أساسية، أبرزها تثبيت الحدود الدولية، وفرض التزامات متبادلة على لبنان وإسرائيل، وهي مبادئ أُعيد التأكيد عليها لاحقًا في قرارات مجلس الأمن وفي وثيقة الوفاق الوطني، باعتبارها تشكل جزءًا من الإطار القانوني الناظم للعلاقة بين الطرفين.
في المقابل، خلا اتفاق الإطار من أي إشارة إلى هذه المرجعية القانونية. ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل أصرت إسرائيل، وفق المعلومات، على استبدال مصطلح “الانسحاب الإسرائيلي” بمفهوم “إعادة الانتشار التدريجي”، كما رفضت إدراج أي إشارة إلى الحدود الدولية، رغم اعتراض الوفد اللبناني خلال الجولتين الرابعة والخامسة من المفاوضات. ويبدو أن هذا الإصرار لم يكن تفصيلاً شكليًا، بل يعكس رغبة إسرائيلية في تجنب أي نص يمكن أن يمنح لبنان سندًا قانونيًا إضافيًا للاستناد إلى اتفاقية الهدنة والقانون الدولي في مواجهة أي خرق أو توغل مستقبلي.
وعليه، يمكن فهم توصيف جنبلاط للاتفاق بأنه “ثلاثي الشكل، أحادي المضمون”، باعتبار أن الاتفاق جاء برعاية ثلاثة أطراف، لكنه، في نظر منتقديه، أسقط مرجعيات قانونية كانت تفرض التزامات متبادلة، واستعاض عنها بصياغات تمنح إسرائيل هامشًا أوسع في تفسير التزاماتها، فيما تُلقي القسم الأكبر من الالتزامات على الجانب اللبناني. وفي انتظار صدور الملحق الأمني، يجب أن تقال هذه الخفايا وتُبيّن هذه الوقائع.
رئيس مجلس النواب نبيه بري الذي حذر من الفتنة، اعتبر أن: “الاتفاق هو ضد نفسه ولا يمكن أن يُطبق”، مؤكداً أن لبنان لا يزال يلتزم مقررات الجامعة العربية، ولا يمكنه أن يذهب إلى أي اتفاق من هذا النوع قبل الدول العربية الأخرى. وإذ شدد على الوحدة الداخلية ومنع أي انقسام أو شرذمة أو فتنة، أكد العمل في الإطار المؤسساتي لإعادة الأمور إلى نصابها. فما يهمه أيضاً هو أن لا يدفع لبنان ثمن صراعات خارجية على أراضيه.
وأثنى بري على موقف جنبلاط، معتبراً أنه صاحب الموقف الأكثر وضوحاً، ففي كلمات قليلة قال ما يلزم لوصف الاتفاق بالأحادي. ورأى أن جنبلاط لا يضيّع البوصلة، وقد اتخذ مواقف ممتازة في هذه المحنة، من احتضان المهجرين إلى التعبير السياسي عن مواقفه الساعية لتقريب وجهات النظر وتقديم الاقتراحات والمبادرات من لبنان إلى سوريا بما يحفظ أمن البلدين.
وتلقى بري اتصالاً هاتفياً من نظيره الإيراني محمد باقر قاليباف، تناولا فيه تطورات الأوضاع في لبنان والمنطقة. وأكد قاليباف “حرص ايران على مواصلة مساعيها مع الجهات الإقليمية والدولية الضامنة لمذكرة التفاهم لإلزام إسرائيل بإنهاء حربها على لبنان”.
كما جرى اتصال هاتفي بين الرئيس بري ووزير خارجية مصر بدر عبد العاطي، الذي أكد أن “الانسحاب الإسرائيلي الكامل هو مفتاح الاستقرار في لبنان”.
وفي تطور مهم، جرت مباحثات هاتفية بين الرئيس بري ورئيس الحكومة نواف سلام، أكّدا فيه رفض أي فتنة بين اللبنانيين، والعمل على التصدي لها، ورفض تحويل أي خلاف سياسي إلى مادة للانقسام الوطني والتفرقة.
وعلى خط “حزب الله” وبعد بيان أمينه العام الشيخ نعيم قاسم أمس الأول، كان موقف لرئيس كتلة الحزب النائب محمد رعد الذي رأى في اتفاق الإطار خضوعاً من السلطة اللبنانية لمنطق الوصاية الأميركية، وتواطؤاً مع العدو الصهيوني ضد شعبها، واصفاً الاتفاق بالشيطاني الخبيث والمشؤوم، ويمثّل نعيق بومٍ في لبنان والمنطقة.
ميدانياً، واصلت قوات الاحتلال شن الغارات على العديد من المناطق الجنوبية، وعمدت الى تفجير منازل وحرقها في عدد من البلدات المحتلة. فيما أعلن جيش العدو الإسرائيلي، مقتل ضابط وإصابة جندي في معارك في جنوب لبنان.
الى ذلك، أكّد مصدر عسكري أن الجيش اللبناني لا يخضع للتقييم من أي جهة، وكل ما ينقل من كلام لمسؤولين إسرائيليين حول تطهيره من عناصر غير موالين للمؤسسة غير صحيح ومدان، فالعسكريون كافة يدينون بالولاء للمؤسسة والوطن بأجمعه، ويعتزّون بالانتماء إلى كل شبر من ترابه. وأكد المصدر أن المؤسسة العسكرية تستند إلى أنظمتها وقوانينها، ولا تعنيها التصريحات الصادرة عن أي مسؤول إسرائيلي.