قبل أيام من موعد المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل الأسبوع المقبل، شهدت مدينة النبطية وقرى القضاء يوماً دامياً نتيجة كثافة الغارات التي شنتها إسرائيل ليل أول من أمس واستمرت حتى ظهر أمس الجمعة، في محاولة منها للسيطرة على تلة علي الطاهر، الموقع الاستراتيجي الذي يشرف على النبطية ومحيطها وصولاً إلى إقليم التفاح في جزين. وأسفرت الغارات عن استشهاد 47 شخصاً وإصابة العشرات، فيما طالت الاعتداءات الإسرائيلية مناطق واسعة بين الجنوب والبقاع، في خرق فاضح ومستمر لكل الجهود الدبلوماسية وأجواء التفاهم الإقليمي المبرم بين واشنطن وطهران.
وفي التفاصيل، عاشت النبطية وقضاؤها واحدة من أصعب الليالي منذ بدء الحرب، حين ارتكب الجيش الإسرائيلي سلسلة مجازر بحق المدنيين أسفرت عن سقوط عشرات الشهداء توزعوا بين النبطية وحاروف والشرقية والدوير، فيما اعترفت إسرائيل بمقتل أربعة عسكريين بينهم ضابط برتبة عقيد. وقد دفع ذلك الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى مطالبة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بوقف النار في لبنان.
وكان نتنياهو قد عبّر بوضوح عن رفضه الانسحاب من ما أسماها “المنطقة الأمنية” التي تقع بعمق عشرة كيلومترات جنوب نهر الليطاني، ما وضع واشنطن في موقف حرج أمام المفاوض الإيراني، خصوصاً بعد تأكيد رئيس مجلس النواب نبيه بري أن التزام لبنان و”حزب الله” بوقف إطلاق النار مشروط بالتزام إسرائيل الكامل والشامل به.
ويأتي هذا التصعيد رغم سريان اتفاق وقف إطلاق النار الذي تعرّض لخروقات متكررة من الجانبين خلال الأشهر الماضية، علماً أن الاتفاق أُنجز بوساطة قطرية – إيرانية – أميركية بين “حزب الله” وإسرائيل، في تطور لافت عكس حجم الانخراط الإقليمي والدولي في محاولة احتواء المواجهة ومنع انزلاقها إلى حرب شاملة.
تأجيل المفاوضات التقنية بين واشنطن وطهران
في تطور مفاجئ يهدد بعرقلة الزخم الدبلوماسي الذي أعقب توقيع التفاهم الإطاري بين واشنطن وطهران، تلقى مسار التسوية الإقليمية صدمة غير متوقعة مع إعلان وزارة الخارجية السويسرية رسمياً أن المفاوضات التقنية والمراسم التي كانت مقررة بين الولايات المتحدة وإيران لن تُعقد في منتجع بورغنستوك الجبلي الشهير كما كان مخططاً لها.
وجاء الإعلان السويسري من دون الكشف عن الأسباب الكامنة وراء إلغاء المحادثات، وذلك بعد ساعات قليلة من تأكيد البيت الأبيض أن نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس ألغى رحلته التي كانت مقررة إلى سويسرا للقاء المفاوضين الإيرانيين، بناءً على طلب الرئيس ترامب.
ومع إعلان البيت الأبيض تأجيل زيارة فانس، تصاعدت التساؤلات حول الأسباب الحقيقية وراء إرجاء المحادثات. وأشارت مصادر مطلعة عبر “الأنباء” الإلكترونية إلى أن تأجيل لقاء سويسرا قد يكون مرتبطاً بالاعتراضات الإيرانية على استمرار الحرب الإسرائيلية في لبنان، فيما لفت مصدر إيراني إلى افتقار المفاوضين الإيرانيين إلى مؤشرات إيجابية بشأن تنفيذ الاتفاق من الجانب الأميركي.
ويأتي ذلك في وقت تواصل فيه إسرائيل عملياتها العسكرية على الأراضي اللبنانية، ما أثار شكوكاً متزايدة حول صمود التفاهم الأميركي – الإيراني. وما زاد من تعقيد المشهد إعلان نتنياهو تمسكه بالبقاء داخل الأراضي اللبنانية وعدم الانسحاب من المناطق التي احتلتها قواته خلال الأشهر الماضية.
وترى أوساط متابعة أن استمرار الغارات الإسرائيلية واتساع رقعة الاستهدافات، بالتزامن مع تمسك نتنياهو بخيار التصعيد الميداني، شكّلا عامل ضغط إضافياً على مسار التفاهم الأميركي – الإيراني، وأسهما في تعقيد أجواء المفاوضات التقنية التي كان من المقرر عقدها في سويسرا، ما عزز الشكوك حول قدرة الأطراف على الانتقال سريعاً إلى مرحلة تنفيذ الالتزامات الواردة في الاتفاق.
عون واتصال من روبيو
وقبل أيام من زيارته المرتقبة إلى واشنطن للقاء الرئيس ترامب، تلقى رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون مساء أمس اتصالاً هاتفياً من وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، جرى خلاله البحث في الأوضاع الراهنة في لبنان والمنطقة على ضوء التطورات الأخيرة.
وأكد روبيو خلال الاتصال وقوف الولايات المتحدة إلى جانب لبنان والعمل من أجل تحقيق الأمن والاستقرار فيه، وبسط سلطة الدولة على كامل أراضيها، ودعم مؤسساته الشرعية والأمنية والعسكرية، وفي مقدمها الجيش اللبناني.
من جهته، شدد عون على ضرورة التوصل إلى وقف شامل لإطلاق النار باعتباره المدخل الأساسي لإنجاح المفاوضات المقبلة، مؤكداً تمسك لبنان باستعادة كامل أراضيه المحتلة وضمان عودة الأسرى اللبنانيين.
كما التقى رئيس الجمهورية الوفد المشارك في مفاوضات واشنطن، وزوده بتوجيهاته قبيل انطلاق الجولة الجديدة من المحادثات، مؤكداً أن وقف الحرب على لبنان يشكل المدخل الطبيعي لأي مسار سياسي أو أمني مستدام.
سلام
أما رئيس الحكومة نواف سلام، فأكد خلال رعايته حفل التخرج في جامعة سيدة اللويزة في ذوق مكايل أن “الدولة التي نريد بناءها ليست دولة في مواجهة المجتمع بل دولة في خدمته، وليست دولة فئة أو طائفة بل دولة جميع اللبنانيين”.
ورأى أن “استعادة الدولة لا يمكن أن تتحقق بعنوان واحد أو بإجراء منفرد، بل بمسار متكامل يقوم على ركيزتين متلازمتين: الإصلاح وبسط سلطة الدولة”، معتبراً أن الإصلاح يتطلب استكمال تطبيق اتفاق الطائف وتصحيح ما شاب تطبيقه من شوائب وثغرات.
وأضاف أن “السيادة تعني أن تكون الدولة وحدها صاحبة القرار في شؤون السلم والحرب، وأن لا يتحدث باسمها أو يفاوض عنها سوى سلطتها الدستورية”، معتبراً أن “الدولة التي تعجز عن صون قرارها الوطني تفقد صدقيتها في الداخل والخارج”.
وجدد سلام التزام حكومته “ألا تتراجع عن مسيرة الإصلاح التي بدأتها، وألا تساوم على أي شبر من أرض الوطن، وألا تتهاون في حصر السلاح بيد القوى الشرعية وحدها”.