لا تبدو الأحداث المتلاحقة والتنقلات التي تعصف بالمنطقة ولا سيما التفجير الإرهابي الذي طاول المدنيين في مدينة جرمانا السورية، واستمرار أجواء التصعيد الإسرائيلي في جنوب لبنان مجرد محطات متفرقة، بل تعكس مساراً سياسياً وأمنياً واحداً تتداخل فيه محاولات فرض الوقائع الميدانية مع الجهود الدبلوماسية الساعية إلى احتواء الأزمات.
في سوريا، حمل التفجير الإرهابي الذي استهدف حافلة مدنية في مدينة جرمانا أكثر من رسالة، ليس فقط بسبب فداحة الجريمة التي أودت بحياة مدنيين وأوقعت عدداً من الجرحى، بل لأن توقيته جاء بعد ساعات من البيان الوطني المسؤول الذي أصدره مشايخ المدينة وأهاليها، مؤكدين تمسكهم بوحدة سوريا، ورفضهم كل أشكال التحريض الطائفي وخطابات الكراهية، ودعوتهم إلى تفعيل مؤسسات الدولة وسيادة القانون وتحقيق العدالة على الجميع دون استثناء.
وبين البيان والتفجير، تبدو الصورة واضحة؛ فهناك من يريد إعادة إنتاج الفوضى كلما اقترب السوريون من تثبيت معادلة الدولة، وهناك من يرى في الاستقرار السوري خطراً على المشاريع التي قامت طوال سنوات الحرب على الانقسام الأهلي والتوترات المذهبية.
إن استهداف جرمانا، بما تمثله من تنوع اجتماعي وثقافي وسياسي، ليس حادثاً معزولاً، بل يأتي في إطار محاولات ضرب النموذج الذي تسعى الدولة السورية إلى ترسيخه بعد أشهر من بدء المرحلة الانتقالية. فالمدينة كانت، ولا تزال، نموذجاً للتعايش والانفتاح، ولذلك فإن ضرب أمنها يحمل بعداً يتجاوز حدودها الجغرافية، ويستهدف مجمل مسار استعادة الاستقرار. إلا أن الموقف الذي عبر عنه أبناء المدينة قبل الجريمة وبعدها يوحي بأن الرهان على الفتنة لن يكون سهلاً، وأن الوعي الوطني بات أكثر قدرة على إحباط مشاريع التخريب مهما تنوعت أدواتها.
وفي سياق متصل، دان الحزب التقدمي الاشتراكي الانفجار داعيًا الأجهزة الأمنية السورية إلى كشف ملابسات هذا العمل الإرهابي. وفي بيان صادر عن مفوضية الإعلام، جدد “التقدمي” موقفه الثابت في دعم سوريا وإدانة محاولات العبث بأمنها واستقرارها وسلامة مكوناتها، مؤكدًا أن هذه المحاولات المكشوفة لن تنجح في النيل من وحدتها وأمنها. واعتبر “التقدمي” أن تلك الاعتداءات المشبوهة تتكرر كلما برزت فرصة للتقارب بين مكونات الشعب السوري، مسجلاً تحية للموقف الوطني الذي عبّر عنه أبناء جرمانا، الذين أكدوا الانتماء إلى الوطن والدولة ، ورفضوا أن تكون جرمانا صندوق بريد أو ساحة لتصفية الحسابات. وكان هذا الموقف قد صدر صباح الخميس في بيان عن أهالي جرمانا ومشايخها.
أما في الشأن اللبناني، فقد انتهت الجولة السابعة من المفاوضات اللبنانية ـ الإسرائيلية في روما من دون تحقيق أي تقدم ملموس، على الرغم من محاولات واشنطن الإيحاء بأن المباحثات شهدت “اختراقات” على المستويات السياسية والعسكرية والحدودية. والواقع أن الملفات الأساسية بقيت على حالها، وفي مقدمها وقف الاعتداءات الإسرائيلية، والانسحاب من الأراضي اللبنانية المحتلة، وآليات تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار، إضافة إلى ملفات الأسرى والحدود والمناطق النموذجية.
ورغم أهمية استمرار الحوار وعدم انهياره، فإن التجربة تؤكد أن أي تقدم تفاوضي يبقى رهينة القرار الإسرائيلي. فتل أبيب ما زالت تتعامل مع المفاوضات باعتبارها وسيلة لإدارة الصراع لا لإنهائه، وتسعى إلى فرض وقائع ميدانية تمنحها أوراق قوة إضافية على طاولة التفاوض، وهو ما ظهر بوضوح من خلال استمرار الغارات والتدمير الممنهج للقرى الجنوبية بالتزامن مع انعقاد جلسات روما.
ولعل التطور الأكثر أهمية أمس تمثل في المعطيات التي أكدت، وفق تقديرات أميركية وإسرائيلية، أن العبوة التي انفجرت في ناقلة الجند الإسرائيلية في مجدل زون كانت مزروعة قبل إعلان وقف إطلاق النار في حزيران الماضي، ما ينفي عملياً الرواية الإسرائيلية التي حاولت تحميل “حزب الله” مسؤولية خرق الاتفاق. وهذه المعطيات تسقط الذريعة السياسية والعسكرية التي استخدمتها إسرائيل لتبرير موجة العدوان الأخيرة، وتؤكد أن التصعيد الإسرائيلي لم يكن رداً على خرق جديد، بل قراراً مسبقاً يهدف إلى تكريس سياسة الضغط العسكري واستمرار الاحتلال ورفض الالتزام الكامل بمندرجات اتفاق وقف إطلاق النار والقرار 1701.
ومن هنا، فإن ما يجري في الجنوب لم يعد مجرد ردود فعل متبادلة، بل يعكس محاولة إسرائيلية لإبقاء الجبهة مفتوحة، بما يسمح لها بالضغط على لبنان في ملفات التفاوض، وتأخير أي انسحاب من الأراضي المحتلة، والإبقاء على هامش واسع للتحرك العسكري. أما لبنان، فيتمسك بموقف واضح قوامه أن تثبيت وقف إطلاق النار والانسحاب الإسرائيلي الكامل يشكلان المدخل الطبيعي لأي ترتيبات سياسية أو أمنية لاحقة.
وفي الداخل اللبناني، تستمر الدولة في إرسال إشارات تؤكد أن الإصلاح لا يقتصر على الملفات الاقتصادية، بل يشمل أيضاً إعادة الاعتبار لهيبة القانون. وفي هذا السياق يندرج مشروع القانون الذي تقدم به عضو “اللقاء الديمقراطي” النائب بلال عبد الله لفرض رسوم على تراخيص حمل الأسلحة الحربية واستعمال الزجاج الداكن، باعتباره خطوة تتجاوز بعدها المالي نحو تكريس مبدأ تنظيم حمل السلاح وتشديد الرقابة على المظاهر الأمنية الخارجة عن الضوابط القانونية. وهي مبادرة تنسجم مع الحاجة إلى تعزيز سلطة الدولة، وحصر الاستثناءات القانونية ضمن معايير واضحة، في وقت يطالب فيه اللبنانيون بدولة قوية قادرة على فرض القانون على الجميع.
وسط هذه الوقائع، تبدو المنطقة أمام مرحلة انتقالية دقيقة، تتقدم فيها السياسة خطوة وتتراجع خطوتين تحت ضغط الأمن والميدان. لكن الثابت أن مستقبل الاستقرار لن تصنعه البيانات المتفائلة ولا التصريحات الدبلوماسية، بل قدرة الدول على فرض سيادتها، واحترام الاتفاقات، ووقف الاعتداءات، وإغلاق الأبواب أمام مشاريع الفوضى والفتنة. وما بين جرمانا وروما وهرمز، يتضح أن معركة المنطقة في المرحلة المقبلة لن تكون فقط حول الحدود أو النفوذ، بل حول تثبيت الدولة باعتبارها الإطار الوحيد القادر على حماية المجتمعات وصون الاستقرار.