لم يعد المشهد في لبنان قابلاً للاختزال في أزمة سياسية عابرة، ولا في خلاف داخلي تقليدي. نحن أمام لحظة تاريخية تتكشّف فيها طبقات الصراع دفعة واحدة، حيث يتقاطع الداخل المثقل بالانقسامات مع الخارج المتربّص، فتتشكل معركة مفتوحة على مصير وطن بأكمله. إنها مواجهة تتجاوز حدود السياسة، لتلامس عمق الهوية والوجود، في زمن سقطت فيه الأقنعة، وانكشفت فيه مشاريع كانت تعمل في الخفاء.
المعركة الدائرة اليوم ليست ذات بُعد واحد، بل تحمل وجهين متلازمين: داخليًا وخارجيًا. في الداخل، تتصاعد الانقسامات وتُستحضر ذاكرة الصراعات القديمة، فيما تتغذّى بعض الخطابات على مخاوف متبادلة، وتُعيد إنتاج منطق الإقصاء بدل البحث عن شراكة حقيقية. أما في الخارج، فتتكثّف الضغوط الدولية والإقليمية ضمن سياق أوسع يعيد رسم خرائط النفوذ في المنطقة.
لقد أظهرت التطورات الأخيرة حجم التداخل بين هذين البعدين؛ إذ لم تعد بعض القوى تخفي ارتباطاتها أو رهاناتها، بل باتت تتعامل مع التحولات الإقليمية كفرصة لإعادة فرض موازين قوى جديدة في الداخل. وفي هذا السياق، يبرز خطر الانزلاق نحو اصطفافات حادة تُهدّد ما تبقّى من توازن دقيق يحكم البنية اللبنانية.
إن ما يجري لا يمكن فصله عن مشروع أوسع يسعى إلى إعادة تشكيل المنطقة، مستفيدًا من حالة الاضطراب التي تعصف بها، ومن الصراعات المفتوحة في أكثر من ساحة. ولبنان، بحكم موقعه الجغرافي وتركيبته الداخلية، يجد نفسه في قلب هذا المخاض، يدفع ثمنًا مضاعفًا لكل تحوّل، ويتأثر بكل اهتزاز في الإقليم.
في موازاة ذلك، يبرز جدل عميق حول دور الدولة ومؤسساتها، وحول طبيعة القرار السياسي وحدود استقلاله. فبين من يرى في بعض السياسات انحرافًا عن المصلحة الوطنية، ومن يعتبرها ضرورة في ظل موازين القوى القائمة، تتّسع فجوة الثقة، ويتزايد القلق من تحوّل المؤسسات إلى أدوات ضمن صراع أكبر.
كما يطفو على السطح سؤال المقاومة ودورها؛ بين من يعتبرها عنصر قوة في مواجهة التهديدات الخارجية، ومن يراها موضع خلاف داخلي. وهو نقاش يعكس عمق الانقسام، لكنه في الوقت نفسه يكشف الحاجة إلى مقاربة وطنية شاملة تُعيد تعريف الأولويات بعيدًا عن منطق الغلبة أو الإلغاء.
أما الجيش، فيبقى في وجدان اللبنانيين مؤسسة جامعة، تحمل رمزية الدولة ووحدتها، رغم كل الضغوط والتحديات. ما يجعل الحفاظ على دوره واستقلاليته مسألة أساسية في أي محاولة لحماية الاستقرار ومنع الانهيار.
في خضمّ كل ذلك، تتداخل الحسابات الدولية، حيث تتقاطع مصالح القوى الكبرى في المنطقة، وتتحول ساحاتها إلى ميادين صراع غير مباشر. من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، ومن التوترات الآسيوية إلى ملفات الطاقة والممرات الاستراتيجية، يبدو العالم وكأنه يعيد ترتيب أولوياته، ولبنان جزء من هذا المشهد، شاء أم أبى.
والحقيقة المؤلمة أن لبنان اليوم ليس مجرد ضحية للتحولات الإقليمية والدولية، بل هو ساحة اختبار حقيقي لإرادة شعبه. فالتحديات الداخلية والخارجية تتلاقى لتضغط على كل مؤسسات الدولة، وكل قرار سياسي، وكل خطوة نحو الاستقرار. الصراعات المفتوحة لم تعد رمزية أو نظرية، بل أصبحت تهدد وجود الدولة وأمنها ومكانة شعبها. وفي هذا الواقع، يصبح الصمود أكثر من خيار: إنه واجب وطني وشرط بقاء، لا سبيل لتجاوزه إلا بخطر داهم يهدد كل ما بُني عبر التاريخ.
رغم كل الظلام الذي يخيّم على الأفق، يبقى لبنان وطنًا لا يركع. تضحيات أبنائه محفورة في ترابه، وشموخ أهله نور يضيء دروب المقاومة والصمود. في زمن الانقسام والرهانات الكبرى، يثبت التاريخ أن الأوطان لا تُصان بالغلبة وحدها، بل بوحدة الإرادة، وبالوعي الجماعي، وبالقدرة على العيش معًا رغم كل الاختلافات. لبنان، كما عهدناه، سيبقى ينبض بالحياة والكرامة.