صوته هادر كرعد الخريف. نبراته برق تقصف الخصوم. لا يعرف المنطقة الرمادية. منذ أن اندلعت الحرب وغزا الشاشات والبودكاست، صار اسمه مرادفاً للهجوم المدروس والدفاع الذي لا يلين. قضيته تساوي الوجود: الجنوب، الأرض، الإنسان.
هذا هو جهاد أيوب، لا يدخل نقاشاً ليدافع، بل ليهاجم بالحجة. سلاحه الأول هو المعلومة الموثقة، والثاني هو التوقيت. يهاجم بشراسة ومعه الدلائل. يهاجم بالكلمة ومعه الإثبات. يهاجم بالحق ومعه كل الحقوق. لهذا تحولت مقاطعه إلى "ترند" كلما ارتفع منسوب التخوين ضد بيئة المقاومة.
هو لا يرد على الشتيمة بمثلها. يرد بقلب المعادلة: أنتم تتهموننا بأننا "إيرانيون"؟ نحن من قاوم عدواً احتل الأرض وأنتم أحضرتموه. تتهموننا أننا "غير لبنانيين"؟ نحن من قاوم عدواً أنتم تعاملتم معه. تتهموننا بالتبعية؟ نحن من قاوم أعداء الله والإنسان، نحن من قاوم من صلب مسيحكم ودمر كنائسكم، نحن من رفض الذل والاستسلام. نحن أصحاب الشأن. نحن لبنان.
هذه البنية الخطابية عند أيوب، وأيضاً — قلب التهمة إلى إدانة للخصم — هي سرّ تأثيره. لا يكتفي بالدفاع عن البيئة التي قاتلت، بل يهاجم منصة الاتهام نفسها ويكشف تناقضها.
يربط كل هجوم بأرشيف: تصريح، صورة، تاريخ، خريطة، يحوّل الجدل من رأي إلى واقعة، ويستخدم ثنائية الكرامة/الذل، الأرض/البيع، الدم/التطبيع ليرفع الكلفة الأخلاقية على الخصم ، يستدعي الصليب والكنيسة والمسيح مع الحسين والجنوب، يكسر حصر المقاومة بطائفة، لا يتعب ولا يستكين.
ظهور أيوب يومي مكثف، يفرض إيقاعه على السجال العام..وهو لا يفصل بين الهجوم والدفاع. كل دفاع عنده يبدأ بهجوم، وكل هجوم ينتهي بتثبيت حق. لذلك لا تترك مداخلاته مساحة رمادية: إما مع من قاوم، أو مع من طبّع.
الفراغ الذي خلفته الحرب الأخيرة لم يكن عسكرياً فقط، بل سردياً. روايات التشكيك بالبيئة المقاوِمة احتاجت صوتاً يمتلك 3 شروط: شرعية الميدان، قدرة تفكيك خطاب الخصم، ومنبر جماهيري. جهاد أيوب جمع الثلاثة.
خصومه يخاطبون "بيئة شيعية موالية لإيران". هو يرد بـ "بيئة لبنانية قاتلت عن الكنيسة قبل المسجد". يكسر القفص المذهبي ويضع الخصم في موقع الدفاع عن وطنيته هو.
كلما اتُّهمت البيئة بالعمالة، يستحضر الأسماء والتواريخ والشهداء. يحول التخوين من تهمة سياسية إلى إهانة للدم، وهذا خط أحمر اجتماعياً.
تكرار ظهوره حوّل الكلفة على أي إعلامي أو سياسي يهاجم بيئة المقاومة. صار معروفاً أن الهجوم سيقابله تشريح علني موثق يتحول إلى ترند. هذه كلفة ردعية لا يستهان بها.
قوة جهاد أيوب هي حدّيته. وهي نفسها نقطة ضعفه المحتملة. الخطاب الهجومي الدائم يوحّد البيئة الحاضنة، لكنه قد يقفل الباب أمام المترددين. التحدي القادم: هل يستطيع الانتقال من "كسر التهمة" إلى "بناء الجسر" دون أن يفقد سلاح الردع؟
ما بعد حزيران 2025، المنطقة ذاهبة إلى تسويات باردة وترسيم أوزان جديد بين الرياض وطهران. في هذا المناخ، أصوات مثل جهاد أيوب تضمن ألا تُدفع أثمان التسوية من رصيد من قاتل. وظيفته ليست صناعة التفاهم، بل حراسة الذاكرة والدم حتى لا يُساوَم عليها على طاولة التفاهم.
هذا هو كفاح الصبر الذي يمثله جهاد أيوب: صبر على الجبهة، وشراسة على الشاشة. صوت يقول للخصم إن الإهانة لها ثمن، وإن الأرض التي دُفعت بالدم لا تُشطب بتغريدة. لذلك صار رعد الخريف الذي ينتظره جمهور ليطمئن أن أحداً لا يزال يهاجم نيابة عنهم، بالكلمة التي معها الدليل، وبالحق الذي معه كل الحقوق...