الحوار لم ينقطع بيننا إلا ليلة أمس...
مع كل اتصال ضحكة وابتسامة، وحكمة وحِكم من قِبله، والكثير من التواضع والمحبة، والأفكار التي يحلم بتطبيقها حول الإعلام والدولة والمجتمع ونظريات الدين...
هو الصديق المخلص، والمؤمن بالمحبة الواجب نشرها وتوزيعها بين الجميع، صمام الأمان، وشريك الرأي والتعامل والتواضع...
هو المحب لعائلته، وحينما يتحدث عن الأحفاد يصبح طفلاً، والأجمل حينما يتناقش مع أولاده ليصبح هو أصغرهم...
محمد شري ذاك الواحة التي تغمرك بالراحة خارج ضغط العمل والحياة وشربكات السياسة وتعب الحياة وقساوة الأيام...
في حوارنا الأخير، وقف مدير البرامج السياسية في قناة المنار، وقف مطولاً عند الشهادة التي يتمناها، وقال حرفياً:" دمر منزلي في الضاحية خلال حرب 66 يوماً ولم استشهد، وشاركت بغالبية الحروب ضد اعداء الله إعلامياً ولم استشهد، وفي هذه الحرب أنا خارج الضاحية والعمل، أشعر الشهادة التي أريدها بعيدة..يا رب أنالها"...
محمد شري تزوج عن حب، وكانت زوجته قمة في الأخلاق والمحبة، وبقيت بجواره حتى استشهدت معه، الحجة الكريمة المبتسمة الخلوقة، والمضيافة كانت تتحدث عن محمد بشغف، وإن اختلفا في الرأي وهو المتزن الهادئ، وهي الصريحة العفوية المهذبة، بسرعة يختفي النقاش، وتحل المحبة باتزان وتمام التمام...
كنا نجلس ونتناقش كثيراً عن الإعلام والحجة الشهيدة توافقني الرأي، ونتحالف معاً ضده حتى يقول:" تتأمرون ضدي، تصنعون حلفاً مشاكساً ضدي...الله يسامحكم..."!
الحجة الشهيدة هي عنوان الكرم والاخلاص والتضحية، تصنع أطيب المأكولات، وتشبع من كثرة كرمها وحديثها الجميل، وتقدم أجمل المفردات، وظلت تتحدث عن شريكها بفيض من الكلام الجميل، وبما أن الزواج ترعرع في شرايين الحب، ظلت معجبة وأمينة للزوج محمد الذي بادرها بحب وأخلاق ومعاملة حميدة...
محمد شري في عمله الكل يحبه، والكل يحترمه، والكل يقدره، والكل يتعاملون معه كرفاق أصدقاء، هو مفتاح حل المشاكل المعلقة، ومفاتيح التفاهم لمصلحة العمل!
منذ شهر دخل المستشفى بعد أن أصيب بمرض عضالي..نجحت العملية، وزاد من نجاحها الكم الكبير من دعاء المحبين والزوار...
أخبرني في اتصالنا الأخير انزعاجه لعدم مشاركته الزملاء مهام العمل في هذه الحرب، واردف ضاحكاً:" قال لازم اخذ اجازة نقاهة، ومن ثم أعود..معقول الإعلامي يأخذ إجازة في هكذا ظروف..."؟!
أذكر في مقالتي عنه منذ شهر بعنوان "الإعلامي النظيف"، اتصل دامعاً وفرحاً، ومن ثم كتب لي:
"أيها العزيز غمرتني بمحبتك، وأدبك.. أبحث عن كلمة شكر تستوفي مشاعرك الصادقة لا أجدها بين الكلمات لتصف احساسي ومشاعري..
لا استحق كل ما ذكرت، لكن هذا من شيم الكريم والمحب، وأنت كنت كريماً جداً خصوصاً أنك لا تجامل، وناقد محترف مع أني مقصر تجاهك، لكنك أنت تثبت دائماً أنك في المكان الارفع مع تواضع كبير لا يعرفه الا من عرفك ...
لك كل الحب أولاً، والتقدير والاحترام والشكر...
أخوك وزميلك محمد شري"!
محمد شري ليس زميلاً فقط، بل لغة إنسانية مؤمنة، وحالة أخلاقية متزنة، والمحبة الجميلة...
سامحني، اتعذب وأنا أحاول الكتابة والدموع أسكنها ولا تسكنني ..ولا أعرف ماذا كتبت، وكيف لروحي أن تصرخ لفقدان الشريف والصديق والمستمع والمسامح، والحاسم في مواقفه حول المقاومة...
* كتبت له مطمئناً عبر الواتس أب، وقبل استشهاده بقليل:" مولانا -ممازحاً - استاذ محمد طمني عنك وعنكم "؟
** رد بسرعة:"سلام ايها العزيز
نحن بخير، أنت أولى بمولانا مني...لأنك استاذ للمقدمين والمذيعين والاعلاميين والفنانين وأيضاً للسياسيين ...
دمت بخير ومنكم نستفيد..سنلتقي قريباً مع النصر"!
هذه كلماته الأخير لي، والتي حفرت بروحي إلى الأبد..هذا ما كتبه تحت القصف الصهيوني إلى أن طاله الغدر الشيطاني ليرتفع شهيداً...
"المنار" من دونك خسارة، والزمالة من دونك خسارة، والصداقة من دونك خسارة...والشهادة لك هي الربح الأكيد ..لقد فزت يا محمد شري ورب الكعبة، والله يعيننا على هذا الفراق...
هذه الحرب هي الامتحان الفعلي الكبير للوطن والوطنيين وللإعلام وللإعلاميين، وأنت يا زميلنا محمد نجحت شهيداً في الامتحان الوطني والإعلامي...