ترأس البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي قداس الأحد في كنيسة السيدة في الصرح البطريركي في بكركي.
وألقى الراعي عظة بعنوان: “عندهم موسى والأنبياء فليسمعوا لهم” (لو 29:16)، قال فيها: ” تذكر الكنيسة اليوم في هذا الأحد والأسبوع الطالع الموتى المؤمنين. وتصلّي لراحة نفوسهم وتعزية عائلاتهم، ومن أجل الأحياء ليصغوا إلى كلام الله في مسيرة الدنيا. “فموسى والأنبياء” هم اليوم “الكنيسة” التي تعلن وتعلّم الكتب المقدسة في عهديها القديم والجديد. نقف اليوم أمام مثل الغني ولعازر، لنقرأ في ضوئه حياتنا وعلاقاتنا، ونستشعر عمق العدالة الإلهية والرحمة التي تحكم الكون. يؤكّد لنا الرب يسوع في هذا المثل أن الغنى ليس بذاته ذنبًا، وأن الفقر ليس سببًا للخلاص، بل إن المسألة تتعلق بالروح، بالنية، وبكيفية استخدام ما وهبنا الله من عطايا.
الغني الذي عاش في ترف ولم يمد يد الرحمة للعازر الذي كان عند باب دارته، يُظهر لنا أن هلاكه لا يكون بسبب ما يملكه، بل بسبب تعلقه بما وهبه الله له دون أن يحوّله إلى فعل محبة ورحمة. ولعازر الذي صبر واستسلم لإرادة الله، يُعلّمنا أن التسليم والثقة بقدرة الله على التغيير والعدل هما طريق الخلاص. إن هذا المثل ليس مجرد سرد للأحداث، بل دعوة مستمرة لكل واحد منا ليفتح قلبه، ليغذّي روحه، ويعيد النظر في أولوياته وأعماله. يسعدني أن أرحّب بكم جميعًا لنحتفل معًا بهذه الليتورجيا الإلهية لراحة نفوس موتانا. وأوجّه تحية خاصة إلى عائلة المرحومة بيارات فارس فهد التي ودّعناها مع شقيقيها وشقيقتها وعائلتها وسائر انسبائهم وأهالي عشقوت العزيزة في 15 كانون الأول الماضي. كما أرحّب بعائلة المرحوم الشاب أنطونيو نصّار، مع والده قنصل موريتانيا إيلي ناصر نصّار ووالدته السيدة ندى، ومع شقيقه شربل قنصل لبنان العام في لوس أنجلوس وشقيقته وجدته لأمه، وقد ودّعناه معهم في 25 كانون الثاني المنصرم. نذكرهما مع موتانا ونعزّي أسرتيهما. إنجيل الغني ولعازر ليس قصة عن المال والفقر فحسب، بل هو إنجيل المسؤولية، والرحمة، والعدالة الإلهية، والإصغاء إلى كلمة الله قبل فوات الأوان. هذا الإنجيل هو مرآة نرى فيها ذواتنا، أفرادًا وجماعات، كنيسةً ووطنًا. الغني لم يهلك لأنه غنيّ. فالغنى في الكتاب المقدس عطية وبركة من الله. لكنه هلك لأنه فضّل العطية على المُعطي، وتعلّق بما في يده ونسي الله الذي أعطاه كل شيء. هلاكه كان بسبب سوء استعمال النعمة، وليس بسبب امتلاكها. أمّا لعازر، فلم يخلص لأنه فقير. بل لأنه عاش فقره بصبر وصمت. لم نسمع في الإنجيل أنه ثار، أو شتم، أو انتقم. قبِل وضعه، وترك دينونته لله. فكان خلاصه ثمرة إيمان صامت، وصبر عميق، وثقة لم تنكسر”.
وتابع الراعي: “هذا المثل يشير إلى أن العدالة الإلهية ليست مجرد عقاب أو مكافأة، بل هي كشف للحقيقة، وفرصة للتوبة، لتغيير المسلك الشخصي قبل فوات الأوان. الإصغاء إلى كلام الله هو مفتاح الحياة الصحيحة، وهو ما يجعلنا ندرك قيمة حياتنا، وطريقة تعاملنا مع نعم الله وعطاياه، وكيفية عيشنا المسؤولية تجاه الآخرين. فثمّة مبدآن أساسيان في تعليم الكنيسة الاجتماعي: الأول: “خيرات الأرض مُعدّة من الله لجميع الناس”. الثاني: “لا أحد يملك شيئًا بالمطلق. فالملكية الخاصة مطبوعة برهن اجتماعي”. هذا المثل يحمل بعدًا وطنيًا عميقًا، يمكننا تطبيقه على واقع وطننا، وفي كل مجتمع، هناك “غني” و “فقير”، ليس بالضرورة مادياً فحسب، بل فقر في الفرص والمعرفة والقدرة على المبادرة والعطاء. إن مسؤولية كل فرد تمتد لتشمل من هم حوله، فالوعي الوطني الحقيقي يظهر حين يُدرك القادر أن القوة والموارد لا تُستغل للذات فقط، بل للخير العام. لبنان، كما كثير من المجتمعات، يحتاج إلى إرادة جماعية توجه الطاقات والقدرات نحو العدالة الاجتماعية، وتضع الرحمة والشفقة معيارًا للقرارات السياسية والاجتماعية. يعلمنا الإنجيل أن من لا يمد يده إلى الآخر، أو يغفل عن الحاجة، يختار الانغلاق بدل الخدمة، وهذا يضع المجتمع في مأزق، بينما من يوجه قدراته وإمكاناته لخدمة الجميع يبني وطنًا متماسكًا ومستنيرًا”.
واردف: “المسؤولية الوطنية هي رحمة وعمل، هي نظرة شاملة للأخوة والمساواة، وإيمان بأن أي تقدم حقيقي لا يتحقق إلا من خلال الاهتمام بالضعيف، وبالإنصاف، وبالمبادرة البناءة التي ترفع المجتمع. إن هذه الرؤية الوطنية ليست مجرد نصيحة أخلاقية، بل واجب روحي: أن نكون مرآة لتعاليم المسيح في حياتنا اليومية، وأن تتحول القوة والقدرة إلى خدمة عادلة، والوعي إلى فعل مؤثر، والرحمة إلى معيار لكل قرار واتجاه. فالوطن ليس مجرد أرض، بل هو شعب يحتاج إلى محبة وعدل وإخلاص، وهذا ما يطبّق مثال الغني ولعازر في حياتنا الوطنية، حيث نرفع الإنسان، ونقدّر الكرامة، ونؤسس مجتمعًا يعكس قيم الإنجيل ويجعل من العدالة والرحمة قاعدة مستدامة في كل نواحي الحياة”.
وختم الراعي: “نرفع الصلاة إلى الله من أجل من رحلوا من بيننا الى بيت الآب، طالبين أن يمنحهم الراحة الأبدية، ويملأ قلوب الأحياء بالحكمة والقوة ليعيشوا حياتهم بالعدل والمحبة. نتضرع للرب أن يبارك وطننا لبنان، وأن يمد قلوب المسؤولين والمواطنين برؤية واضحة، وبحسّ عالٍ بالمسؤولية تجاه الآخرين، ويغمرنا جميعًا بالرحمة والمواساة، وأن يجعل أعمالنا انعكاسًا حيًا لتعاليم الإنجيل ومثال الغني ولعازر في حياتنا اليومية. فنرفع له المجد والشكر الآن وإلى الأبد، آمين”.