الزميل الوفي، المهذب، الصابر والمتحدث بنظراته وعنفوانه وقلبه أكثر من لسانه محمد شري، الف تحية له في زمن قلت التحايا فيه!
لا يعرف الغدر في مهنة للأسف أصبح الغدر صورة فاعلة فيها!
ولا يثرثر إن وقع الخطأ في العمل، يستمع، يقيم ويقول...وأيضاً يترك الصديق والمتحدث لإعطاء الرأي دون تطاول، بل يرد بتهذيب، مع إنه يتعصب لفكرته خاصة إذا كانت تعنى بالمقاومة..
محمد شري له منا صفحات من الاحترام، واحترامه يجبل بالمحبة خارج المصلحة، ويشعرك بعمق الصداقة إن تعرفت عليه لأول مرة، وهذه الصفحة في شخصيته اكتسبها من إيمانه بالاخر وبالانسنة التي ينثرها أينما حل..
مهنية محمد شري تعتمد على الهدوء خارج الضجيج والثرثرة، قلبه وباب مكتبه ومفاتيح حضوره وعمله لا تعرف الاقفال، يصغي جيداً، ودائماً لديه ما يقوله، وهو الاشطر في التبرير، وهذه براعة لا يتقنها إلا أصحاب الصبر والبصيرة بعد تجربة عميقة خارج المنافسة...نعم شري لم يعش هذا المرض، ولم يدخل الإعلام حتى ينافس من أجل كذبة النجومية !
محمد شري قدم في إعلام المقاومة مساحة من الاتزان وشياكة في المفردات، لم يجامل على حساب الموضوع، ولم يفرض عضلاته المعرفية، ولم يبالغ بالتنظير أو السؤال، ولا يطل عبر الشاشة دون الإعداد، ولا يستسهل الكلام كغيره، بل يدرس ماذا سيقول، وما تأثير الكلمة إن باح بها...
ذات مرة اتصلت به ناقداً وقائلاً:" ومع الأيام أصبحت كلاسيكياً في طرح الأسئلة التي تعتمد على التطويل والشرح...هذا يضر حضورك، عليك تغيير اسلوبك"!
لم ينزعج، اعترف بذلك، شكر بتهذيب، ووعد أن يتخطى الحال إلى الأفضل!
كنت أتوقع أن يدافع عن تجربته وهو صاحب المشوار القديم الجديد، لكنه استوعب ملاحظتي النقدية، وتواضع كما لو كان إبن اليوم في المهنة، وغمرني بالشكر...
هذا النموذج نفتقره ونفتقده في إعلام اليوم، وإن وجهنا ملاحظة صغيرة نصبح أعداء، بينما الواثق محمد شري زاد تقديراً لتقديره!
حينما قدم البرامج كان يتقبل النقد والملاحظات بمحبة، ويعترف إن وقع بخطأ ولا يجامل الحال، وظل أميناً لموهبته دون أن يشوهها بل صادقها، ولم يجعلها تتغلب عليه تحت غباء الشهرة، هو سيرها كما يريد!
إدارياً..محمد شري يعمل خارج الضجيج، يضع ملاحظاته بهدوء، لا يجامل في الخطأ، ولا يبالغ أو يستغل من وقع بالخطأ، يعطي رأيه، يطور الفكرة، ويضيف ما يتطلب...وأيضاً خارج الضجيج أو الأستذة وبتهذيب، لذلك كل من عمل معه وبجانبه يشعر بالإطمئنان، وبأن الشمس تدخل المكان، وهذا ينجح سير العمل.
والأجمل في مهنيته اعتماده على حل كل المشاكل والتضاد فيها، لا بل هو فاعل خير داخل المؤسسة ومع خارجها...محمد يقرب وجهات النظر، ويختزل المسافات، ويقارب القلوب حتى لا يذبل الإنسان، وحتى لا تتشتت الروح في نزاعات بالية قد تصيب العمل بالعمق!
في مهنة المتاعب النقدية حاولت على الصعيد الشخصي أن اتناوله بالنقد أكثر من مرة، توقفت كثيراً، والسبب كياسة هذا الذي سأنتقده، ولكثرة محبة الزملاء له...قد يكون هذا الاعتراف مني خطأ ارتكبته بحق موهبتي التي اعتز، لا بل الاعتراف هنا هو الخطأ، ولكنني سعيد بالخطأ المبني على أن الاحترام يغلب النقد أحياناً !
محمد شري المسكون بالكتابة والصوت المرتفع فكرياً ظُلم مع الأيام في قناة "المنار" لكونه لا يستطيع أن يكتب ما يجول بأراء تخدم المرحلة، وتحسم في توضيب ما يجول بفكره حيث الرد على كثير من اشكاليات المواقف السياسية والإعلامية والدينية والاجتماعية، والسبب لكونه موظفاً وهو يحترم المؤسسة والوظيفة، وربما يفيض بذلك ويعوض خلال الجلسات الخاصة مع الاصدقاء والمعارف خارج العمل ..وهذه الناحية في شخص شري لا يعرفها أو يكتشفها إلا الأصدقاء الأصدقاء، وهم قله!
محمد شري بوابة التصالح والمصافحة والتسامح، وهو عنوان للإعلامي النظيف، وشخصية مرحة مرنة حاسمة، ومن المستحيل أن تخرج من مجالسته وأنت تختزن ما هو سلبي، يعني قبل مجالسته وحواره غير ما بعد..هو صقر السلام في قناة "المنار"...
الصديق محمد شري العاشق لتراب جبل عامل لا يختلف أبداً عن شجر الزيتون في الجنوب، يبادر، يسامر، يكرمك، ويفيض معك بالكلام والمواقف الجميلة، ومن دون مجاملة، تشعر بالأمان حينما تناقشه أو حينما تطرح مشكلتك..يعني يقدم لك زيت الزيتون كوجبة أصيلة لحياتك لصداقتك ولمشوارك... أمثال العميق والطفل والرجل المنتمي إلى قضية الوطن والإنسان محمد شري لن تجدهم دائماً، وإن وجدتهم حاول المحافظة عليهم، لآن محمد شري سيحافظ عليك....