لم يولد لبنان دولةً فاشلة، بل جرى تعطيله عمداً منذ لحظة تأسيسه، حين استُبدلت فكرة المواطنة بعقدٍ طائفي غير عادل، وحين تحوّلت الطوائف من جماعات دينية وإلى أدوات حكم وهيمنة.
وفي قلب هذا الإختلال التاريخي، تقف المارونية السياسية بوصفها المشروع الأقدم والأكثر تأثيراً في إنتاج دولة الامتيازات، لا دولة الحقوق والواجبات.
*تعتبر الطائفية السياسية نظام سلطة وليست تنوع إجتماعي، الطائفية في لبنان ليست نتاج “تعدّد ديني طبيعي”، بل بنية حكم مصمّمة لإدامة السيطرة ومنع نشوء دولة حديثة ومتقدمة. فالنظام اللبناني لم يُبنَ على مبدأ المساواة، بل على توزيع السلطة وفق ميزان قوى تاريخي لتثبيت امتيازات فئة محددة وتحويل الخوف المتبادل إلى أداة ضبط سياسي!. وهذا ما جعل الطائفية نظاماً لإدارة الصراع لا آلية للتعايش.
*المارونية السياسية تحولت من حماية الذات إلى احتكار الدولة منذ الاستقلال، وتصرّفت باعتبارها صاحبة الكيان وحارسة “الخصوصية”
والوسيط الحصري مع الغرب
فتمّت مصادرة الدولة عبر:
احتكار رئاسة الجمهورية بصلاحيات شبه مطلقة
السيطرة على الجيش والإدارة
توجيه السياسات الخارجية بما يخدم هواجس فئوية لا مصلحة وطنية
هذا السلوك لم يؤسّس شراكة، بل علاقة وصاية على باقي المكوّنات.
ثالثًا: الشيعة في لبنان – من الغياب القسري إلى التمرّد السياسي
الطائفة الشيعية كانت الخاسر الأكبر في معادلة ما بعد الاستقلال.
فقد جرى تهميش مناطقها تنموياً،
وتحجيم تمثيلها سياسياً، والتعامل معها كقوة بشرية بلا وزن سياسي
اللافت أن هذا التهميش لم يكن مارونياً فقط، بل شاركت فيه السُنّية السياسية
التي فضّلت التعايش مع الخلل البنيوي بدل تفكيكه، حفاظاً على حصتها في السلطة.
*بالنسبة للدرزية السياسية أدارت مصالحها ضمن هوامش النظام دون تحدّي جوهره. لكن المارونية السياسية كانت رأس الحربة في تكريس هذا الظلم. لأنها حين شعرت بتراجع قدرتها على الاحتكار، لجأت إلى عسكرة الطائفة، والاستقواء بالخارج، وتبرير تلك التحالفات الخطرة تحت عنوان “الخوف الوجودي” وهنا، لا يمكن تجاهل أن بعض النخب المارونية تعاملت مع إسرائيل كحليف سياسي
ورافعة استراتيجية، وليس من منطلق ديني، بل ك خيار سياسي ضرب فكرة لبنان نفسه، وأدخل البلاد في حروب وانقسامات لا تزال آثارها قائمة.
*إن تناقض الطوائف سياسياً لم يُفسد في الود قضية كالمحاصصه لاحقاً ووحدة الفساد،
*رغم حِدَّة الصراع الظاهري، فإن الطوائف السياسية تتقاطع عند نقطة واحدة منع قيام دولة مدنية عادلة.
وكل طائفة تخوّف جمهورها من الأخرى! وكل زعامة تعيش على الذاكرة الدموية، وجميعهم يشتركون في نهب الدولة. حتى أصبحنا دولة بلا سيادة، اقتصادها منهار، مجتمعها مفكك، والجريمة متفشية فيها.
أيها الإخوة القُرَّاء لا خلاص لنا بلا مواجهة الحقيقة، ولا يمكن إنقاذ لبنان من دون تفكيك المارونية السياسية بوصفها بنية هيمنة وعمالة تاريخية للخارج، تماماً كما يجب تفكيك كل أشكال الطائفية السياسية الأخرى.
والاعتراف بالمظلومية التاريخية للشيعة ليس ترفاً سياسياً، بل شرط أساسي من شروط إلاستقرار الوطني.
لبنان لا يحتاج “توازن طوائف”، بل
مساواة بالحقوق والواجبات، وأن يصبح الجميع على بساط الدولة مواطنين في دولة قانون مع نهاية الامتيازات الوراثية، وإلى أن يحدث ذلك، سيبقى لبنان دولة مختطفة، مهما تبدلت الوجوه. وطال الزمان.