طبول الحرب في المنطقة ماضية في القرع المتواصل، في أجواء مزدحمة بالتهديدات وأساطيل المدمّرات وحاملات الطائرات التي تتوالى إلى الشرق الأوسط، وبالتكهّنات المتراكمة حول الضربة الأميركية لإيران وما قد يصاحبها من احتمالات وتداعيات صعبة على المستويَين الإقليمي والدولي. وأمّا لبنان، فعين على المنطقة وقلق من أن يكون من ضمن مساحة ارتداداتها السلبية، وعين على الداخل العالق فيه بين فكَّي كمّاشة؛ الفكّ الإسرائيلي الذي يضغط باعتداءاته المتصاعدة ووسع نطاقها إلى العمق اللبناني، وهو الأمر الذي دفع لبنان إلى تقديم شكوى ضدّ إسرائيل إلى مجلس الأمن الدولي، وفكّ الملفات المعقّدة التي تضغط على كل مفاصل الدولة، واستولدت إشكالات والتباسات على مستويات مختلفة سياسية وغير سياسية، قابلة لأن تتصاعد أكثر فأكثر مع اقتراب موعد الاستحقاق الإنتخابي في الربيع المقبل. على أنّ اللافت للإنتباه في هذه الأجواء، إعلان السفارة الأميركية في لبنان بأنّ السفيرَين الأميركيَّين في لبنان وإسرائيل استضافتهما السفارة الأميركية في الأردن، حيث جرت مناقشة الخطوات اللازمة لمنطقة أكثر سلاماً وازدهاراً، وهما «ملتزمان بدفع لبنان وإسرائيل نحو سلام مستدام وفعّال عبر الديبلوماسية والحوار».
وقف العدوان أولوية
وإذا كانت مستويات الدولة الحكومية والنيابية مجتمعةً في المجلس النيابي اليوم، في جلسة عامة على مدى ثلاثة أيام لمناقشة وإقرار موازنة العام 2026، وفي أجواء تشي بمداخلات نيابية تعكس جو الإنقسام في البلد، والتباعد العميق بين مكوّناته، فإنّها بعد إنجاز هذا الملف، ستدخل تلقائياً في فترة أشبه بتصريف أعمال، وخصوصاً مع دخول البلد في مرحلة التحضير للإنتخابات النيابية.
على أنّ الأولوية الرسمية تبقى ضرورة وقف العدوان الإسرائيلي، وهو ما أكّد عليه رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون للوزير القطري محمد بن عبد العزيز بن صالح الخليفي الذي زار بيروت أمس، وأجرى محادثات أيضاً مع رئيس مجلس النواب نبيه بري، الذي حمّله والوفد المرافق «شكر لبنان واللبنانيِّين لقطر أميراً وحكومة وشعباً لوقوفهم الدائم إلى جانب لبنان ومؤازرته في شتى الميادين، ودعمهم الجيش اللبناني، بما يمكّنه من القيام بدوره الوطني الجامع، والمساهمة القطرية النبيلة في ملف إعادة إعمار ما هدّمه العدوان الإسرائيلي المتواصل عليه في لبنان».
وأعلن الرئيس عون، أنّ «لبنان يُقدِّر الدور الذي تلعبه دولة قطر في المساعدة على تجاوز الظروف الصعبة التي يمرّ فيها من خلال الدعم الذي تُقدّمه، ويتطلّع لبنان إلى استمراره»، معتبراً «أنّ المبادرات القطرية الجديدة دليل على عمق العلاقات الأخوية التي تجمع بين لبنان وقطر، وتزداد متانة يوماً بعد يوم، والجيش اللبناني يقوم بواجباته كاملة جنوب الليطاني، فيما تستمر الإعتداءات الإسرائيلية على القرى والبلدات الجنوبية وتدمير المنازل وتهجير سكّانها وتمتد أحياناً إلى قرى بقاعية».
وأكّد أنّ «إسرائيل لا تتجاوب مع الدعوات المتكرّرة لتلتزم باتفاق تشرين الثاني 2024 وتطبيق القرار 1701، ما يحول دون عودة الأمن والأمان إلى الجنوب، والاتصالات مستمرة قبل انعقاد لجنة «الميكانيزم» الشهر المقبل، للوصول إلى نتائج عملية تسرّع إعادة الإستقرار إلى الجنوب وانسحاب إسرائيل وعودة الأسرى وتمكين الجيش من الانتشار حتى الحدود المعترف بها دولياً». وشدّد على «أنّ الضغط على إسرائيل لتسهيل عمل لجنة «الميكانيزم» ضروري للوصول إلى تطبيق القرار 1701 بمختلف مندرجاته، والجيش بحاجة إلى معدّات وآليات وتجهيزات تُمكّنه من القيام بالمهام المطلوبة منه».
الخليفي: دعم بلا حدود
كذلك التقى الخليفي نائب رئيس الحكومة طارق متري في السراي الحكومي، وأكّد بعد اللقاء «إنّنا أجرينا سلسلة لقاءات وتبادلنا وجهات النظر وبحثنا الاستثمارات الإقتصادية. ونؤكّد أنّ استقرار لبنان هو ركيزة أساسية لاستقرار المنطقة. نجدِّد دعمنا الكامل لكافة الجهود الرامية لتعزيز دور مؤسسات الدولة اللبنانية وترسيخ استقرارها الداخلي».
وأعلن عن حزمة مشاريع في لبنان بالتنسيق مع الجهات المختصة وتشمل قطاعات الاقتصاد: «40 مليون دولار لدعم قطاع الكهرباء، ومشروع اقتصادي آخر يدعم القطاع بـ360 مليون دولار، بالإضافة إلى مشروع إعادة بناء مستشفى الكرنتينا الذي تضرَّر جراء الإنفجار، وسنقدّم 185 منحة دراسية لدعم التحصيل العلمي للشباب، ونعلن إطلاق مشروع دعم العودة الطوعية للسوريِّين بالتعاون مع المنطمة الدولية للهجرة، ويستهدف قرابة 100 ألف شخص. وفي مجال دعم الجيل الناشئ ستُطلَق مبادرة الرياضة من أجل التنمية والسلام الهادفة إلى تعزيز الحماية والحدّ من العنف ضدّ 4400 طفل وشاب في المناطق المتأثرة بالنزاع في لبنان».
وأضاف: «جدّدنا للرئيس عون التأكيد على دعمنا للجيش اللبناني، لأنّه مؤسسة وطنية محورية، ولتمكينه من أداء مهامه الوطنية»، مؤكّداً أنّه «حان الوقت للبنان أن يتعافى، والحوار مستمر مع الحكومة اللبنانية، وهذه هي مرحلة البداية وستستمر دولة قطر لمدّ يد العون للبنان وشعبه».
ورداً على سؤال، أكّد الخليفي أنّه لا يوجد ما يحدّ مساعدات قطر إلى لبنان وشعبه، وهناك مشاورات وبحث مع المسؤولين اللبنانيِّين ونقاشات الخماسية قائمة في لبنان أو في الدوحة، متابعاً: «جدّدنا التأكيد على دعم قطر الكامل للجيش، وشدّدنا على ضرورة تطبيق القرار 1701، كما نجدّد إدانتنا للإعتداءات الإسرائيلية على الأراضي اللبنانية، ونؤكّد على ضرورة تحمّل مجلس الأمن مسؤولياته لوقفها»، مشدّداً على أنّ «استمرار دعم قطر للجيش اللبناني نابع من أنّ هذه المؤسسة تُشكّل أمان واستقرار لبنان. الدعم القطري للبنان لا حدود له والمساعدات محل تقييم وبحث مع الدولة اللبنانية وسيُكشَف عن مبادرات جديدة».
إعتداءات… وضغط عسكري
الملاحَظ في اليومَين الماضيَين، هو التسخين الإسرائيلي للأجواء ورفع وتيرة الإعتداءات بشكل عنيف ومكثف على المناطق اللبنانية، ولاسيما في جنوب الليطاني وشماله وصولاً إلى مناطق واسعة في البقاع. واللافت في هذا السياق، ما يروِّج له الإعلام العبري عن مرحلة من التصعيد المتواصل على لبنان، وتوسيع خريطة استهدافات الجيش الإسرائيلي، والغاية منها تقويض ما تبقّى من البنية التحتية لـ«حزب الله» ومنعه من إعادة بناء قدراته العسكرية، وأمّا أبرز دوافع التصعيد بالإضافة إلى سعي إسرائيل إلى تعطيل خطوط إمداد الحزب، فهي لممارسة ضغط عسكري لتمرير خطط حصر السلاح في مناطق أوسع، ولا سيما في ظل تعثر المسارات السياسية وتعليق عمل لجان المراقبة الدولية.
إحياء «الميكانيزم»!
وفيما يتزامن هذا التصعيد مع غياب لجنة «الميكانيزم»، كشفت مصادر سياسية لـ«الجمهورية»، أنّ لبنان وخلافاً لكل ما يُقال ويُشاع عن أنّ لجنة «الميكانيزم» انتهت، ما زال يعتبر أنّ اللجنة قائمة، وعلى هذا الأساس تدور في الكواليس السياسية وغير السياسية الداخلية والخارجية المرتبطة بهذه اللجنة، نقاشات ومشاورات لإعادة إحياء هذه اللجنة واستئناف اجتماعاتها ومهمّتها المناطة بها لمراقبة تنفيذ اتفاق وقف الأعمال العدائية، وحتى الآن لا يمكن الحديث عن إيجابيات جدّية واختراقات نوعية على هذا الصعيد، إلّا أنّه يمكن التأكيد على أنّ الأمور ليست مقفلة، وقد تعاود اللجنة اجتماعاتها خلال فترة وجيزة.
ولفتت المصادر عينها إلى أنّ «الراعي الأميركي للجنة «الميكانيزم» في صورة الموقف اللبناني المتمسك باللجنة بتركيبتها الخماسية واستمرارها في المهمّة الموكلة إليها، ويراهن على ضغط أميركي على إسرائيل التي تؤكّد يومياً توجّهها لتخريب اللجنة وتطييرها، ومحاولة فرض قواعد جديدة تنسف اتفاق وقف الأعمال العدائية».
ولا تُخرج المصادر عينها التصعيد الإسرائيلي الذي تكثف في الآونة الأخيرة عن سياق الضغط المباشر على لبنان، لجرّه إلى مفاوضات ثنائية مباشرة على مستوى رفيع بمعزل عن لجنة «الميكانيزم» وتحديداً عن الفرنسيِّين والأمم المتحدة الممثلة بقوات «اليونيفيل»، لإلزامه بتفاهمات واتفاقات تطبيعية تُخضِع لبنان لسطوتها، وللمنطقة أو المناطق العازلة التي تسعى إلى إقامتها في المنطقة الحدودية، ما يعني أنّها لا تريد الإنسحاب من الأراضي اللبنانية بل تثبيت احتلالها.
وكان رئيس الوفد اللبناني إلى لجنة «الميكانيزم» سيمون كرم قد أشار في تصريح إلى «أنّنا طرحنا عودة الجنوبيِّين كأساس لموقفنا من المفاوضات، ونحن نتمسك بآلية لجنة وقف النار ونطالب باجتماعها قريباً»، ولفت إلى أنّ «الجيش وحده يُفكّك بنية «حزب الله» العسكرية، ولم يُعطِ الحزب أي معلومة عن أسلحته ومنشآته للجيش».
سلام في طرابلس
من جهة ثانية، زار أمس، رئيس الحكومة نواف سلام، رئيس الجمهورية في القصر الجمهوري في بعبدا بعد الظهر. وكان زار صباحاً مدينة طرابلس وتفقّد آثار انهيار المبنى في المدينة. وأعلن: «جئتُ اليوم إلى طرابلس للتأكيد على أنّ الفيحاء ليست وحدها، فأحببتُ إجراء معاينة ميدانية قبل الإجتماع في السراي الحكومي، لوضع معالجة جذرية لمشكلة الأبنية المتصدّعة، كما زرتُ الناجين في المستشفيات للإطمئنان إلى صحتهم. وكان قلبي على الجنوب أيضاً الذي يتعرّض لغارات متواصلة، وأنا سأقوم قريباً بزيارة أهلنا فيه للإعلان عن مجموعة من المشاريع لإعادة الأعمار التي سنبدأ بتنفيذها في أسرع وقت من ضمن قرض البنك الدولي».
مؤتمر دعم الجيش
في سياق متصل، وفي موازاة التأكيدات الصادرة من مصادر داخلية وخارجية متعدّدة، على الحاجة لدعم الجيش اللبناني ومدّه بالإمكانات اللوجستية والقدرات التسليحية للقيام بمهماته، سواء في ترسيخ الأمن والإستقرار في البلاد، أو في تنفيذ خطة حصر السلاح بيَد الدولة وحدها، ولاسيما في منطقة جنوب الليطاني، التي تحول إسرائيل دون إتمام هذه المهمّة بصورة كاملة في هذه المنطقة، باستمرار احتلالها للنقاط الخمس بالإضافة إلى منعها الجيش من إكمال انتشاره في عدد من القرى والبلدات اللبنانية الحدودية.
وإذا كان لبنان يراهن على أن يجني مساعدات ودعماً ملموساً للجيش من المؤتمر الدولي لدعم المؤسسة العسكرية الذي دعا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى عقده في باريس مطلع آذار المقبل، إلّا أنّ مصدراً رفيعاً كشف لـ«الجمهورية» أنّ «الأجواء المرتبطة بهذا المؤتمر مريحة من حيث الشكل، ولاسيما لناحية أنّ هذا المؤتمر بحدّ ذاته يُعبِّر عن مبادرة فرنسية إيجابية ومطلوبة ومشكورة في آن، وتعكس بوضوح حرصاً فرنسياً على لبنان ووقوفاً إلى جانبه، إلّا أنّ العبرة في ما قد يصدر عنه، إذا ما انعقد، من خلاصات ومقرّرات، وشكل وحجم حزمة المساعدات للجيش».
ويُتبع المصدر عينه هذه المقاربة لمؤتمر باريس، بالقول: «أتمنى أن يخلص هذا المؤتمر إلى ترجمة فعلية للتعهّدات التي قُطِعَت بدعم الجيش، لكنّني شخصياً مثل «توما» يعتريني الشكّ حتى ألمس بيدَي وأرى بعينَي، ولذلك فلستُ مطمئناً إلى أن يثبُت العكس، وحذري مبرّر، حيث حتى الآن وعلى رغم من كل ما يُقال عن دعم الجيش من هذه الدولة أو تلك، لم تتوفّر إجابة دقيقة وقاطعة على السؤال الكبير: هل توفير الدعم والسلاح مسموح؟ في رأيي أنّ الجواب الحقيقي على هذا السؤال هو الذي يُحدِّد نجاح أو فشل مؤتمر باريس. ثم أي دول ستشارك في هذا المؤتمر وعلى أي مستوى؟ وأبعد من ذلك أين الأميركيّون من هذا المؤتمر، ومعلوم حالياً أنّ العلاقة بين الولايات المتحدة وفرنسا، ومعظم دول أوروبا يشوبها نفور والتباسات لاسباب متعدّدة أبرزها غرينلاند؟».
قاسم
على صعيد آخر، أعلن الأمين العام لـ«حزب الله» الشيخ نعيم قاسم في كلمة ألقاها خلال حراك تضامني مع إيران أمس، «أنّه عندما يُهدِّد الرئيس الأميركي دونالد ترامب الإمام الخامنئي، فهو يُهدِّد عشرات الملايين الذين يتبعون هذا القائد، ونحن معنيّون بمواجهة هذا التهديد، ونعتبره تهديداً لنا، ولدينا كل الصلاحية أن نفعل ما نراه مناسباً للتصدّي له». وأشار إلى «أنّ من واجبنا أن نتصدّى لهذا التهديد بكافة الإجراءات والاستعدادات، لأنّ المساس بالإمام الخامنئي هو اغتيال للإستقرار وللوضع في المنطقة والعالم»، وكشف «أنّ عدة جهات خلال الشهرَين الماضيَين سألتنا سؤالاً واضحاً عن تدخّلنا في حال هاجمت أميركا وإسرائيل في إيران، وجوابنا نحن مستهدفون بالعدوان المحتمل، ومصمِّمون على الدفاع، وسنختار في وقتها كيف نتصرّف تدخّلاً أو عدم تدخّل، لكن لسنا على الحياد».