اولى ثمار الاجتماع بين رئيس الجمهورية جوزاف عون ورئيس مجلس النواب نبيه بري، شكوى من وزارة الخارجية الى مجلس الامن حول الاعتداءات الاسرائيلية. وبانتظار المفاعيل الاخرى للقاء، وفي مقدمتها اعادة التواصل على مستوى عال بين بعبدا وحزب الله، بعد عودة قنوات الاتصال على مستوى المستشارين، سيطرت قطر على المشهد الداخلي برزمة دعم اقتصادية لافتة، تحمل في طياتها الكثير من الدلالات السياسية، في ظل انكفاء سعودي عن الدعم المالي للبنان، علما ان الخطوة القطرية لم تأت دون تنسيق عربي مسبق.
وفيما كشف اللقاء بين سفيري واشنطن في بيروت و «تل ابيب» في الاردن، عن طبيعة التوجهات الاميركية بشأن الساحة اللبنانية، مع اعلان السفارة الاميركية ان السفيرين سيعملان على تحقيق «سلام مستدام بين «اسرائيل» ولبنان»، اعلن الامين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم، ان الحزب لن يكون على الحياد، اذا شنت الولايات المتحدة هجوما على ايران، متحدثا عن دور دفاعي، تاركا «الباب مواربا» حيال شكل التدخل، في ظل مخاطر تهدد باشتعال المنطقة برمتها، في اسبوع حاسم مع اكتمال الحشود العسكرية الاميركية، وتسريبات ديبلوماسية عن مهلة اخيرة لايران للموافقة على الشروط الاميركية، او مواجهة هجوم «ساحق»، تزامنا مع «تهويل اسرائيلي» وصل عبر قنوات ديبلوماسية الى بيروت، بتوسيع «الاحزمة النارية» داخل الاراضي اللبنانية، والتي قد تتجاوز هذه المرة حدود نهر الليطاني، ومع التهديد برفع منسوب استخدام القنابل «الارتجاجية» الخارقة للتحصينات؟!
المساعدة القطرية
ودخلت دولة قطر بقوة على خط دعم لبنان، عبر مبادرة مالية وتنموية نوعية تُقدَّر بنحو 400 مليون دولار، في خطوة تعكس مقاربة متقدمة تتجاوز الطابع الظرفي للمساعدات، نحو دعم الاستقرار وتعزيز مقومات الصمود الاقتصادي والاجتماعي. ووفق معطيات ديبلوماسية، حرصت الدوحة على أن يأتي تحركها ضمن إطار تنسيقي دولي، يضمن فعالية المبادرة واستدامتها، ما يؤكد أن المقاربة القطرية لا تنطلق من منطق الاستعراض السياسي، انما من رؤية عملية تراعي توازنات الداخل اللبناني وتعقيدات الإقليم.
مسار ديبلوماسي عربي
هذا الجو ارخى بظلاله على اللقاءات بين وزير الدولة في وزارة الخارجية القطرية محمد بن عبد العزيز الخليفي والمسؤولين اللبنانيين، وهي خطوة تأتي في سياق تقديم الدعم للدولة اللبنانية، تمهيدا لمواكبة مسار من العمل الديبلوماسي بالتنسيق مع مصر، لمحاولة التأثير في الموقف الاميركي، للضغط على «اسرائيل» لتقديم تنازلات في الملف اللبناني، لدعم مواقف العهد والحكومة، في ظل اعتقاد راسخ بان ما قدمه لبنان من تنازلات بلغ حدودا محرجة، لا يمكن معها الاستمرار في الضغط من جانب واحد، خوفا من اهتزاز الاستقرار الداخلي.
ما قيمة الاموال للنازحين؟
ووفق المعلومات، كان لافتا تخصيص نحو 20 مليون دولار لاعادة نحو مئة الف نازح سوري الى سوريا، على ان تتكفل قطر بتقديم مساعدات لوجستية وعينية لهم خلال الاشهر الثلاثة المقبلة، تحضيرا لعودتهم، واذا نجحت هذه الخطوة سيكون هناك خطوات لاحقة، تساعد لبنان على التخلص من عبء النزوح.
وقد اجرى الخليفي محادثات مثمرة مع الرؤساء الثلاثة، معلنًا عن حزمة واسعة من المساعدات والمشاريع، ومؤكدا أن قطر تقف إلى جانب لبنان إيمانًا منها بأهمية استقراره وتعافيه ، كركيزة أساسية لاستقرار المنطقة. وفي مؤتمر صحافي مشترك مع نائب رئيس الحكومة طارق متري، اعلن عن حزمة مشاريع في لبنان بالتنسيق مع الجهات المختصة، وتشمل تقديم 40 مليون دولار لدعم قطاع الكهرباء ومشروع اقتصادي آخر، يدعم القطاع بـ360 مليون دولار، وسيتوجه الوزير جو صدي الى الدوحة لمتابعة الامور التنفيذية.
كما ستمول قطر مشروع إعادة بناء مستشفى الكرنتينا، الذي تضرر جراء الانفجار. كما اعلن الخليفي عن تقديم 185 منحة دراسية، لدعم التحصيل العلمي للشباب، وقال «جدّدنا للرئيس عون التأكيد على دعمنا للجيش اللبناني، لأنه مؤسسة وطنية محورية، ولتمكينه من أداء مهامه الوطنية»، مؤكدا انه حان الوقت للبنان أن يتعافى، والحوار مستمر مع الحكومة اللبنانية، وهذه هي مرحلة البداية. وستستمر دولة قطر في مد يد العون للبنان وشعبه. ودان الاعتداءات الاسرائيلية على الاراضي اللبنانية، واكد على ضرورة تحمل مجلس الامن مسؤولياته لوقفها. وقد شملت لقاءات الموفد القطري قائد الجيش رودولف هيكل، كما التقى النائبة بهية الحريري ونجلها نادر في مقر السفارة القطرية.
«خارطة سلام» اميركية.. كيف يرد لبنان؟
وفي بيان لافت، أعلنت سفارة الولايات المتحدة الأميركية في بيروت، أن «سفيري الولايات المتحدة في بيروت و «تل أبيب» ملتزمان بدفع لبنان و «إسرائيل» نحو سلام مستدام وفعّال، عبر الديبلوماسية والحوار. وخلال عطلة نهاية الأسبوع استضافتهما السفارة الأميركية في الأردن، حيث جرى بحث الخطوات اللازمة لتحقيق منطقة أكثر سلما وازدهارا.
ووفق مصادر سياسية مطلعة، يعتبر بيان السفارة الاميركية «خارطة طريق» اميركية، تعلن للمرة الاولى حول الاهداف، التي ستعمل واشنطن على تحقيقها في الفترة المقبلة، وهذا يتطلب «استنفارا» سياسيا وديبلوماسيا لبنانيا، للخروج بمقاربة موحدة ازاء الطروحات الاميركية، حيث سيكون لبنان مطالبا بأجوبة حاسمة، سيترتب عليها نتائج على المستويات كافةً.
وعلم في هذا السياق، ان اللقاء الاخير بين رئيس الجمهورية جوزاف عون ورئيس المجلس النيابي نبيه بري تطرق الى هذا الملف، وكانت الافكار متقاربة حيال كيفية التعامل مع تلك المقترحات، دون التوصل الى نتائج ملموسة، لكن الاتفاق تام على ضرورة ان يكون الموقف موحدا، لا يؤدي الى تقديم تنازلات تمس السيادة الوطنية، وسيكون هذا الملف موضع نقاش لاحق بين رئيس الحكومة نواف سلام والرئيس بري، بعد ان جرت جوجلة للافكار امس بين سلام والرئيس عون في القصر الجمهوري.
اولى ثمار لقاء بعبدا…؟
وفي مؤشر على حجم الانسجام بين رئيس الجمهورية جوزاف عون، ورئيس مجلس النواب نبيه بري، تم وضع الاتفاق على ضرورة تفعيل العمل الديبلوماسي موضع التنفيذ. وامس بعثتْ وزارة الخارجيّة والمغتربين، بواسطة بعثة لبنان الدائمة لدى الأمم المتحدة في نيويورك، برسالة الى مجلس الأمن والأمين العام للأمم المتّحدة، تضمّنتْ شكوى بشأن استمرار الخروقات الإسرائيليّة للسيادة اللبنانيّة خلال الأشهر الماضية.
ووفق مصادر سياسية مطلعة، جاءت هذه الخطوة بعد زيارة قام بها وزير الخارجية يوسف رجي الى بعبدا صباحا، حيث طلب منه عون ضرورة التحرك لمواجهة الاعتداءات الإسرائيلية المتواصلة، كما طلب منه التزام الخطوط العامة للبيان الوزاري وخطاب القسم، وعدم خلق توترات في مجلس الوزراء، وهو امر سبق واثاره بري مع عون، وطالب بضرورة «ضبط» وزير الخارجية الذي يغرد «خارج السرب»، ويربك الموقف الديبلوماسي اللبناني.
علاقة عون وحزب الله… الى اين؟
وفي هذا السياق، يتوقع ان تنعكس مفاعيل لقاء بعبدا على العلاقة بين رئيس الجمهورية وحزب الله، بعد ان عادت قنوات الاتصال الى سابق عهدها.
ووفق مصادر مطلعة، التقى مستشار الرئيس أندريه رحال مدير مكتب النائب محمد رعد احمد مهنا، وجرى توضيح متبادل للمواقف، وخصوصا المفردات المستخدمة من قبل الشيخ نعيم قاسم، وكذلك رئيس الجمهورية خلال مناسبات عديدة في الفترة الماضية، وتم الاتفاق على رفع مستوى التواصل. وتعمل دوائر القصر على الاعداد لزيارة مرتقبة خلال ايام للنائب رعد الى بعبدا.
ماذا بعد خطاب الشيخ قاسم؟
لكن الجديد الذي طرأ بالامس على المستوى الداخلي، كان خطاب الامين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم في لقاء تضامني مع ايران، حيث اعلن عدم حيادية الحزب في اي اعتداء اميركي على الجمهورية الاسلامية. وعلى الرغم من ترك الشيخ قاسم الموقف «حمالا للاوجه»، على عكس موقف «انصار الله»، كذلك حزب الله العراقي، فإن اتصالات سياسية داخلية وديبلوماسية جرت بالامس بعد الخطاب، لمحاولة الاحاطة بطبيعة الموقف، في ضوء «الغموض» المحسوب في الموقف، الذي يتأرجح بين التدخل الحتمي والتريث بانتظار «ِشيء ما»…
وبحسب اوساط مطلعة على اجواء حارة حريك، لا سبب يدعو الى حصول ارباك داخلي في ضوء موقف الشيخ قاسم الصريح، فما يعد لايران والمنطقة يتجاوز الحسابات الصغيرة والضيقة، واذا شنت الحرب هذه المرة، فانها ستكون وجودية بكل ما للكلمة من معنى، ليس لايران فقط، بل لكل الاطراف المناهضة «لاسرائيل» وواشنطن. اما حضور حزب الله في المعركة، فمرتبط حكما بمسار الحرب. اذا صمدت ايران، فلن يكون من داع لتدخل احد، اما اذا حدثت تطورات مفاجئة، فلكل «حادث حديث»…
لا حياد في المواجهة
وكان الشيخ قاسم، اكد أن «عدة جهات خلال الشهرين الماضيين سألت حزب الله سؤالا واضحا وصريحا: إذا ذهبت «إسرائيل» وأميركا إلى حرب ضد إيران، هل سيتدخل حزب الله أم لا؟ لأنهم مكلفون أن يأخذوا تعهدا من الحزب بأنه لن يتدخل، وألا يكون له علاقة»… وقال «لماذا يطلبون منا هذا الالتزام؟ لأنهم يريدون أن يقرروا ماذا يفعلون، وقالها الوسطاء لنا بشكل واضح: إن «إسرائيل» وأميركا تفكران، هل ضرب حزب الله أولا ثم إيران أفضل؟ أم ضرب إيران أولا ثم حزب الله أفضل؟ أم ضرب الاثنين معا؟ يعني بكل الاحتمالات «حاطينا بالدق»، وبالتالي هم سيرون إن كانوا بالتجزئة سيصلون إلى نتيجة.
وتابع: «أنا سأعطيكم الجواب: أمام هذه الاحتمالات المتشابكة والمتشابهة، وأمام العدوان الذي لا يفرق بيننا، نحن معنيون بما يجري ومستهدفون بالعدوان المحتمل، ومصممون على الدفاع. سنختار في وقتها كيف نتصرف، تدخلا أو عدم تدخل، أو بالتفاصيل التي تكون متناسبة مع الظرف الموجود في وقتها، لكننا لسنا حياديين، أما كيف نتصرف؟ هذه تفاصيل تحددها المعركة، ونحددها بحسب المصلحة الموجودة»…
لا اجوبة اميركية
وعشية زيارة قائد الجيش العماد رودولف هيكل الى واشنطن في مطلع شباط المقبل، وبينما يبقى مصير لجنة «الميكانيزم» مجهولا، التقى رئيس الحكومة نواف سلام رئيس الوفد المفاوض السفير سيمون كرم، الذي اتهم في حديث اعلامي حزب الله بانه لم يعط أي معلومة عن أسلحته ومنشآته للجيش اللبناني. وأكد التمسك بآلية لجنة وقف النار وطالب باجتماعها قريبا، مضيفا «طرحنا عودة الجنوبيين كأساس لموقفنا من المفاوضات، والجيش وحده يفكك بنية حزب الله العسكرية».
ووفقا للمعلومات، لا اجوبة اميركية حتى الآن على الاستفسارات اللبنانية حول «الميكانيزم»، ولم يتبلغ لبنان حتى الآن تعيين اي مسؤول اميركي مدني، والارجح ان يعقد اجتماع للعسكريين بعد جلسة الحكومة المرتقبة، للبحث في ملف حصرية السلاح شمال الليطاني.
اغتيال جديد
ميدانياً، استهدفت غارة اسرائيلية بعد ظهر امس، سيارة مقابل سنتر كرز على طريق الحوش – صور. وقد استشهد الشيخ علي نور الدين، مقدم سابق للبرامج الدينية في قنار «المنار»، فيما اصيب شخصان آخران.
كما اقدم جيش العدو على اطلاق النار باتجاه مجموعة من الشبان، كانوا يقومون باستصلاح ارض زراعية شرق بلدة يارون في قضاء بنت جبيل، من دون وقوع اصابات، فيما تضررت احدى الاليات التي كانت تعمل في المكان.
كارثة طرابلس
اما في اطار متابعة كارثة طرابلس، فقد توجّه الرئيس سلام امس فور عودته من باريس إلى طرابلس، للاطلاع على أعمال رفع الأنقاض من مكان المبنى المنهار في منطقة القبة، وعاد الجرحى في المستشفيات. بعدها، ترأس اجتماعا في السراي، لبحث اوضاع طرابلس.
من جهة ثانية، كتب سلام على منصة «إكس»: «جئت إلى طرابلس للتأكيد ان الفيحاء ليست وحدها،… وكان قلبي على الجنوب ايضاً الذي يتعرض لغارات متواصلة، وأنا سأقوم قريبا بزيارة اهلنا فيه، للإعلان عن مجموعة من المشاريع لإعادة الأعمار التي سنبدأ بتنفيذها في أسرع وقت، من ضمن قرض البنك الدولي.