يُجمع علماء السياسة والقانون على أن السيادة تعدّ الركن الأساسي الثالث من أركان الدولة إلى جانب الشعب والأرض، وتعني السلطة العليا الكاملة والهيمنة المطلقة، ولها مجالان، الأول: السيادة الداخلية على المؤسسات الرسمية والخاصة وعلى الأفراد سواء أكانوا مواطنين يعيشون في كنف الدولة أو أجانب يتواجدون على أراضي الدولة، والثاني: السيادة الخارجية التي تعني حق الدولة في القرار والتصرّف وأن تحكم نفسها بنفسها بما يضمن استقلالها ومنع التدخلات الخارجية في شؤونها الداخلية، ودون خضوع لأي قوة أخرى إلا لقواعد القانون الدولي التي تلتزم بها بإرادتها الحرة.
هذا في التعريف، أما في واقع حال لبنان كدولة فإن السيادة فيه ركن غائب فيما الشعب والأرض يتعرّضان للانتهاكات والاختراقات الإسرائيلية المستمرة، أما المجتمع الدولي الذي يتوجّب عليه احترام سيادة الدول وفق ما تنص عليه القوانين والمواثيق الدولية فهو خاضع للسوط الأمريكي الذي يشرّع لنفسه ارتكاب الجرائم والاعتداء على الشعوب ودولها، ويقرّر ما يراه مناسباً لمصالحه ومصالح أتباعه وحلفائه من الدول دون رادع أو وازع حتى لو تطلّب ذلك إشعال الحروب في شتى نواحي الكرة الأرضية وتدمير البلدان وارتكاب المجازر، كما يوفّر لـ”إسرائيل” الدعم المطلق والحصانة الدائمة والحماية الكاملة للإمعان في تهديد أمن واستقرار المنطقة والعالم.
وللحديث في السيادة شقان، الأول: ما تسمح به الدولة نفسها من انتهاك سيادتها الداخلية والخارجية، والثاني: ما تمارسه الجهات والقوى الخارجية من ضغوطات سياسية واقتصادية وتهديدات عسكرية تهدف إلى إخضاع الدول؛ وللأسف فإن لبنان فاقد لسيادته في الشقّين معاً وهو الذي بتاريخه وجغرافيته وعهود حكوماته لم ينعم بالسيادة إلا جزئياً، فلطالما كان مرتهناً لإملاءات الخارج وأوامره، وهو اليوم يواجه تسلّطاً مباشراً من قبل “الكاوبوي” الأمريكي الوقح، والذي لم يتورّع عن مطالبته بإعلان الاستسلام والخضوع للهيمنة الإسرائيلية، فيما تمارس الحكومة انهزاميتها وعجزها عن القول والفعل وتقدّم فروض الطاعة لسيّدها الأمريكي وتبالغ في الانبطاح غير المبرّر، وتظهر نفسها دائرة تابعة لوزارة الخارجية الأمريكية لا حكومة لبنانية بهوية عربية.
عاد المندوب الترامبي السامي توم برّاك ومشعوذته مورغان أورتاغوس إلى بيروت قادماً من تل أبيب ومعهما جوقة “شيوخ” فاقدة لأي صفة رسمية أو تفويض ليبلغوا لبنان الدولة والشعب والمؤسسات القرار بوضع البلد تحت الوصاية الأمريكية – الإسرائيلية المباشرة، ويوزّعوا الإهانات “الحيوانية” دون مراعاة أي مستوى من الاحترام لمقام الرئاسات اللبنانية، واتّضح أن ما صرّحت به زمرة “الكاوبوي” كان فرماناً صاغه بنيامين نتنياهو ولا علاقة له بالرد الإسرائيلي على أمر العمليات (الورقة) الأمريكية، ومفاده: “إسرائيل لن تنسحب من نقاط احتلالها ولن تفرج عن الأسرى اللبنانيين ولن تسمح بإعادة الإعمار إلا بعد أن تنزع الدولة سلاح المقاومة.. وإذا كان الجيش غير قادر على ذلك فإن إسرائيل جاهزة لمساعدته في القضاء على سلاح حزب الله”.
ماذا فعلت الدولة اللبنانية لحفظ احترامها وصون سيادتها أمام الصلف الأمريكي – الإسرائيلي!؟ ماذا فعلت هذه الدولة لتحرير الأرض المحتلة واستعادة أبنائها من الأسر الإسرائيلي!؟ ما هي الإجراءات والتدابير التي اتخذتها هذه الدولة لبناء جيش قوي وقادر على تحقيق السيادة ورد العدوان الخارجي من أي جهة أتت، وردّ الاعتداء والقتل اليومي والمتمادي من قبل العدو بحق شعبها وأرضها!؟ ما هي خطة الدولة ومشروعها في إعادة إعمار ما هدمته آلة الحرب الإسرائيلية في الجنوب والبقاع والضاحية وباقي المناطق!؟ أين هو مشروع المواطنة الذي يلزم على هذه الدولة أن تبادر إليه لقطع الطريق أمام مجموعات الداخل التي تنعق بالفتنة وتمعن في مواقفها الطائفية والعنصرية!؟
المطلوب من هذه الدولة التي تبشّر بعهد استقلالي جديد أن تحافظ على مقوّمات وجودها وتمتّن عناصر قوتها بالوفاء للشعب اللبناني ومقاومته الوطنية والإسلامية الذين ضحّوا لأكثر من أربعين عاماً من المواجهة والصبر والصمود وبذلوا التضحيات الكبيرة فحرّروا وانتصروا وأعادوا مجد لبنان وأنجزوا سيادته الحقيقية بردع الاحتلال.. السيادة في لبنان مفقودة ولا بد من العمل على استعادتها عبر تكريس معادلة جيش – شعب – مقاومة لمواجهة التهديدات التي تحيق بلبنان عبر مشاريع الهيمنة الأمريكية – الإسرائيلية الطامعة بثرواته الوطنية من النفط والغاز والمياه، وضرب محاولات التفرقة وطروحات التقسيم وإسكات الخطاب الطائفي الفتنوي الذي تغذيه أروقة السفارات والغرف السوداء.
المطلوب من الدولة اللبنانية أن تبني على تجارب الأمس القريب لتؤسس لاستراتيجية أمن وطني وفق سياسة دفاعية شاملة، فقد نعم لبنان بالأمن طوال 18 عاماً دون أن يجرؤ العدو على تجاوز الحدود لمتر واحد، وفي المقابل كان الجيش اللبناني ينتشر عند تخوم الوطن وعيون المقاومين في حضن بيئتهم الصامدة تترصّد الاحتلال وقواته..
ألم تمتزج دماء جنود الجيش والمقاومة وناسها في تراب الجنوب والبقاع الغربي والحدود الشرقية!؟ كيف للدولة أن تجني ثمار هذه التضحيات السامية، هل بالركون للهزيمة المصطنعة والخضوع للإملاءات الأمريكية – الإسرائيلية أم بالجرأة على إعلاء الموقف وتأكيد السيادة بتبنّي خيار المقاومة!؟ هل باللجوء إلى التوسّل والبكاء في المحافل الدولية المرتهنة لواشنطن أم بالمبادرة إلى بناء مشروع استقلالي سيادي شامل تشارك فيه المؤسسات العسكرية والأمنية والسياسية والإعلامية والاجتماعية والاقتصادية الرسمية والشعبية وصولاً إلى إرساء ثقافة مقاومة يلتحم فيه الجيش والمقاومة والشعب في بوتقة وطنية واحدة!؟
السيادة أولوية على كلّ ما عداها فلا يوجد أمن ولا استقرار ولا تنمية ولا نهضة من دون سيادة، ويجب أن تتصدّى الحكومة اللبنانية لهذه المهمّة وهذه المسؤولية مهما كانت الصعوبات والعوائق، وهي معنيّة في أن تطلق مشروعاً وطنياً شاملاً تشارك فيه كل فئات الشعب كما النخب والمفكرون والكتّاب والإعلاميون والشخصيات المؤثرة، وبذلك يمكن لهذه الحكومة أن تستند إلى موقف شعبها وتبادر إلى جرأة الوقوف ورفض الهيمنة الخارجية من أي جهة أتت، وبذلك أيضاً يسهم لبنان كلّه في إنجاز حريته واستقلاله واستعادة سيادته.
موقع سفير الشمال الإلكتروني