كان كلام رئيس مجلس النوّاب نبيه برّي، في حديثه إلى جريدة “الشّرق الأوسط” السّعودية، وتعبيره عن إحباطه بعد لقائه الوفد الأميركي في بيروت من أنه “أتونا بعكس ما وعدونا به”، وبأنّ الوفد الأميركي “لم يأتِ بأيّ شيء من إسرائيل، وبالتالي ذهبت الأمور نحو التعقيد مجدّداً”، كان ذلك كافياً لنعي مهمّة الموفد الأميركي توم برّاك وورقة التفاهم الأميركية التي جاء بها، وإعادة الأمور إلى نقطة الصفر.
بعد لقائه برّاك في 18 آب الجاري، توقّع برّي أن يعود الموفد الأميركي إلى بيروت بردٍّ إيجابي بعد التزام لبنان بقرار وقف إطلاق النّار الذي جرى التوصل إليه في 27 تشرين الثاني عام 2024 بين لبنان وإسرائيل، حيث لم تُطلق المقاومة رصاصة واحدة تجاه العدو برغم خرقه للقرار أكثر من أربعة آلاف مرّة، وانسحاب عناصر حزب الله إلى شمال نهر الليطاني، لكنّ هذه الإيجابية المنتظرة لم تحصل بعدما أدّت السّلبية التي جاء بها برّاك، في زيارته الخامسة إلى لبنان، ومعه وفد أميركي يضمّ صقوراً في الإدارة الأميركية وداعمين متشدّدين لإسرائيل، في نسف كلّ الجهود التي بذلت سابقاً وإدخال البلد مجدّداً في المجهول.
في زيارته السّابقة إلى لبنان، التي كانت الرّابعة له منذ تكليفه موفداً إلى لبنان، قال برّاك للرئيس برّي أنّه سيأتي من إسرائيل بردٍ وفق سياسة “الخطوة بخطوة” التي يقوم بها لبنان، لكنّ الموفد الأميركي عاد في زيارته الخامسة خالي الوفاض بعدما رفضت إسرائيل أيّ التزام مسبق بتنفيذ قرار وقف إطلاق النّار والقرار 1701 قبل نزع سلاح حزب الله والقوى الفلسطينية، وبعدها لكلّ حادث حديث؛ وهو الموقف الذي شدّد عليه السيناتور الأميركي ليندسي غراهام، الذي كان في عداد الوفد، إذ أوضح أنّ “إسرائيل لن تنظر إلى لبنان بطريقة مختلفة إلّا إذا قام لبنان بخطوة مختلفة. لا تسألوني ما الذي ستقوم به إسرائيل قبل أن يقوم لبنان بنزع سلاح حزب الله”، مضيفاً: “أيّ نقاش حول انسحاب إسرائيل من الأراضي اللبنانية سيكون بلا جدوى إذا لم يتحقق ذلك”.
كلّ ذلك دفع الرئيس برّي إلى إبداء التشاؤم حيال المرحلة المقبلة التي قال: “إنّ الأمور فيها “ليست سهلة”، في ضوء التعقيدات الجديدة التي وضعتها إسرائيل وتبنتها الإدراة الأميركية، ما طرح علامات إستفهام وتساؤلات حول تداعيات ما حصل على الوضع في لبنان خلال المرحلة المقبلة.
سياسياً باتت الحكومة في مأزق كبير، إذ بعد القرار الذي اتخذته في جلستي 5 و7 آب الجاري بنزع السّلاح وحصره بالجيش اللبناني وحده، وموافقتها على أهداف الورقة الأميركية، لم يعد بإمكانها السير في خطتها وتنفيذ قرارها في ضوء عدم موافقة إسرائيل على تنفيذ موازٍ لقرار وقف إطلاق النّار والقرار 1701، ورفض حزب الله بالمقابل تسليم سلاحه قبل وقف العدوان الإسرائيلي المستمر وانسحابه من الأراضي التي احتلها خلال الحرب الأخيرة، وإعادة الأسرى وبدء إعمار المناطق المتضرّرة، إضافة إلى تقديم ضمانات بعدم قيام إسرائيل بأيّ اعتداء بعد ذلك، وهي ضمانات كان الموفد الأميركي برّاك قد قال عنها في زيارة سابقة له إلى لبنان أنّها “ضمانات غير موجودة”.
كلّ ذلك يعني، وبعد وصول المساعي إلى حائط مسدود، أنّ المخاوف باتت جدّيّة من إنعكاس ذلك تصعيداً إسرائيلياً عسكرياً على لبنان، وتوتراً داخلياً بات الحديث عنه علناً بعدما كان يدور همساً، لا أحد يعرف إلى أيّ مدى سيصل، ولا ما هي تبعاته.
موقع سفير الشمال الإلكتروني