تواجه النساء اللبنانيات تحديات يومية في مختلف المجالات من الاقتصاد ومروراً بالسياسة والعمل وصولاً إلى المجتمع. ومع كل خطوة تخطيها النساء، تتجلى أكثر قوة المرأة اللبنانية، تلك التي تتنقل بين أعباء العمل ومهام المنزل، وتسعى بلا توقف لتحقيق أحلامها الخاصة، رغم واقع اقتصادي قاسي، ومجتمع لا يزال يفرض عليها قيودًا كثيرة. وهي، في قلب هذا الصراع المستمر، تظل المثال الحي على الصمود والمثابرة.
في سوق العمل كما في المنزل، وفي ساحات الاحتجاج، وفي الأوقات العصيبة التي مرّت بها البلاد، كانت النساء دائمًا في الصفوف الأمامية، يحملن آمال المستقبل على أكتافهن المثقلة. فحتى وإن كان تمثيلهن في الحكومة والبرلمان لا يزال خجولًا، فإن حضورهن في ميادين أخرى لا يحتاج إلى أرقام لإثباته.إصرار وتحدي وقصص نجاحيحتفل العالم اليوم بالذكرى الخمسين ليوم المرأة العالمي برعاية الأمم المتحدة، تحت شعار "الحقوق والمساواة والتمكين لكافة النساء والفتيات". احتفاء لا يقتصر على إنجازات المرأة فحسب، بل هو بمثابة إعادة اكتشاف كفاحها اليومي وتثمين صبرها الذي لا ينضب. وبعيدًا عن التصورات السياسية التقليدية، التي قد لا تنصفها كما يجب، نرى أن المرأة اللبنانية لا تحتاج إلى مناسبة رسمية لتثبت قوتها. وقد وقع الخيار في عرض سير ذاتية لثلاث نساء لبنانيات ناجحات لتكريم المرأة في عيدها ليس كخيار عشوائي. فكل واحدة من هنّ تمثل تحديات مختلفة في تنميط المرأة ببوطقة اجتماعية معينة في لبنان. ولم نبحث عن "نماذج براقة"، لعرض النجاحات، بل اخترنا سيدات، قد لا يمثلن كل النساء في لبنان، لكنهن يعكسن جانبًا من قصص النجاح التي تُكتب بالإصرار والتحدي. فهنّ لم يأتين من "الطبقة المخملية"، بل شققن طريقهن وسط الصعاب، وواجهن العقبات واحدة تلو الأخرى، ليصنعن لأنفسهن مكانًا يستحق التقدير.
فانيسا راضي
في عالم سباق السيارات ورياضة المحركات في لبنان، الذي لطالما كان حكرًا على الرجال، استطاعت فانيسا راضي أن تشق طريقها بقوة، متجاوزةً الصور النمطية، ومحطمةً التوقعات، لتصبح واحدة من الأسماء البارزة في مشهد التفحيط. منذ صغرها، كانت تمتلك شغفًا كبيرًا بالسيارات، تطرح الأسئلة بفضول لا يهدأ، حتى تولى ابن خالتها مهمة الإجابة عنها، وفتح لها الباب إلى هذا العالم الذي أصبح شغفها الحقيقي.في عام 2017، دخلت فانيسا راضي التاريخ كأول امرأة تشارك في مسابقات "التفحيط" التي ينظمها ATCL، واضعةً بصمتها في رياضة لطالما اعتبرت "للرجال فقط". ومنذ ذلك الحين، لم تكتفِ بالمشاركة، بل كانت مصدر إلهام لفتيات أخريات لدخول هذا المجال، وتغيير الصورة النمطية عنه.لكن الطريق لم يكن سهلًا. واجهت الكثير من الانتقادات، ليس فقط لأنها اختارت مجالًا غير تقليدي للنساء، بل لأنها أثبتت أيضًا أنها "تفهم في الميكانيك بقدر ما تتقن فن السيطرة على السيارة. كثر يصدمون لأن هوايتي هي التفحيط ويحاولون التقليل من شأني فقط لأنني فتاة"، تقول فانيسا، التي اعتادت على سماع التعليقات المشككة بقدراتها، مثل "أكيد رح تفوتي بالحيط". لكن رغم كل ذلك، واصلت طريقها، وأصبحت مثالًا حيًا بأن الشغف غير محدود بالجندر.اليوم، تشعر بالفخر لأنها ساهمت في تشجيع فتيات أخريات على دخول عالم التفحيط، وجعلت المجتمع أكثر تقبلًا لفكرة أن السيارات والسرعة ليست حكرًا على الرجال. ورغم العقبات التي يواجهها مشهد التفحيط في لبنان، لا تزال فانيسا متمسكةً بحلمها، تسابق الزمن، وتصنع مسارها الخاص.
ميساء عساف
تبرز ميساء عساف كإحدى النماذج الملهمة التي تجسد قوة المرأة اللبنانية وقدرتها على النجاح في مجال لا يرحم. خبيرة المظهر، صاحبة الخلفية الإعلامية والسياسية، التي لطالما كانت شغوفة بتطوير الذات وتمكين المرأة. اختارت عساف طريقًا لم يكن مجرّد مهنة، بل رسالة، كما تقول. لم يكن شغفها بالجمال والمظهر مجرد اهتمام سطحي، بل كان وسيلتها لإعادة بناء صورة المرأة عن نفسها، وترسيخ ثقتها بذاتها. منذ البداية، أدركت أن تحسين المظهر الخارجي لا ينفصل عن التحولات الداخلية، وأن كل امرأة تستحق أن ترى نفسها في أفضل حالاتها، لا كما يملي عليها المجتمع أن تكون. "من خلال تجاربي الشخصية، خصوصاً بعد الولادة، أدركت مدى تأثير المظهر على نفسية النساء بشكل إيجابي"، تقول، مشدّدة على أن "الجمال لا يقتصر على الشكل، بل هو امتداد للإحساس بالقدرة والتمكن. عندما تشعرين بأنك في أفضل حالاتك، ينعكس ذلك على كل جوانب حياتك. الطريقة التي ترين بها نفسك تحدد كيف يراك الآخرون". تجاوزت عساف دور خبيرة المظهر لتصبح مستشارة في تمكين المرأة، حيث لا تفرض تغييرًا، بل تساعد كل امرأة على أن ترى نفسها بصورة تتماشى مع حقيقتها وشخصيتها. وعساف، التي أصبحت اسماً معروفًا في مجال تطوير الذات وصناعة الصورة، عملت مع أبرز المشاهير في لبنان والعالم، لكنها لم تحصر تجربتها، بل جعلتها متاحة لكل امرأة تسعى لاستعادة ثقتها بنفسها. بالنسبة لها، المظهر ليس تفصيلًا هامشيًا، بل جزء لا يتجزأ من هوية المرأة ومن الطريقة التي يتعامل بها المجتمع معها. "إذا أهملتِ نفسك، سيعاملك المجتمع بالمثل، أما إذا كنتِ امرأة متمكنة، فستفرضين احترامك وتقديرك على الآخرين"، تقول ميساء، مؤكدةً أن النجاح يبدأ من الداخل، لكنه يحتاج إلى أن يُرى ويُعاش بكل تفاصيله.
آية أبي حيدر
في عصر باتت فيه مواقع التواصل الاجتماعي مساحةً مفتوحة للجميع، لم يعد الوصول إلى الجمهور حكرًا على وسائل الإعلام التقليدية، ولا باتت الشهرة مقتصرة على المشاهير بالمعنى الكلاسيكي. اليوم، كل شخص يملك هاتفًا وإنترنت يمكنه أن يصنع محتواه الخاص، أن يكون صوته مسموعًا، وأن يؤثر في الآخرين. لكن وسط هذا الزخم الهائل من المحتوى، قليلون فقط من يتمكنون من صنع فارق حقيقي، من أن يتحولوا إلى أكثر من مجرد صانعي محتوى، إلى أصوات تعبّر عن قضايا الناس، عن تحدياتهم وهمومهم اليومية.
آية أبي حيدر واحدة من هؤلاء. درست المسرح كاختصاص، ثم انتقلت لتصبح صانعة محتوى تنشط على وسائل التواصل الاجتماعي. وبات لديها أكثر من 80 ألف متابع، فيما بعض المحتوى الذي تصنعه يحصل على نحو مليون مشاهدة. لكنها لا تقدم ما يُنتظر عادةً من "المؤثرين"، لا تستعرض حياة براقة، ولا تبيع صورة مثالية عن يوميات غير واقعية. تقول آية "لم يكن هدفي يومًا أن أصبح مؤثرة أو مشهورة، بل أن أوصل رسائل تعكس كيف يمكن للمرأة أن تعيش حياتها كإنسان طبيعي، لا كصورة معدّلة وفق معايير المجتمع".
محتواها يركز على السخرية من التوقعات غير المنطقية المفروضة على النساء، ويسلط الضوء على تجاربهن اليومية، فتجعل المتابعات يشعرن أنهن لسن وحدهن، وتعزز من خلال فيديوهاتها ثقتهم بأنفسهم، "حين كنت صغيرة، كنت بحاجة إلى أن أرى نموذجًا يشبهني، قدوة حقيقية وطبيعية. اليوم، أجد نفسي أقدم هذا الدور لغيري"، تقول آية، التي تتلقى يوميًا رسائل من نساء يطلبن منها الاستمرار، لأنهن يجدن في محتواها مساحة تعبر عنهن.تتعاون أبي حيدر مع جهات عدّة لصنع المحتوى وإيصال رسالتها، وهي تطمح إلى التوسع في تجسيد واقع النساء بأساليب فنية أعمق. لكنها في المقابل، لم تسلم من الانتقادات، خصوصًا من بعض الرجال الذين يرون في محتواها تهديدًا لصورة المرأة التقليدية. "هناك من ينزعج من فكرة أن المرأة يمكن أن تكون قوية ومستقلة، وأن تعبّر عن نفسها بصراحة. لكن هذا لا يثنيني عن مواصلة ما بدأته".