يبدو أن الحرب على المسارين الايراني واللبناني تحولت حرب استنزاف لمختلف فرقائها مع تراجع الأهداف العسكرية التي كانت مرصودة وتفاقم التداعيات المباشرة وغير المباشرة على الجميع والتي طالت حتى الاقتصاد العالمي مع نجاح ايران باستخدام ورقة مضيق هرمز للضغط على كل القوى كما ورقة توسيع هجماتها لتطال دول الخليج التي باتت تضغط أكثر من أي وقت مضى على الولايات المتحدة لانهاء الصراع.
وكان لافتا خروج الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الأربعاء، ليعلن أن «الحرب مع إيران ستنتهي قريبا، لأنه لم يتبقَّ عملياً ما يمكن استهدافه»، قائلا لموقع «أكسيوس»: «بعض الأمور البسيطة… متى أردتُ إنهاءها، ستنتهي».
لكن لا يبدو أن اسرائيل مستعجلة كما الولايات المتحدة الأميركية لوقف الحرب، اذ أشارت صحيفة «يديعوت أحرونوت» الإسرائيليّة، إلى أنّ «رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو قال لقادة الحكومات المحليّة في اجتماع مغلق، إن إسرائيل تعمل على افتراض أنّ الحرب ستستمر بضعة أسابيع بدلًا من أيّام».
فصل المسارين اللبناني والايراني
وبغض النظر ما اذا كانت الحرب بين طهران من جهة وتل أبيب وواشنطن من جهة أخرى ستنتهي خلال أيام أو أسابيع، فإن ما هو محسوم حتى الساعة أن هناك قرارا أميركيا- اسرائيليا بفصل الجبهتين اللبنانية والايرانية، اذ تشير مصادر واسعة الاطلاع الى أن كل «المعطيات سواء الواردة من واشنطن أو تل أبيب تؤكد أن الحرب على لبنان وحزب الله من قبل اسرائيل ستتواصل حتى ولو توقفت الحرب على ايران، وسيكون هناك غطاء أميركي واضح لنتنياهو لمواصلة العمليات حتى القضاء نهائيا على حزب الله»، لافتة في حديث لـ«الديار» الى ان «اسرائيل تعتبر أنها اقترفت خطأ استراتيجيا بوقف الحرب عام 2024 اذ كان يفترض مواصلة القتال بوقتها، وهو خطأ تُردد أمام الموفدين الدوليين أنها لن ترتكبه مجددا».
وتلفت المصادر الى أن «عدم تجاوب تل أبيب مع مبادرة رئيس الجمهورية اللبنانية العماد جوزيف عون والقائلة بمفاوضات مباشرة مع اسرائيل للوصول لاتفاق لوقف النار، لا يعني انهيار المبادرة التي لا تزال مادة دسمة للنقاش الداخلي»، مضيفة: «لكن حتى الاجواء الواردة من اميركا لا توحي بحماسة واشنطن لوقف اطلاق النار في لبنان، فتداعيات المواجهة مع ايران يمكن وقفها بمجرد وقف الحرب عليها، لكن الحرب على حزب الله أقل كلفة على كل المستويات والمجتمع الدولي بات مقتنعا بوجوب انهاء وجود حزب الله المسلح لذلك لن يمانع المضي بهذه المعركة».
لكن ما تخطط له اميركا واسرائيل شيء، والوقائع على الأرض شيء آخر. اذ وبالرغم من القرار الاسرائيلي بتوسيع رقعة الدمار والتهجير لزيادة الضغط على بيئة المقاومة كما البيئات المضيفة، الا أن قدرات حزب الله العسكرية سواء بتوجيه ضربات موجعة الى الداخل الاسرائيلي وتهديد أمن مستوطني الشمال كما بصد التوغلات الاسرائيلية في القرى الحدودية، صدمت تل أبيب التي وبحسب المعلومات تعمل راهنا على تعديل خططها الميدانية للتعامل مع الواقع العسكري الراهن للحزب.
موقف حاسم من هيكل
ومن بين الخطط التي تدفع باتجاهها زيادة الضغط على الدولة اللبنانية والجيش اللبناني ليضغط بدوره على حزب الله، وهو أمر تبدو محسومة كيفية مقاربته من قبل الجيش اللبناني، بحيث لا نية على الاطلاق بخوض أي مواجهة مباشرة مع عناصر الحزب وان كان سيواصل وبما توفر تنفيذ القرارات السياسية التي اتخذتها الحكومة. هذا الموقف عبّر عنه بوضوح قائد الجيش العماد رودولف هيكل خلال تفقده قيادة لواء المشاة السابع في ثكنة فرنسوا الحاج في مرجعيون.
اذ قال بوضوح: «نحن عازمون على بسط سلطة الدولة على جميع أراضيها عملًا بقرار السلطة السياسية، وملتزمون بالمصلحة الوطنية العليا حفاظًا على وحدة لبنان وأبنائه»، مشددا على أنّ «الجيش هو الحل لخلاص لبنان، وضمانة وحدته» وعلى أن «حملات التجنّي لن تثني المؤسسة عن أداء واجبها».
وكان قائد الجيش توجه بطوافة تابعة للجيش اللبناني إلى بلدة القليعة لتقديم واجب العزاء باستشهاد كاهن رعية البلدة بيار الراعي.
هجوم متزامن من جنوب لبنان وإيران
هذا وشنّت إيران و«حزب الله» مساء أمس هجوماً صاروخياً متزامناً على إسرائيل، إذ أفادت وسائل إعلام إسرائيلية بأن أكثر من مئة صاروخ أُطلقت من جنوب لبنان باتجاه الجليل الأعلى ومناطق في شمال الأراضي المحتلة، بالتزامن مع إطلاق صواريخ باليستية إيرانية نحو العمق الإسرائيلي، ما أدى إلى دوي صفارات الإنذار في مناطق واسعة وإطلاق منظومات الدفاع الجوي لاعتراض الصواريخ، في هجوم وصفته وسائل إعلام عبرية بأنه من أكبر الهجمات المنسقة منذ اندلاع المواجهة الحالية، ويهدف إلى إرباك الدفاعات الإسرائيلية عبر ضربات متزامنة من أكثر من جبهة.
في هذا الوقت، وبالتوازي مع مواصلة اسرائيل عدوانها على عدد كبير من المناطق اللبنانية مقابل استمرار عمليات حزب الله لصد التوغلات البرية، لفتت الزيادة السريعة بعدد النازحين، بحيث وبعدما كانت وزيرة الشؤون الاجتماعية حنين السيد قد أعلنت صباح الأربعاء أن عدد الذين تسجلوا عبر المنصة التي أطلقتها الوزارة بلغ 780 ألف نازح 120 ألفا منهم يعيشون في مراكز الايواء، خرجت لتحديث الأرقام مساء متحدثة عن 816 ألف نازح يعيش 126 ألفا منهم في مراكز ايواء.
مجلس الأمن
وكانت أكثر من 20 دولة في الأمم المتحدة أعربت الأربعاء عن قلقها إزاء تجدد الحرب بين إسرائيل وحزب الله، وذلك قبيل اجتماع لمجلس الأمن مخصص للنزاع في الشرق الأوسط .وجاء في بيان قرأه السفير الفرنسي جيروم بونافون نيابة عن الدول الموقعة، «نحث إسرائيل على الامتناع عن أي هجوم ضد البنى التحتية المدنية والمناطق المكتظة بالسكان، وعلى احترام سيادة لبنان وسلامة أراضيه».
هذا وعقد مجلس الامن جلسة طارئة لمناقشة الأوضاع في لبنان، داعيًا «لوقف فوري للعنف في لبنان واحترام جميع الأطراف التزاماتها بموجب القانون الدولي».
وكيل الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية توم فليتشر قال في كلمته:» لبنان يواجه لحظة خطيرة للغاية تهدد البلاد والمنطقة بأسرها وسيتم إطلاق نداء إنساني طارئ لمدة 3 أشهر لدعم الاستجابة في لبنان، الشعب اللبناني يمكن أن يكون أقوى من القوى التي تمزقه إذا توقفت إيران وإسرائيل عن شن حروبهما».
أما مندوب إسرائيل لدى الأمم المتحدة فأشار الى أن «لبنان أمام خيارين واضحين: إما أن تنزع الحكومة اللبنانية سلاح حزب الله أو سنقوم نحن بذلك».
تطورات الحرب على ايران
أما على خط الحرب على ايران، فقد أعلنت طهران يوم أمس عن استهداف سفينتين حاولتا عبور مضيق هرمز، مشددة على وجوب الحصول على إذن رسمي من إيران قبل المرور عبر المضيق.
ولفت ما أعلنه نائب قائد حرس الثورة العميد علي فدوي عن امتلاكهم «صواريخ تطلق من تحت الماء وسرعتها 100 متر في الثانية وقد نستخدمها في الأيام المقبلة»، في وقت أفادت قوات الحرس الثوري الايراني عن تنفيذها الموجة التاسعة والثلاثين من عملية «وعد الصادق»، لافتة الى أنه «تم خلالها تدمير قواعد الجيش الأميركي في منطقة الخليج بواسطة أنظمة قادر متعددة الرؤوس، خرمشهر متعددة الرؤوس، وعماد».
هذا وأفيد بأن الدفاعات الخليجية تصدت لـ783 صاروخاً باليستياً و 2350 مسيّرة منذ بدء الحرب. وأعلنت السعودية عن التصدي لـ25 صاروخاً و 151 مسيّرة منذ بدء الحرب، وفي الإمارات أعلن عن التصدي لـ270 صاروخاً و 1475 مسيّرة، فيما أعلنت الكويت عن التصدي لـ239 صاروخاً و456 مسيّرة، في الوقت الذي تصدت قطر إلى 143 صاروخاً و 78 مسيّرة، والبحرين لـ106 صواريخ و177 مسيّرة، فيما تصدت سلطنة عُمان لـ13 مسيّرة.