2026- 01 - 20   |   بحث في الموقع  
logo مذكرتا توقيف بحق مصطفى الحسيان وخلدون عريمط logo الصين تحذّر من العودة إلى “شريعة الغاب” في العلاقات الدولية logo إقفال فرن معجنات logo الرئيس عون: حقّقنا ما لم يعرفه لبنان منذ 40 عاماً logo بحثٌ في انتساب المزارعين إلى الضمان logo سلام يلتقي وكيل الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية logo القيادة في الشتاء.. نصائح وتحذير! logo اليابان: انهيار السندات وتراجع الأسهم والين بعد إعلان الانتخابات وخفض الضرائب
اقتصاد سورىا الجديدة وتلافي فخّ "المرض الهولندي"
2025-02-14 00:25:49

منذ استيلاء نظام الأسد على الحكم في سوريا، اتسمت العلاقة مع المؤسسات المالية الدولية بالتعقيد والتوتر وقلة الثقة. إذ شهدت سوريا حالة من العزلة في تعاملها مع مؤسسات أبرزها صندوق النقد الدولي ومؤسسة التنمية الدولية والبنك الدولي للإنشاء والتعمير. إلا أن سمعة نظام الأسد المتسخة بجرائم ضد الإنسانية وتغلغل نفَس الإرهاب والقمع في مفاصل مسيرته في حكم سوريا، كان له أثر في وضعه ضمن لائحة الغرب السوداء بخانة الدول الراعية للإرهاب، و فرض عقوبات كان من أشدّها حزمة عقوبات عام 1979، مع العمل على توسيع نطاق عمل اللائحة التنفيذية للعقوبات بحيث تضيق الخناق على دمشق، التي لم تلتزم بعدم دعم حركات المقاومة الإسلامية الناشئة في لبنان حينها؛ والتي كان لحافظ الأسد علاقة مصالحية براغماتية معها، لاستخدامها والتلاعب بدعمها بحسب ما يروق لحكمه.
الانغلاق والتضييق
تولى بشار الأسد الحكم عام 2000، على أمل أن يلقى السوريون في "الرئيس الشاب" أملاً في تحسن ظروف معيشتهم والانطلاق نحو الحريات المنشودة والانفتاح السياسي والاقتصادي بعد حقبة من الانغلاق أيام الأسد الأب، وأطلق الابن حينها فكرة ربيع دمشق الذي ما لبث أن تحول إلى خريف وكابوس على السوريين. بدأ الانغلاق الاقتصادي والتضييق على السوريين بحجة وجود العقوبات التي نص عليها قانون محاسبة سوريا الذي أطلقته الولايات المتحدة عام 2003، بحيث يحظر توريد أي من المنتجات الأميركية، ويحظر توريد منتجات خاصة بقطاع النقل البري والبحري والجوي وغيره من التفاصيل.
في هذه الحقبة، واجه الاقتصاد السوري تحديات كبيرة ناجمة عن عدم الاستقرار السياسي، والانكفاء على حكم العائلة وحكم الحزب الواحد، ومنع أية حريات سياسية بالإضافة إلى ملاحقة المعارضين، من دون أي نزعة فعلية نحو الإصلاح؛ الأمر الذي خلق حالة من عدم الجدية في تعامل نظام الأسد مع أي من أطروحات التطوير والتنمية الاقتصادية والسياسية التي قدمها صندوق النقد الدولي عام 2009، عبر لجان استشارية جاءت لتقييم وضع البلاد واختبار مصداقية نزعة هذا النظام نحو التجديد.عقوبات دولية
لم يكن لسوريا برنامج رسمي مع صندوق النقد الدولي، حيث أبدى نظام الأسد تردداً في التعاون مع الصندوق بسبب اعتبارات سياسية ومخاوف تتعلق بالسيادة والمحاسبة وانفضاح الفشل الاقتصادي في البلاد. في المقابل، عبّر صندوق النقد الدولي عن قلقه تجاه السياسات الاقتصادية السورية، ومشاكل الحوكمة، وانتهاكات حقوق الإنسان، مما أعاق تطوير أي تعاون فعّال بين الجانبين. تفاقمت هذه الأزمة بعد بدء الثورة السورية وانتهاج النظام نهج القمع كوسيلة لإخماد الثورة، كما أن استمرار الانتهاكات بحق الشعب السوري أدت إلى دمار واسع النطاق ونزوح السكان وأزمة إنسانية كبيرة، مما جعل مهمة تحقيق الاستقرار الاقتصادي وجذب الاستثمارات الأجنبية أكثر صعوبة أمام نظام الأسد، حتى وإن بدت آخر أيامه علامات انفتاح على بعض دول المنطقة ورغبة بعودة دمشق إلى "حضن" الجامعة العربية، وبعض الدول الأوروبية، إلا انها لم تكن ترقى لجدية الموقف.
على جانب موازٍ، فُرضت على سوريا عقوبات دولية زادت من عزلتها عن المجتمع المالي الدولي، بما في ذلك صندوق النقد الدولي. استهدفت هذه العقوبات شخصيات بارزة، وكيانات اقتصادية، وقطاعات رئيسية في الاقتصاد السوري، مما أدى إلى تقييد قدرة البلاد على الحصول على الدعم المالي الدولي للنهوض بالأعباء الاقتصادية للمرحلة بين 2011 و2024، واعتمد النظام على مديونية من إيران وروسيا ومساعدات من حلفاء آسيويين للبقاء على قيد الحياة حينها. ورغم أن إعادة بناء الاقتصاد السوري تتطلب دعماً دولياً كبيراً، إلا ان النظام لم يبدِ جدية في هذا الملف.ما بعد سقوط الأسد
رغم سقوط نظام الأسد وتأسيس حكومة مؤقتة في البلاد، يتخذ صندوق النقد الدولي موقفاً حذراً تجاه سوريا، وهو موقف يعكس التعقيد السياسي والاقتصادي الذي تواجهه سوريا. عادةً ما يشترط الصندوق على الدول الراغبة في الحصول على مساعدات مالية تنفيذ إصلاحات اقتصادية، وتعزيز الحوكمة، وتحسين الشفافية. على الأرض، شهد الاقتصاد السوري انهياراً متسارعاً خلال السنوات الأخيرة، حيث تراجعت قيمة الليرة السورية من حوالى 50 ليرة لكل دولار في 2011، إلى أكثر من 14 ألف ليرة لكل دولار في 2024، ما تسبب في تضخم هائل أفقد المواطنين قدرتهم الشرائية. كما تراجعت القطاعات الإنتاجية بشكل حاد، حيث تعرضت الزراعة والصناعة، اللتان كانتا تشكلان أكثر من 40% من الناتج المحلي الإجمالي، إلى دمار واسع بسبب الحرب ونقص العمالة وتدمير البنية التحتية. بالإضافة إلى ذلك، تواجه سوريا عجزاً تجارياً كبيراً بسبب تراجع الصادرات واعتمادها المتزايد على الاستيراد، ووضع ميزانية هائلة لاقتصاد التسليح اللازم لمعارك الجيش. في الوقت ذاته، يعتمد ملايين السوريين على المساعدات الإنسانية المقدمة من وكالات الأمم المتحدة والمنظمات غير الحكومية لا سيما في مناطق النزوح الداخلي، لكن هذه المساعدات لم تكن لتسهم في بناء اقتصاد منتِج وبديل، بل تعزز من الاعتماد على الدعم الخارجي ودعم الدول المانحة. مع وضع اقتصادي بهذا التدهور، فإن أي تدفق كبير للمساعدات المالية، خصوصاً إذا لم يكن مصحوباً بإصلاحات اقتصادية مدروسة، قد يؤدي إلى تفاقم الأزمة بدلاً من حلها.مخاطر مالية
إذا لعب صندوق النقد الدولي دوراً رئيسياً في تقديم توزيع المساعدات، فقد يؤدي ذلك إلى تدفق كبير للعملة الأجنبية، مما قد يتسبب في ارتفاع قيمة الليرة السورية بشكل غير مستدام. في حين أن ذلك قد يخفف مؤقتاً من التضخم، إلا أنه سيؤثر سلباً على القدرة التنافسية للصادرات السورية، مما يؤدي إلى تراجع الإنتاج المحلي وزيادة الاعتماد على الاستيراد. بالإضافة، فإن ارتفاع قيمة العملة قد يدفع العمالة ورأس المال إلى القطاعات غير القابلة للتصدير مثل الخدمات والتجارة بدلاً من الصناعة والزراعة، ما يؤدي إلى تراجع الإنتاج المحلي. بالإضافة إلى ذلك، فإن أي تدفق كبير للأموال قد يؤدي إلى توسيع القطاع العام، مما يعزز البيروقراطية ويضعف فرص نمو القطاع الخاص. ومن المخاطر الأخرى، أن تستفيد النخب الحضرية من تدفق المساعدات بينما تظل المناطق الريفية والمناطق الأكثر تضرراً من النزاع تعاني من نقص الاستثمار، مما يزيد من التفاوت الاجتماعي ويؤدي إلى اضطرابات سياسية.نموذج الأرجنتينلجأت الأرجنتين مراراً وتكراراً إلى صندوق النقد الدولي للحصول على المساعدة المالية، وأبرزها في عام 2001، عندما تخلفت عن سداد ديون بقيمة 95 مليار دولار. وفي عام 2018، تلقت البلاد مبلغاً قياسياً قدره 57 مليار دولار من صندوق النقد الدولي، لكنها لا تزال تواجه تضخماً مرتفعاً وانخفاضاً في قيمة العملة وركوداً. أدت تدابير التقشف إلى تفاقم الفقر، وتبع ذلك عدم الاستقرار السياسي؛ واضطرت الارجنتين في عام 2023 إلى إعادة التفاوض على ديونها مع صندوق النقد الدولي مرة أخرى. يراجع صندوق النقد الدولي برنامج الارجنتين الاقتصادي بخصوص مديونيتها، وتمهيداً لمنحها قروضاَ جديدة لتأتي هذه المراجعات ضمن استراتيجية التقييم بعد التنفيذ، والتي يقوم الصندوق بممارستها مع الدول التي تستقرض مبالغ استثنائية تفوق المبالغ المعتادة للدول؛ كون الأرجنتين أكبر دائن من صندوق النقد الدولي في العالم. نشر صندوق النقد الدولي تقييماً سلبياً لبرنامجه الأخير مع الأرجنتين، الذي بلغت قيمته الأصلية 44 مليار دولار، وهو ثاني أكبر برنامج في تاريخ الصندوق بعد اتفاقه مع الأرجنتين في عام 2018. يُعد هذا التقييم خطوة فنية ضرورية قبل أن يبدأ الرئيس الأرجنتيني خافيير ميلي مفاوضات للحصول على برنامج جديد هذا العام. ووفقاً لقواعد صندوق النقد الدولي، لا يمكن للدول التي تتمتع بـ"وصول استثنائي" إلى أموال الصندوق، مثل الأرجنتين، التقدم للحصول على برنامج جديد حتى يتم الانتهاء من التقييم اللاحق للبرنامج السابق. تُركز المفاوضات الجارية بين الأرجنتين وصندوق النقد الدولي على تأمين تمويل إضافي وتحديد استراتيجيات لرفع الضوابط المفروضة على العملة ورأس المال، بهدف إعادة دمج الأرجنتين في الأسواق المالية الدولية وتعزيز استقرارها الاقتصادي.
وقعت الأرجنتين في فخ "المرض الهولندي Dutch Disease " -الذي يشير إلى حالة الركود والبطالة التي تلي تدفق العملة الأجنبية إلى البلاد وارتفاع الطلب على العملة المحلية ارتفاع سعرها أمام العملات الأجنبية؛ الأمر الذي ينعكس على القطاعات الإنتاجية في البلاد- وزاد من تفاقم هذا المرض الديون التي قدمها صندوق النقد الدولي للإصلاحات في البلاد. رحلة طويلة من الديون
بالنسبة للحالة السورية مع صندوق النقد الدولي وبرنامجه المتخيّل من اقتصاديين سوريين يرون في صندوق النقد الدولي والاستثمارات الخارجية الهائلة ملاذاً آمناً ومهرباً من الوضع الاقتصادي الراهن في البلاد، ويعولون على دخول صندوق النقد الدولي على خط تقديم قروض لمصرف سوريا المركزي؛ فإن ذلك من شأنه أن يفتح باب رحلة طويلة من الديون تتطلب التزاماً عالياً بالنهج الاقتصادي الذي سيرسمه خبراء صندوق النقد الدولي لسوريا على حساب وضع خطط داخلية تتناسب مع مقدرات البلاد ومؤهلاتها الحالية. قد يشمل هذا النهج مجموعة شروط لضمان قدرة الدولة على سداد القروض وتعزيز استقرار اقتصادها. تتمثل بفرض إصلاحات مالية تقشفية، مثل تقليل عجز الموازنة عبر خفض الإنفاق الحكومي وزيادة الضرائب، إضافةً إلى إصلاح دعم الطاقة والسلع السوقية عبر تقليل الدعم الحكومي على الوقود والمواد الأساسية. بالإضافة إلى ذلك، قد يفرض الصندوق تحرير سعر الصرف، ما يعني تقليل تدخل البنك المركزي في تحديد سعر العملة المحلية، وأحياناً تعويمها بالكامل. وتشمل الشروط أيضاً إصلاحات هيكلية مثل خصخصة الشركات العامة، وتحرير السوق، وتحسين بيئة الأعمال لجذب الاستثمارات.الاستثمار في القطاعات الإنتاجية أما على مستوى القطاع المالي، فقد يطالب الصندوق بتعزيز استقلالية البنك المركزي، وتحسين الرقابة على البنوك، وتقليل الديون المتعثرة. كما يُشدد على الشفافية ومكافحة الفساد، مع فرض إصلاحات تعزز الحوكمة وإعداد الميزانية الحكومية بوضوح. في بعض الحالات، يوصي الصندوق ببرامج حماية اجتماعية لدعم الفئات المتضررة من هذه الإصلاحات، إلا انها تصطدم بإخفاق تنفيذي نتيجة ضعف الخطط والمشاريع والنشاطات الرامية لدعم هذه الفئات. عربياً، خضعت دول مثل مصر عام (2016)، والأردن عام (2020)، لهذه الشروط مقابل الحصول على قروض، لكن هذه الإصلاحات كانت مثيرة للجدل ومحط انتقاد محلي بسبب تأثيرها على الفئات الفقيرة وارتفاع الأسعار وزيادة معدلات التضخم والبطالة، بعد انتشاء مؤقت نتيجة هذه المساعدات والقروض، وبالتالي فشلت وأصبحت هذه الدول مرهونة لسياسات صندوق النقد الدولي بشكل أو بآخر.
في حال قبول صندوق النقد الدولي إمداد سوريا بقروض عاجلة، ربما يبدو من المناسب لتنجب الوقوع في فخ المرض الهولندي، أن يتم توجيه المساعدات بطريقة تدعم التنمية الاقتصادية المستدامة، بدلاً من مجرد تحقيق استقرار مالي قصير الأجل. يمكن تحقيق ذلك من خلال الاستثمار في القطاعات الإنتاجية مثل الزراعة والصناعة والطاقة، بدلاً من ضخ أموال نقدية مباشرة في السوق. كما يجب إدارة سعر الصرف بحكمة لتجنب الارتفاع الحاد في قيمة الليرة السورية، مما يساعد في الحفاظ على القدرة التنافسية للصادرات. بدلاً من تنفيذ إصلاحات تقشفية فورية، يمكن لمصرف سوريا المركزي دعم نهج تدريجي في إعادة هيكلة الاقتصاد، بحيث يتم تقليل الاعتماد على الدعم الحكومي من دون إحداث صدمة اقتصادية للمواطنين. كما يمكن لسوريا تعزيز التكامل الاقتصادي الإقليمي من خلال بناء شراكات تجارية مع دول المنطقة ولا سيما تركيا ودول الخليج العربي، مما يساهم في خلق فرص اقتصادية جديدة ويحافظ على استقرار الاقتصاد السوري.


المدن



ملاحظة : نرجو ممن يرغب بإضافة تعليق، صياغته بلغة لائقة بعيدة عن القدح والذم والتحريض المختلف أو المسّ بالكرامات. إن كل ما ينشر من مقالات وأخبار ونشاطات وتعليقات، لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع الذي لا يتحمّل أي أعباء معنويّة أو ماديّة من جرّائها.


التعليقات

لارسال تعليق يرجى تعبئة الحقول الإلزامية التالية

الاسم الكامل: اختياري *الرسالة : مطلوب

 البريد الالكتروني : اختياري

 الدولة : اختياري

 عنوان الرسالة : اختياري

 



INN LEBANON

اشترك و أضف بريك لتلقي الأخبار

تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعية
INN LEBAANON ALL RIGHTS RESERVED 2026
top