قال الزعيم السوفياتي نيكيتا خروتشوف، عن موسيقى الجاز الأميركية التي كانت تبثّ على الراديو في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي: "هذه ليست موسيقى، بل نشاز". هي استعارة مثالية تقريباً للتاريخ، الذي نحبّ التفكير فيه على أنه تكوين محكم، لكنه في الواقع عبارة عن مجموعة متشابكة من الارتجالات والإيقاعات المتناقضة والألحان غير المتناغمة. لكن بالنسبة لأولئك الذين يريدون سماعها، هناك بالتأكيد موسيقى يمكن اكتشافها هناك.هكذا يقترب المخرج البلجيكي يوهان غريمونبريز في فيلمه اللافت "موسيقى تصويرية لانقلاب"(*) من الطريق المؤدّية إلى استقلال الكونغو، لا سيما الخطوات الأولى التي تلت هذا الحدث. فترة تميّزت بصراعٍ داخلي على السلطة، واستمرت حتى اغتيال باتريس لومومبا في 1961 وانتهت بانقلاب موبوتو في 1965. لكن بدلاً من الحفاظ على خطٍّ رئيسي صارم أو تسلسلٍ زمني، يقدّم غريمونبريز العناصر واللاعبين الرئيسيين بطريقة مذهلة تتطلّب من المتفرّج سلوكاً شبه بوليسي للاشتباك معها، كما فعل سابقاً في أفلام مثل Dial H-I-S-T-O-R-Y (1997)، أو Shadow World (2016)، والأخير تناول موضوع التجارة العالمية للأسلحة وعالمها المظلم عبر تقديم تفصيل سينمائي لديناميات عملها العابرة للقارات والمركّزة على وجه الخصوص في الولايات المتحدة وأوروبا، حيث الفساد والأكاذيب والجشع محرّكات علاقات سرّية بين سياسيين ومديرين تنفيذيين ومسؤولين عسكريين واستخباراتيين وتجار أسلحة، بهدف إدامة الحرب لتوليد المزيد من الأرباح، بغضّ النظر عن الكلفة البشرية.مدٌّ وجزر استعماري في زمن التحرّر الأفريقي، ومكائد سياسية في ذروة الحرب الباردة بين المعسكرين الشرقي والغربي، والدور الذي أداه العديد من أساتذة الجاز في المؤامرة لنهب أفريقيا، ولمحات من القوة السوداء Black Power ومحاولات ربط الوجود الأفرو-أميركي بنضالات الشعوب الأفريقية... هناك العديد من الأفلام القصيرة (كلها رائعة) في هذا التسجيلي المقالي للسينمائي البلجيكي الماركسي، الذي لا يهادن أيضاً في فضح الأفعال المخزية لبلاده في منطقة كانت تحت سيطرتها (لاستغلال مواردها الطبيعية) مثل الكونغو.
محور الفيلم المحموم والممتد لساعتين ونصف الساعة، يدور حول مؤامرة دولية (تشمل وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية) لإطاحة رئيس الوزراء باتريس لومومبا (أول رئيس وزراء أفريقي أسود منتخب ديموقراطياً في الكونغو بعد استقلالها عن بلجيكا)، ثم اغتياله بعد بضعة أشهر. وكان تقاربه مع الكتلة السوفياتية ومع حكومات أفريقية أخرى عارضت الوجود الأوروبي والأميركي، مثل نظام جمال عبد الناصر في مصر، سبباً في توفير المبرّر الغربي لتدخّلٍ شمل توظيف عشرات المرتزقة ودعم نظامٍ موالٍ يتزعّمه جوزيف كاسا فوبو والعقيد جوزيف ديزيريه موبوتو، الذي تحوّل في ما بعد إلى ديكتاتور حكم جمهورية زائير (جمهورية الكونغو الديمقراطية حالياً) لأكثر من أربعة عقود.الفيلم راهن ومُلحّ، ففي خضم تفاقم حروب إسرائيلية على فلسطين ولبنان والتهديد بتوسيع الصراع إقليمياً للقضاء على أي بؤرة مقاومة وتثبيت أركان الهيمنة الاستعمارية وممثّلتها الفاشية في المنطقة، يستعيد "موسيقى تصويرية لانقلاب" حقبة مفصلية في الصراع ضد الاستعمار الغربي لبلدان القارة السمراء، مؤطّراً الصراع المندلع بعد قيام تحالف قوى الاستعمار في بلجيكا مع حكومات القارة العجوز بالتآمر مع الإمبريالية الأميركية الصاعدة لإطاحة حكومة زعيم أفريقي أيقوني نادى بوحدة دول إفريقيا وسيطرتها على مواردها الاقتصادية الضخمة، ليفضي الصراع إلى تنظيم وكالة الاستخبارات الأميركية لانقلابٍ عسكري يُطيح بالزعيم الإفريقي ثم يقتله.عبر مواد أرشيفية استثنائية، لم يُنشر الكثير منها سابقاً، واقتباسات من وثائق وتحقيقات رُفعت عنها السرّية، وشهادات من عملاء سرّيين ومرتزقة، ومقتطفات من خُطب لومومبا نفسه وزعماء العالم في الجمعية العامّة الأيقونية للأمم المتحدة في نيويورك في ديسمبر/كانون الأول 1960، التي شهدت إعلان منح الاستقلال للبلدان والشعوب المستعمرة، يستوي "موسيقى تصويرية لانقلاب" وصفاً قوياً وإشكالياً لتلك الأوقات المضطربة، وملحمة موسيقية تأخذ شكل مقالة سياسية سمعية بصرية.العنوان، وثيق الصلة ببنائية الفيلم وشريطه الصوتي، يحيل أيضاً إلى استخدام العديد من فنانّي الجاز الأميركيين كـ"سفراء" في أفريقيا (شخصية لويس "ساتشمو" أرمسترونغ هي الأكثر إثارة للجدل)، وبالتالي، يتضمّن الفيلم حضوراً وفي العديد من الحالات أداءً لا يُنسى لديزي غيليسبي، ونينا سيمون، وميريام ماكيبا، وجون كولترين، ودوك إلينغتون، ومايلز ديفيس، وإريك دولفي، وتشارلز مينغوس، وأورنت كولمان، فضلاً عن المشاركة المباشرة لأبي لينكولن وماكس روتش في الاحتجاجات ضد اغتيال لومومبا.اللقاء بين فيدل كاسترو ومالكولم إكس، ومناورات نيكيتا خروتشوف، وإنهاء الاستعمار وحركة التحرّر الأفريقية، والمذابح المرتكبة بدعمٍ مباشر أو غير مباشر من القوى العظمى والوضع المحموم في الكونغو الذي ما زال مستمراً حتى يومنا هذا، هي بعض الجوانب التي تجعل من "موسيقى تصويرية لانقلاب" أحد أعمق الأفلام الوثائقية وأكثرها شمولاً وصدمة في العصر الحديث.(*) رُشّح أخيراً لجائزة أوسكار عن أفضل فيلم وثائقي للعام 2025.