بدا الإعلان عن تأسيس "وزارة دولة لشؤون تكنولوجيا المعلومات والذكاء الاصطناعي"، في وسائل الاعلام اللبنانية وفي أوساط الناشطين، بمثابة افتعال لانجاز لم يدّعِ الرئيس نواف سلام تحقيقه، وجرى تأويل الحدث، علماً أن مرسوم تشكيل الحكومة لم يتضمن حقيبة لـ"التكنولوجيا"، بل "وزارة دولة".
ووزارة الدولة، عُرفاً، هي وزارة استشارية، تواكب الوزارات الأخرى، وتعمل على تطويرها، ولا يمتلك وزيرها مقراً خاصاً، مثل الوزارات الأخرى التي يراجع المواطنون شؤونهم فيها، بل يُخصص مكتب لوزير الدولة في السراي الحكومي، وهو مقر رئاسة مجلس الوزراء.
ويأتي الإعلان عن تخصيص وزارة دولة لـ"شؤون تكنولوجيا المعلومات والذكاء الاصطناعي"، في ظل تحديات كبيرة تواجه قطاع الاتصالات والإنترنت، حيث تعاني البنية التحتية من مشكلات تقنية وبنيوية. وقد أثار هذا المستجد تساؤلات حول مدى جدوى هذه الوزارة وقدرتها على تحقيق تحول رقمي حقيقي في البلاد.
ترضية سياسية
وفي هذا السياق، يقول عبد الغني قطايا، المتخصص في الحقوق الرقمية، في حديثه لـ"المدن": "بالمبدأ العام من المهم أن تنفصل الوزارتان عن بعضهما، الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات مختلفان بعض الشيء. وزارة الاتصالات تُركّز على البنية التحتية، أما تكنولوجيا المعلومات فترتبط بالإستراتيجيات، وبرأيي في هذا الوضع فإنها بمثابة ترضية وذات بعد سياسي، خصوصاً أن الوزير كمال شحادة كان إسمه مطروحاً على وزارة الاتصالات".
ويضيف: "بغضّ النظر عن حيثيات التعيين والمسمّيات، المهم أن يكون هناك عمل جدي ومسؤول لتنظيم وتطوير الاتصالات والانترنت ومواكبة تطوير العصر الرقمي. وللأسف ووفق التجارب السابقة في الحكومات التي مضت، كان هناك وزير قطع اتصالات وليس اتصالات."
البنية التحتية أولاً
رغم الإيجابية التي قد ترافق فكرة استحداث وزارة تُعنى بالذكاء الاصطناعي، فإن الواقع اللبناني يشير إلى تحديات كبيرة يجب معالجتها لضمان نجاح هذه الخطوة. فغياب بنية تحتية متينة، إلى جانب تاريخ طويل من القرارات غير المدروسة في قطاع الاتصالات، يضع هذه الوزارة الجديدة أمام مسؤولية كبرى.
وتعتبر الدكتورة نانسي بدران، مهندسة حلول الحوسبة السحابية في الحكومة الفيدرالية في كندا، أن إنشاء وزارة تُعنى بالذكاء الاصطناعي يعد خطوة إيجابية، لكنها تتطلب معالجة العقبات الأساسية، خصوصاً على مستوى البنية التحتية الرقمية. قطاع متهالك!
ولا يخفي الخبراء أن قطاع الاتصالات متهالك، وغير مهيّئ لتطوير بنية رقمية. وتشير بدران إلى أن الاستثمار في تحسين شبكات الإنترنت يجب أن يكون من أولويات الوزارة الجديدة، موضحة أنه "بدون بنية تحتية قوية ومستقرة للإنترنت، سيكون من الصعب تطبيق وتوسيع تقنيات الذكاء الاصطناعي بكفاءة".
وتوضح أن تحسين شبكات الإنترنت، سواء عبر الاستثمار في الاتصالات العالية السرعة أو تعزيز تغطية الشبكات في المناطق النائية، هو ضرورة أساسية لتوفير بيئة ملائمة للابتكار والتطور الرقمي. وترى أن الوزارة تحتاج إلى خطة مترابطة تجمع بين التكنولوجيا والتحسينات الأساسية في البنية التحتية، مما يُمكّن التقنيات الحديثة من تحقيق أثر ملموس في مجالات مثل الصحة، التعليم، والاقتصاد الرقمي.