تقدّم الحراك الدبلوماسي على وقع استمرار التهديدات الأميركية لإيران، مع وصول وفد قطري إلى طهران والإعلان عن زيارة مرتقبة للرئيس الإيراني مسعود بزشكيان إلى موسكو للقاء الرئيس فلاديمير بوتين. وبينما استبعد الرئيس الأميركي دونالد ترامب توجيه ضربة هذه الليلة، أبقى الخيار العسكري حاضراً في خطابه، بالتوازي مع تأكيد الخارجية الإيرانية استمرار تبادل الرسائل عبر الوسطاء. وفي مضيق هرمز، اتخذت المواجهة الإعلامية والعسكرية شكلاً جديداً مع تحليق قائد القيادة المركزية الأميركية براد كوبر فوق المضيق وإعلان أرقام تراكمية عن عبور السفن والنفط، مقابل تمسك طهران بإجراءاتها ضد السفن التي تصفها بالمخالفة. وتبقى أسعار الطاقة المؤشر الأوضح إلى استمرار القلق، بعدما أقفل برنت عند 116.72 دولاراً، واقترب من مستوى 120 دولاراً الذي تتوقع التحليلات اختباره مع اقتراب الانتخابات الأميركية.
وفي «إسرائيل»، دخلت الحملة الانتخابية أيامها الأخيرة تحت ضغط احتمالات خسارة بنيامين نتنياهو الأكثرية مقابل عدم ضمان خصومه تشكيل حكومة بديلة. واختار نتنياهو تصعيد التخويف من الخطر الإيراني، وصولاً إلى استخدام صورة مولّدة بالذكاء الاصطناعي لانفجار نووي في تل أبيب، بينما يوسع الجيش عملياته في الخليل تحت عنوان تطبيق «نموذج جنين». ويتزامن ذلك مع تأجيل خطوات تتعلق بإدارة قطاع غزة وإعادة إعماره إلى ما بعد الاقتراع، بما يكشف حضور الحسابات الانتخابية في إدارة ملفات الحرب والتسوية.
على المسار الإيراني، قال ترامب إن السؤال أمامه يتعلق بإبرام اتفاق مع طهران أو القضاء عليها، قبل أن يستبعد الهجوم هذه الليلة. وتأتي هذه الصيغة امتداداً للجمع بين التلويح بالقوة والإبقاء على باب التفاوض، فيما نقلت «رويترز» عن مسؤول مطلع وصول وسطاء قطريين إلى طهران ضمن جهود خفض التوتر بالتنسيق مع الولايات المتحدة. ولم تُعلن تفاصيل المقترحات التي يحملها الوفد، لكن توقيت الزيارة يمنحها أهمية في محاولة منع انتقال التهديدات إلى جولة جديدة من المواجهة.
وأكد المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي أن بلاده لم تغادر طاولة المفاوضات، وأن تبادل الرسائل مع واشنطن مستمر عبر الوسطاء، مشدداً على استعداد إيران للدفاع عن أراضيها. وحمّل بقائي المطالب الأميركية الأحادية مسؤولية تعثر المسار الدبلوماسي. وبالتوازي، تفتح زيارة بزشكيان المرتقبة إلى موسكو مجالاً لمتابعة الدور الروسي في البحث عن تسوية، بعدما أصبحت ملفات إيران والطاقة وأوكرانيا متداخلة في حسابات واشنطن وموسكو، وخصوصاً مع حاجة الإدارة الأميركية إلى تخفيف ضغط أسعار الوقود قبيل الانتخابات.
وفي هرمز، أعلنت القيادة المركزية للقوات الأميركية «سنتكوم» أن كوبر حلّق فوق الممر المائي بمروحية عسكرية، وقالت إن قواته ساعدت على تصدير أكثر من 1.5 مليار برميل من النفط منذ الصيف، وعلى عبور أكثر من ثلاثة آلاف سفينة تجارية خلال ستة أشهر. وأضافت أن أكثر من 95% من السفن التي أبحرت عبر المضيق عبرت بسلام، وأن المسارات الرئيسية خالية من الألغام. وقدمت القيادة الأميركية هذه الأرقام باعتبارها دليلاً على قدرتها وشركائها على تأمين الملاحة.
لكن الأرقام التراكمية تترك السؤال الأساسي مفتوحاً حول حجم التدفق اليومي قياساً إلى ما قبل الحرب، كما أن نسبة السفن التي عبرت بسلام تتعلق بالسفن التي أبحرت فعلاً، ولا تكشف حجم الحركة التي امتنعت عن العبور. وفي المقابل، نقلت وكالة «فارس» عن مسؤول مقرّب من بحرية الحرس الثوري إعلان استهداف ناقلات وتدمير منظومات ملاحة مساعدة، والتحذير من إجراءات أشد ضد السفن التي تخالف القواعد الإيرانية. وقال بقائي إن المضيق غير آمن بسبب استمرار استخدام المنطقة في العمليات الأميركية والإسرائيلية ضد إيران.
وتمنح حركة النفط وزناً عملياً لهذه المواجهة، بعدما سجل برنت ارتفاعاً بنسبة 3.14% يوم الجمعة، منهياً الأسبوع عند 116.72 دولاراً، بمكاسب أسبوعية تقارب 6%. ويتوقع محمد عمران، محلل «ميراي أسِت شيرخان»، اختبار العقود الآجلة مستوى 120 دولاراً في المدى القريب مع ارتفاع التقلبات قبيل الانتخابات الأميركية، وفق تحليل نشرته «بزنس ستاندرد». كما رجّح فؤاد رزاق زاده، محلل «ستون إكس» و«فوركس دوت كوم»، لـ«ماركت ووتش» استمرار تداول برنت ضمن نطاق 110–120 دولاراً. وهكذا تتحول التهديدات العسكرية إلى كلفة محتملة على الناخب الأميركي، فيما لا تكفي السحوبات من الاحتياطيات وشحنات الديزل الروسية وحدها لاستعادة الثقة بأمن الإمدادات.
إسرائيلياً، أثارت الصورة الدعائية لانفجار نووي في تل أبيب هجوماً من غادي آيزنكوت ويائير غولان، اللذين اتهما نتنياهو ببث الذعر قبيل الانتخابات. ويعكس اللجوء إلى هذا الخطاب محاولة جعل الخوف من الخارج أولوية تتقدم على المحاسبة عن إخفاقات السابع من أكتوبر وكلفة الحروب والعزلة الاقتصادية. ويتزامن ذلك مع تنافس حاد على الأصوات المترددة، وحشد عربي يسعى إلى منع تجديد الأكثرية لنتنياهو وحلفائه، وسط استمرار الخلاف داخل المعارضة حول العلاقة بالأحزاب العربية.
وفي الخليل، أعلن نتنياهو ووزير الأمن يسرائيل كاتس اعتزام تطبيق «نموذج جنين»، بما يتضمن إخلاء السكان وتفتيش المنازل وتدمير البنى التحتية. واتهم رئيس بلدية الخليل الحكومة باستغلال العملية العسكرية لكسب أصوات المستوطنين، فيما تقرر إغلاق الضفة يوم الانتخابات. وتضع هذه الإجراءات الفلسطينيين أمام محاولة تحويل الاقتراع الإسرائيلي إلى مناسبة لفرض وقائع جديدة بالقوة، وتوسيع مساحة التهجير والتدمير التي شهدتها مخيمات شمال الضفة.
أما في غزة، فنقلت هيئة البث الإسرائيلية خبر تأجيل خطوات أمنية وإدارية إلى ما بعد الانتخابات، بما يشمل سفر نحو سبعة آلاف فلسطيني إلى مصر للتدرب ضمن قوة شرطة، ودخول قوة الاستقرار الدولية ولجنة إدارة القطاع. وبذلك تتجاور في حملة نتنياهو رسالتان، تعظيم التهديدات لتعبئة الجمهور، وتأخير ترتيبات قد تستفز حلفاءه في اليمين المتطرف وتكشف حدود الشعارات التي يرفعها.
وفي اليمن والسعودية، استمر الضغط على المطارات والمنشآت، مع تجديد صنعاء التحذير من استخدام مطار الرياض، فيما أفادت «أسوشيتد برس» بإعادة فتح صالتين في مطار الملك خالد وإصابة شخصين بشظايا اعتراض هجمات.
ليست المنطقة أمام أسبوع انتخابي عادي، بل أمام مرحلة تتقاطع فيها الحسابات السياسية مع الاستعدادات العسكرية، فيما يبقى احتمال تجدد الحرب على إيران عاملًا ضاغطًا على مجمل المشهد الإقليمي، من واشنطن وتل أبيب إلى بيروت.
فبين الانتخابات الإسرائيلية والانتخابات النصفية الأميركية، تتزايد المؤشرات إلى أن المرحلة المقبلة قد تحمل تحولات تتجاوز نتائج صناديق الاقتراع، خصوصًا في ظل تلويح بنيامين نتنياهو بردود قاسية على أي هجوم إيراني، وإعلان الجيش الإسرائيلي مناورات عسكرية على الحدود مع لبنان وفي مناطق أخرى، في توقيت يطرح تساؤلات عن طبيعة الرسائل التي تريد «إسرائيل» توجيهها، وعن حدود الاستعداد لسيناريو مواجهة جديدة.
إلى ذلك فإن حزب الله اليوم أمام معادلة دقيقة، تتقاطع فيها حساباته مع الواقع اللبناني وكلفة أي حرب إسرائيلية جديدة. وفي هذا السياق، تبرز معطيات سياسية توحي بأن قرار الانخراط في مواجهة محتملة على خلفية حرب أميركية إسرائيلية على إيران ليس محسومًا، وأن الحزب قد يكون أمام خيارات مختلفة عن تلك التي تفترض تلقائيًا انتقال أي مواجهة مع طهران إلى الجبهة اللبنانية.
ووفق المعلومات، فإن اللقاء الذي جمع رئيس كتلة الوفاء للمقاومة النائب محمد رعد برئيس الوزراء القطري تناول مجمل الأوضاع الإقليمية واللبنانية، بما في ذلك موقف حزب الله من احتمال اندلاع حرب أميركية إسرائيلية على إيران. وفي السياق نفسه، تكتسب المواقف التي نُقلت خلال زيارة مساعد وزير الخارجية الإيراني سعيد زادة إلى لبنان دلالات مهمة، إذ تفيد المعلومات بأن المعنيين سمعوا أن إيران ليست بحاجة إلى إسناد من أحد، وهو ما يفتح الباب أمام قراءة مفادها أن طهران قد لا تكون في وارد طلب تدخل حلفائها عسكريًا في حال تعرّضها لحرب جديدة، وسط معطيات تشير أيضًا إلى وجود مسعى أميركي لتفادي توسيع الحرب إلى لبنان، بما يسمح بحصر المواجهة، إذا اندلعت، ضمن نطاق جغرافي محدد.
وفي وقت حذّر فيه رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو من احتمال شنّ إيران وحلفائها هجمات للتأثير في الانتخابات الإسرائيلية، متوعدًا بردّ «قاسٍ جدًا» و«غير متناسب»، أعلن جيش الاحتلال الإسرائيلي تنفيذ مناورات عسكرية تشمل الحدود مع لبنان ومناطق في وسط «إسرائيل» والضفة الغربية، في إطار رفع الجهوزية وتحسين القدرات العملياتية وتطبيق الدروس المستخلصة من الحرب.
وتكتسب هذه المناورات أهمية إضافية في ظل ما يرافقها من تحركات للقوات والطائرات والآليات العسكرية في منطقتَي القيادة الشمالية والوسطى، وإن كان جيش الاحتلال الإسرائيلي يؤكد أن التدريبات لا يُتوقع أن تؤدي إلى أي حادث أمني.
على خط آخر، أكد رئيس الجمهورية جوزاف عون أن «التجارب أثبتت أن الانقسام لا يحمي أحداً وأن إضعاف الدولة لا يحمي أي مكون»، مضيفاً أن «مسؤوليتنا اليوم بأن نتعلم من تجارب الماضي وأن نضع مصلحة لبنان فوق الحسابات الضيقة وأن نعمل على تحصين وحدتنا الوطنية لا بالشعارات وحدها إنما بالممارسة والحقوق والواجبات». وقال يوم السبت في اختتام زيارته إلى طرابلس خلال مؤتمر صحافي في معرض رشيد كرامي الدولي إنّ «الدولة المستقرّة تقوم على مركزيّة السلاح بيد جيشها ومسؤوليتنا تقتضي أن نعيد الاعتبار إلى الإنتاج».
إلى ذلك حملت زيارة قائد الجيش العماد رودولف هيكل إلى بريطانيا ولقاءاته مع المسؤولين العسكريين والأمنيين، إلى جانب مشاركته في اجتماع مجموعة «Dragon Group»، أهمية تتصل بدعم المؤسسة العسكرية والبحث في التحديات الأمنية الإقليمية، فضلًا عن مستقبل الترتيبات الأمنية في الجنوب بعد انتهاء مهمة «اليونيفيل». وهي تحركات تعكس استمرار البحث الدولي في كيفية الحفاظ على الاستقرار اللبناني، في مرحلة تتزايد فيها الأسئلة حول الجهة التي ستتولى المسؤوليات الأمنية على الأرض.