شحنة المتفجّرات المضبوطة في ضهر البيدر، التي عرضت «الجمهورية» تفاصيلها في عددها الصادر أمس، أخذت تتفاعل على أكثر من صعيد سياسي وأمني، وذلك بالتزامن مع إعلان الجيش اللبناني، أنّ وحداته تمكّنت «في منطقة القصر – الهرمل، أمس، من ضبط نحو 200 كيلوغرام من المواد المتفجّرة (C-4)، كانت معدّة للتهريب من سوريا إلى لبنان، وقد سُلّمت المواد المضبوطة إلى الجهات المختصة، فيما فرّ المتورّطون إلى داخل الأراضي السورية، وتجري المتابعات والتنسيق لتوقيفهم».
وفيما أجمعت التقديرات على وصف شحنة ضهر البيدر بـ»شحنة مشبوهة حُرّكت في توقيت مشبوه»، وطافت في الأجواء الداخلية تساؤلات حول الغاية منها، ووجهة استخدامها واستهدافاتها، وسط مخاوف من نوايا كامنة خلفها لإرباك الداخل والمسّ بالاستقرار العام.
وحول هذه الشحنة، أكّد رئيس الحكومة نواف سلام «أنّ لا تساهل ولا تغاضٍ، بل الحقيقة والمحاسبة». مشيراً إلى أنّه «بات معلوماً أنّه تمّ قبل أيام، توقيف شاحنة في ضهر البيدر متوجّهة من البقاع إلى منطقة بيروت الكبرى، تحتوي على مئات الكيلوغرامات من المواد المتفجّرة، بما فيها مادّة الـC-4 الشديدة الانفجار».
وتوجّه سلام «بالتحية إلى القوى الأمنية التي أوقفت الشاحنة المشبوهة، وضبطت المواد المتفجّرة التي كانت محمَّلة فيها، وأحالت سائقيها إلى الجهات المختصة للتحقيق معهم»، لافتاً إلى «أنني أتفهّم القلق الذي ينتاب اللبنانيّين من انتشار خبر توقيف هذه الشاحنة، وما كانت تنقله من مواد، لا سيما أنّ مادة الـC-4، جرى استخدامها في عدد من عمليات الاغتيال السياسي السيّئة الذكر في تاريخ لبنان الحديث».
وأكّد: «إنني من موقعي كرئيس للحكومة، أطلب من اللبنانيّين جميعاً أن يكونوا على ثقة بأننا لن نتهاون في متابعة التحقيق والتوسع فيه، للوصول إلى تحديد هوية كل المتورّطين في هذه العملية الإجرامية، ومَن وراءهم، والكشف عن مخططاتهم وأهدافهم، وتحويلهم جميعاً إلى القضاء لينالوا العقاب الذي يستحقون».
وختم قائلاً: «كونوا على ثقة أيضاً، أنّ حكومتنا لن تتهاون مع كل مَن تسوِّل له نفسه العبث بأمن البلاد وسلامتها واستقرارها، كما أنّها ستتعامل بالحزم المطلوب مع أي سلاح خارج إطار الشّرعية، حيازةً ونقلاً واستخداماً».
«حزب الله»
وفيما أشارت التحقيقات إلى أنّ الموقوفين ينتميان إلى «حزب الله»، برز ما بدا أنّه تأكيد غير مباشر من قِبل الحزب لعلاقته بشحنة ضهر البيدر، عبَّر عنه عنه عضو كتلة «الوفاء للمقاومة» النائب ابراهيم الموسوي، مقراً في تصريح: «إذا صحّ الكلام بأنّ السيارة تعود إلى المقاومة، فليعرف الجميع بأنّ المقاومة لا تستحي ولا تخجل. ولا يحاول أحد التهديد وإطلاق كلام غير مقبول وإلصاق اتهامات والتلميح إلى علاقة باغتيالات أو غيرها. إنّ تاريخ المقاومة واضح وناصع ومشرّف، وهي لم تدخل في حرب أهلية أو توظِّف قوّتها في صراعات ومشكلات داخلية، فالمقاومة تدرك أنّ قوّة لبنان تكمن في حصانته ووحدته الداخلية ومنع الانزلاق إلى الفتنة».
ضغط أميركي
ويبرز في هذا السياق، تحذير متجدِّد من قِبل الولايات المتحدة من «محاولات «حزب الله» لزعزعة الاستقرار في لبنان».
ونُقل عن مسؤول أميركي قوله، إنّ «واشنطن تقف بقوّة إلى جانب حكومة لبنان في جهودها الرامية إلى تأكيد سلطة الدولة على كامل أراضيها، ورفع التهديد الذي يشكّله سلاح «حزب الله» على اللبنانيّين قبل غيرهم في المنطقة». وأضاف: «سلاح الحزب يشكّل عامل توتر دائم يهدِّد الاستقرار في لبنان، ويشكّل العائق الأساس أمام إعادة نهوضه، بالتالي فإنّ نزعه بات ضرورة ملحّة وعاجلة، وواشنطن تدعم بقوّة إدارة الرئيس عون وحكومته، وأي قرار أو أي خطوة تُتخذ في هذا الشأن، ولن تتأخّر في توفير ما تتطلّبه الدولة اللبنانية من دعم لإعادة لبنان إلى سابق عهده، ينعم بالرخاء وازدهار، اللذَين يشكّلان النقيض لهدف «حزب الله» وأجندته الإيرانية».
وبحسب المسؤول عينه، فإنّ «حزب الله» بات يواجه عزلة في لبنان، وعلى مستوى هيكليته، بات يواجه وضعاً خانقاً وصعوبة شديدة في توفير قدرات الاستمرار، على غرار ما كان عليه حاله بعد تلقّيه الضربات العسكرية الإسرائيلية المتتالية، وما جرّت عليه من خسائر بشرية هائلة بآلاف القتلى في صفوفه، بالإضافة إلى الضغوط المالية والانسداد شبه الكامل لطرق تهريب الأموال إليه، والتي صارت أكثر تشدّداً في الآونة الأخيرة»، ووفق ما يُنقَل عنه، لم يستبعد المسؤول الأميركي مبادرة الولايات المتحدة إلى تصعيد ضغطها على «حزب الله»، واتخاذ إجراءات عقابية أكثر صرامة للتضييق عليه أكثر فأكثر، وحتى توسيع دائرة العقوبات لتشمل كافة الجهات الحليفة والصديقة أو القريبة من «حزب الله»، وكذلك على الإطارات أو الشبكات الاجتماعية التي بات الحزب يلوذ إليها لمساعدته على تخفيف أعبائه والحفاظ على حضوره داخل البيئة الشيعية والمؤسسات اللبنانية.
أحداث مثيرة
في السياق الأمني، وفي موازاة الاعتداءات الإسرائيلية المتواصة في منطقة الجنوب، تصدّرت المتابعة في اليومَين الأخيرَين أحداث مثيرة للقلق مصدرها إسرائيل، وتجلّت في إعلان الجيش الإسرائيلي عن حدثَين أمنيَّين مجهولَين على جبهة لبنان: الأول يوم أمس الأول، بالحديث عن جسم مجهول لم تُعرَف هويّته، تسلّل من لبنان إلى أجواء مستوطنات الشمال، والثاني يوم أمس، إذ أعلن الإعلام العبري عن سقوط قتيل وإصابة نحو 12 شخصاً، بينهم طلاب ومعلمون، جراء انفجار وقع في منطقة مفتوحة بالقرب من مستوطنة «نوات مردخي» في منطقة إصبع الجليل. وتشير التحقيقات إلى وجود شبهة بأنّ الانفجار ناتج من قنبلة قديمة. وإنّ ملابسات الحادث تخضع للتحقيق، وقد أعلن الجيش الإسرائيلي عن حادث صعب بسبب عدد الضحايا.
وفي وقت لاحق، أعلن الجيش الإسرائيلي أنّ «التحقيقات أفضت إلى أنّ التفجير ناجم عن قنبلة عنقودية تابعة لـ«حزب الله» بقيت في المنطقة وانفجرت».
مخاوف
تتزامن هذه التطوُّرات، مع منسوب عالٍ من المخاوف، يطغى على الداخل اللبناني، من التوترات المتصاعدة في المنطقة، وما يرافقها من تكهّنات مقلقة تغلّب احتمال انحدار المنطقة إلى تصعيد عسكري خطير يبدأ من إيران، وقد لا ينتهي بجبهة لبنان، ويدرجه الإعلام العبري في خانة الأولوية بالنسبة إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في هذه المرحلة، وكمساحة استثمارية الأكثر ملاءمة في معركته الانتخابية، إذ يشكّل عملاً عسكرياً جديداً ضدّ لبنان، أحد أكثر الخيارات قرباً إلى الواقع، التي يدرس القيام بها عشية انتخابات 27 تشرين الأول.
هذه التطوّرات كما يبدو جلياً، تسقط على واقع لبناني يعاني رخاوة في الميزان السياسي، وهشاشة فاقعة وإرباكاً مزمناً في شتى مفاصله، وهذا الوضع لم يستثنِ الحكومة التي تعاني بدورها من بطء الأداء وكثرة التنظير، فيما هي تقف أمام مجموعة ملفات متراكمة مستعصية على العلاجات، توجب على مكوّناتها تحقيق القدر الأعلى من التعاون والتضامن لتحصينها، وتفعيل المقاربات وإنتاج الحلول والعلاجات، وخصوصاً للملفات الاجتماعية والخدماتية التي يتصدّرها ملف الكهرباء، بالإضافة إلى كبح الانهيار الاقتصادي والمالي وفلتان الأسعار والغلاء، والأهم ردع أيّ محاولة للاستثمار على الملفات الداخلية للإخلال بالوضع الداخلي وإشاعة جو من عدم الاستقرار – وبعض القطاعات بدأت بالتلويح بحراكات واحتجاجات تصعيدية. وبالأمس حذّر رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون بصورة واضحة، من «محاولة تسييس المطالب الحياتية والاجتماعية المحقة، التي يفترض على الحكومة ألّا تتجاهلها بل تضعها في رأس قائمة أولوياتها».
المفاوضات
وفي سياق متصل، وعلى خط المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل، فحتى الآن لم يبرز في الداخل أي معطى يؤكّد انعقاد جولة مفاوضات جديدة في الولايات المتحدة كما تردَّد، خلال هذا الشهر، كما لم تلحظ أيّ استعدادات من جانب الوفد اللبناني، سواء على المستوى السياسي أو العسكري. وعلى ما يقول مصدر مواكب لمسار المفاوضات رداً على سؤال لـ«الجمهورية»: «طالما لم يُحسم موعد جولة المفاوضات، فلا جولة حتى الآن. أغلب الظن أنّ الجانبَين الأميركي والإسرائيلي منصرفان إلى أولوياتهما الانتخابية، وتبعاً لذلك، فإنّ التقدير الأقرب إلى الواقع هو أنّ جولة المفاوضات المحكي عنها، رُحّلت تلقائياً إلى ما بعد الانتخابات الإسرائيلية المقرّرة في 27 تشرين الأول، والانتخابات النصفية في الولايات المتحدة المقرّرة في الأسبوع الأول من تشرين الثاني المقبل. لكن لا شيء يضمن انعقادها في القريب العاجل، فالموعد قد يتقدّم أو يتأخّر بعد تبلور نتائج الانتخابات والمسارات التي سترسمها».
مصير الجنوب
وعلى خط «اليونيفيل»، أبلغت مصادر أممية إلى «الجمهورية»، أنّ قوات حفظ السلام الدولية بدأت استعداداتها الإدارية واللوجستية للمغادرة من جنوب لبنان، مبدياً «قلقاً كبيراً على الوضع في منطقة انتشارها بعد خلوها من القبعات الزرق».
وحول هذا الموضوع، أبلغ مرجع كبير إلى «الجمهورية» قوله «إنّ لبنان برمّته مقبل على واقع خطير جداً بعد انتهاء مهمّة «اليونيفيل» بعد نحو شهر ونصف، وأخشى أن تكون خريطته الجغرافية مهدّدة بخطر كبير في جزئها الجنوبي».
وأضاف: «الجنوب بعد «اليونيفيل» ومن دون بديل يملأ فراغ هذه القوات، يعني جنوب بلا غطاء دولي، وتمّ إخراجه عنوة من مفاعيل ومندرجات القرار 1701، وبالتالي يصبح مشرَّعاً بالكامل بل يصبح مستباحاً أمام إسرائيل، مصيره مجهول مرتبط بما تضمره من مخططات حياله، ويعبَّر عنها بمطالبات متتالية من جهات ومستويات إسرائيلية بتوسيع ما يعتبرونها حدود إسرائيل حتى الليطاني».
وأكّد المرجع عينه «أنّ القلق، بل إنّ الخوف، مشترك، سواء بين كل المستويات الرسمية والسياسية الداخلية، وكثير من الدول الصديقة للبنان ولاسيما تلك التي تشارك بوحدات ضمن «اليونيفيل»، تتهيّب مغادرة «اليونيفيل» جنوب لبنان. وعدم توفّر البديل لـ«اليونيفيل» من شأنه أن يؤدّي إلى فراغ أمني، يكرّس واقع الاحتلال الإسرائيلي لمنطقة جنوب لبنان لمديات بعيدة للمنطقة، والإطاحة الكاملة بالقرار 1701، وأكثر من ذلك، يعزّز المخاوف الكبرى على مصير الجنوب مستقبلاً لا بل على هويّته، وخصوصاً أنّ إسرائيل لا تتورّع عن القيام بأي خطوة، وبعض الأصوات فيها بدأت تنادي بإسقاط نموذج الجولان السوري على منطقة جنوب الليطاني».
بعثة دعم أوروبية
إلى ذلك، رحّب رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون بقرار وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي، القاضي بإنشاء بعثة دعم جديدة في لبنان تتولّى تقديم المشورة والمساندة للجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي لمدة 3 سنوات. واعتبر عون القرار بأنّه «يعبّر عن التزام أوروبي ثابت بأمن لبنان واستقراره، وعن ثقة بالجيش وقوى الأمن الداخلي بوصفهما الجهتَين الشرعيتَين المولجتَين حماية الوطن والمواطنين إلى جانب القوى الأمنية الشرعية الأخرى»، وأكّد «أنّ هذه البعثة، بما توفّره من خبرة وتدريب ومشورة، ستسهم في تعزيز قدرات مؤسساتنا الشرعية، وفي بسط سلطة الدولة على كامل أراضيها وضبط حدودها، بما ينسجم مع قرارات الحكومة اللبنانية وخطابها الرسمي في حصر السلاح بيد القوى الشرعية».
وختم عون بالقول: «إننا إذ نشكر الاتحاد الأوروبي ودوله الأعضاء على هذه الخطوة، نؤكّد أنّ لبنان سيوفّر كل التعاون اللازم لإنجاح عمل البعثة، وأنّ هذا الدعم يشكّل ركيزة إضافية في مسار تثبيت الاستقرار وتعزيز دور المؤسسات الشرعية، وهو ما نعوّل عليه، بهدف استمرار الشراكة مع أصدقاء لبنان».