أبقت «ستاندرد أند بورز»، في تقريرها الصادر في 14 آب 2026، تصنيف لبنان بالعملة الأجنبية عند مستوى التعثّر الانتقائي «SD»، وتصنيفه الطويل الأجل بالليرة اللبنانية عند «CCC+»، مع نظرة مستقرة. فماذا تعني هذه الأرقام؟ وماذا عن المشهد المالي والنقدي؟ وكيف سيكون الوضع في المستقبل؟ وهل هناك خوف من انهيار سعر الصرف في ظل التحديات الأمنية والمالية؟
في هذا الإطار، يقول أستاذ الاقتصاد في الجامعة اللبنانية والخبير الاقتصادي البروفسور جاسم عجاقة، في حديث لـ«صوت بيروت إنترناشونال»:
«التعثّر الانتقائي (Selective Default) بالعملة الصعبة يعني أن الدولة متوقفة رسميًا عن دفع ديونها، باستثناء بعض الديون التي نسميها الديون الثنائية (Bilateral) والديون متعددة الأطراف (Multilateral). وهي، بالمبدأ، ديون متبقية من باريس 1 وباريس 2، وكان يبلغ حجمها بحدود مليارين إلى ثلاثة مليارات دولار، ولا تزال تُدفع عليها، بينما سندات اليوروبوندز متوقفة عن الدفع».
ويشرح عجاقة معنى ذلك ببساطة، قائلاً إن لبنان معزول عن أسواق المال العالمية، ولا يمكنه إصدار أي ديون خارجية أو سندات خزينة جديدة يحصل من خلالها على عملة صعبة، لافتًا إلى أن هذا الأمر يستلزم عقد اتفاق مع صندوق النقد الدولي وإجراء إصلاحات تقبل الأسواق بموجبها التعامل معه.
أما بالنسبة إلى التصنيف بالعملة المحلية، عند درجة «CCC+» مع نظرة مستقرة، فيوضح عجاقة أن معنى ذلك ببساطة أنه في حال الاقتراض بالليرة اللبنانية، فعلى الرغم من أن المخاطر عالية، فإن الدولة قادرة على الوفاء بالتزاماتها.
ويشير إلى أن الإشكالية تكمن في أن الفائض المالي الظاهر ناتج عن انكماش في الإنفاق، إذ خفضت الدولة الإنفاق الاستثماري، وشهدت ضعفًا في الإنفاق التشغيلي، كما حُصّلت بعض الضرائب بالدولار الفريش (Fresh Dollar)، معتبرًا أن هذا ليس نتاج نمو مستدام.
ويرى عجاقة أن ربط تصنيف «CCC+» بتحسن ظاهري في المالية العامة ليس موفقًا كثيرًا، لسبب بسيط، وهو أن هذا الفائض وهمي، وناتج عن التخلف عن سداد الالتزامات؛ فالإدارة لا تدفع فوائد على الدين منذ عام 2020، حين أعلنت التعثر عن الدفع.
ويؤكد أن هذا الوضع لا يُعد ضبطًا للمالية العامة، لا سيما أن أجور القطاع العام متدنية جدًا، وما يحدث هو انحلال وظيفي وليس ضبطًا للمالية، لافتًا إلى أن مؤسسة «ستاندرد أند بورز» قد أغفلت هذه النقطة.
ويضيف أن الدين بالليرة اللبنانية كان يشكل أكثر من 55% من الدين العام قبل الأزمة، وما فعلته الدولة لكي لا تسدد هذا الدين هو اتخاذ قرار بالتعثر، بحيث إنها لو أرادت سداده وفق سعر الصرف الحالي، فلن يكلفها شيئًا، مؤكدًا أن هذا مساس بأموال المودعين.
وفيما يتعلق بتشخيص المشهد المالي والنقدي في الوقت الحالي وفي المرحلة المقبلة، يشير عجاقة إلى أن استراتيجية مصرف لبنان المعتمدة على امتصاص السيولة بالليرة اللبنانية من السوق وشراء الدولارات منه، بالتوازي مع دولرة شاملة للاقتصاد، هي ما يحافظ على استقرار سعر الصرف إلى حد معين.
ويتوقع مستقبلًا، إذا استمر هذا الجمود السياسي والاقتصادي، إذ لا نزال في مكاننا سياسيًا وأمنيًا، فضلًا عن التأخير الكبير اقتصاديًا في إعادة هيكلة القطاع المصرفي ومعالجة أزمة الفجوة المالية، أن يبقى الاقتصاد اللبناني اقتصادًا نقديًا بحتًا ينطوي على مخاطر عالية جدًا، مؤكدًا أنه لا يمكن لأي اقتصاد أن ينمو بالاعتماد على الاقتصاد النقدي.
وفي موضوع سعر الصرف، أكد عجاقة أن استقرار سعر الصرف هو استقرار وهمي ناتج عن آلية سحب الليرة ودولرة الاقتصاد، مما يعني أن الليرة لم تعد تخدم النشاط الاقتصادي. وبالتالي، فهذا ليس استقرارًا نقديًا صحيًا، بل هو وليد الشلل الاقتصادي والدولرة.
وتحدث عن تقاطع بين عوامل تمنع انهيار سعر الصرف وأخرى تغذي الهزات النقدية.
وتتمثل العوامل الحامية لسعر الصرف في تجفيف السيولة بالليرة، واعتماد الدولرة، واستمرار تدفقات وتحويلات المغتربين. وفي المقابل، تكمن العوامل المحفزة للأزمة في التصعيد الأمني، واستنزاف احتياطيات مصرف لبنان، وطباعة الليرة لتغطية العجز.
ويقول عجاقة إن الصدمات الأمنية المحتملة، سواء أكانت مع إسرائيل أم على مستوى الإقليم بين إيران والولايات المتحدة، تشكل المخاوف الكبرى، إذ ستؤدي إلى تراجع عائدات القطاع السياحي وانخفاض تحويلات المغتربين، مما يقلص الكتلة النقدية بالدولار في السوق.
علاوة على ذلك، يبرز تساؤل حول قدرة المصرف المركزي، في حال اضطرار الحكومة إلى الاقتراض منه أو زيادة الرواتب تحت ضغط الشارع، مما سينتج عنه تمويل العجز عبر ضخ الليرة واهتزاز سعر الصرف.
ويرى عجاقة أن الإشكالية الكبرى تتجلى في إغفال مخاطر «اقتصاد الكاش»، الذي يعد رأس المشكلات، إذ لا يمكن الحديث عن استقرار نقدي في ظل وجود اقتصاد نقدي خارج عن سيطرة مصرف لبنان، فضلًا عما يسببه ذلك من مشكلات مع مجموعة العمل المالي الدولية (FATF).
ويخشى عجاقة أنه في حال حدوث أي صدمة أمنية أو سياسية، فإن المصرف المركزي، الذي يفتقر إلى الأدوات النقدية التقليدية، كأسعار الفائدة وسوق السندات والاحتياطيات المرتفعة، لن يتمكن من الدفاع عن الليرة، مما يؤكد أن الاستقرار النقدي الحالي هو استقرار مصطنع وليس وليد اقتصاد قوي.
ويخلص عجاقة إلى القول: «إن ما قرأته في تقرير وكالة “ستاندرد أند بورز” ليس مجرد تقييم روتيني للبنان، بل وجدته أشبه بإعلان إفلاسٍ معلّق. أما التباهي بأن موازنة الدولة مضبوطة، فهو أمر غير دقيق، فالخدمات العامة تشهد انهيارًا متواصلًا، وأموال المودعين لا تزال محتجزة.
وبالتالي، فإن القول بوجود ضبط للمالية العامة أو سيطرة عليها لا يعكس الواقع الحقيقي، بل هو مغالطة محاسبية تؤكد أن الدولة لا تزال فاقدة للسيطرة على الأوضاع».
The post جاسم عجاقة لصوت بيروت: تصنيف "ستاندرد أند بورز" للبنان أشبه بإعلان إفلاسٍ معلّق appeared first on صوت بيروت إنترناشونال.