








كتبت اوديت همدر
متنقّلًا بين أحياء زغرتا القديمة وشوارعها العتيقة، يشعر الزغرتاوي وكأن حجارة البيوت تحتضنه من كل الجهات، وتحكي له قصصًا من زمن لا يزال حيًّا في الذاكرة. وبين حيّ وآخر، تستيقظ ذكريات الطفولة والجيرة، ووجوه الأصدقاء والأقارب الذين صنعوا ملامح تلك الأيام.

في أقدم أحياء زغرتا، لا تزال البيوت تحتفظ بهويتها رغم ما أضفاه الترميم، الذي جاء بمبادرات محلية، من رونق وتجديد. لكن يبقى السؤال: كيف يرى أبناء زغرتا اليوم هذه الأحياء وكيف تبدّلت تفاصيل الحياة فيها، من العلاقات الاجتماعية وأسلوب العيش إلى شكل الأبنية وطابعها وهل لا تزال تنبض بروح الماضي؟
لم تكن زغرتا في بداياتها سوى مساحة صغيرة تنبض بالحياة حول كنيسة السيدة، ومنها تشكّلت الأحياء القديمة التي راحت تكبر وتتوسّع مع تكاثر السكان. ويشير الباحث روي عريجي إلى أنه مع منتصف القرن التاسع عشر، أصبح شارع الساحة الممتد من السراي حتى كنيسة السيدة السوق الرئيسي للبلدة، فتحولت زغرتا إلى “بندر” تجاري يقصده الناس. وكانت المحال التجارية والمستودعات تجمع بين العمل والسكن، فخُصّص جزء منها للبيت، فيما اتخذ الجزء المطل على الشارع طابعًا تجاريًا.

ومع الوقت، ولا سيما خلال فترة الانتداب الفرنسي، قُسّمت زغرتا إلى خمسة أحياء رئيسية: حيّ الصليب الجنوبي، حيّ الصليب الشمالي، حيّ السيدة الغربي، حيّ السيدة الشرقي، وحيّ المعاصر.
ويضيف عربجي أن زغرتا التي عرفها الأجداد ليست هي نفسها اليوم، فقد تغيّرت ملامحها مع الزمن وتبدلت الحركة التجارية، فيما غادرت كثير من العائلات منازلها إلى طرابلس بعد الاحداث العائلية، وفرغت بعض الحارات من أهلها. وبعد حرب السنتين، شهدت زغرتا مرحلة جديدة من التوسع، لتأتي سنوات 1979 و1980 مع افتتاح الشارع الجديد الذي رسم ملامح أسواق وحارات جديدة.

ويعتبر أنّ أكثر ما يحنّ إليه أبناء زغرتا اليوم هو تلك التفاصيل الصغيرة التي صنعت روح المكان. ففي الماضي، كانت البيوت متلاصقة إلى حدّ تبدو وكأنها بيت واحد، إذ كان الجار يكرّم جاره بعدم إقامة حائط جديد يفصل بينهما. وكانت الساحة أشبه بسطح كبير يجمع الجميع، فيما كانت الحياة اليومية تقوم على المشاركة والتكافل. ففي زمن الصوم مثلا لم تكن كل العائلات تحضّر الطبق نفسه، بل كانت مائدة الحارة الواحدة تضم مختلف المأكولات التي يتشاركها الجميع. وكانت النساء يجتمعن لغسل الثياب، ويتشاركن العجن والخَبز الذي كان يفوح عبقه من البيوت والأفران القديمة. ومع ضيق المساحات، بدأ كثيرون بترك هذه البيوت الصغيرة والانتقال إلى منازل أكثر اتساعا. كما شهدت الأحياء القديمة تغيرًا مع استئجار عدد من النازحين السوريين منازل فيها، قبل أن تعود الحركة إليها تدريجيا مع ترميم عدد من البيوت ومغادرة بعض المستأجرين.

ورغم كل ما تبدّل، لا تزال هذه الحارات تحافظ على سحرها، فهي تستقطب طلاب الجامعات والباحثين لما تختزنه من جمال معماري وتاريخ غني. إلا أنها تواجه تحديات عدة، أبرزها إفراغ المنازل من سكانها الأصليين، وصعوبة إقامة مشاريع سكنية حديثة فيها بسبب تلاصق البيوت وتعدد الورثة في المنزل الواحد.
ويشير الى ان الرهان اليوم على إعادة إحياء هذه الأحياء القديمة، ليس بتغيير هويتها، بل بالحفاظ عليها وتنشيط حركتها التجارية والسياحية، لتبقى شاهدة على ذاكرة زغرتا وروحها التي لم تغب رغم كل التحولات.
كل من يأتي ليزور أحياء زغرتا القديمة يشعر وكأنه يملك الكثير، وكل من يعود إليها يأتي مشتاقًا، مفعمًا بالحنين”. بهذه الكلمات يعبّر سركيس عبود، الذي لاي زال يعيش في هذا الحي مع زوجته ووالدته، فيما يحرص أشقاؤه على زيارته يوميا، إذ لا يكتمل يومهم من دون المرور به.
يصف سركيس هذه الأحياء بكلمات نابعة من القلب، وكأنه يتمنى أن يعود إليها كل مغترب وكل من ترك الحارة، إلى هذا المكان الذي لا يزال يشكّل مصدرا للأمان والانتماء بالنسبة إليه.
ويقول “إنّ الترميم جمّل الأحياء. كانت البيوت في الماضي مؤلفة من طابق واحد، أما اليوم فنرى بيوتًا من طابقين أو أكثر، لكن الرمز لايزال موجودًا دائمًا. زغرتا القديمة بدأت من هذه الأحياء منذ أيام يوسف بك كرم، وعاشت فيها كل العائلات الزغرتاوية. كان الجار للجار، وكانت الألفة والمحبة تجمع الجميع، ولم يكن ينقصنا أي شيء. كانت المدارس موجودة، وأولها مدرسة مار يوسف الرسمية، إضافة إلى كنيسة السيدة، والدكاكين والأفران والسوق، ولم نحتج يوما إلى شيء”.
ويضيف “حصلت بعض الأحداث العائلية، لكن الأمور بدأت تعود نوعًا ما إلى ما كانت عليه في السابق، ونرى اليوم حركة جميلة في هذه الأحياء، إذ يأتي الكثيرون لتصوير أعراسهم فيها. كما ينشط الحي في شكل مميز في ١٥ آب، حيث يحتفل الزغرتاويون بعيد السيدة، ويأتي الجميع، كبارا وصغارا مغتربين وزائرين إلى الحيّ”. ويختم قائلًا “مهما توسّعت زغرتا، يبقى الإنسان يحب العودة إلى جذوره، إلى حيث ترعرع، إلى المكان الذي يقوده إليه حنينه”.
السيدة إيزابيل أنطون مكاري ترى أنّ حيّ السيدة من أجمل أحياء زغرتا، ولا سيما بعد أعمال التجديد والترميم التي أعادت إليه رونقه. وتتمنى على كل من غادر هذه الأحياء أن يعود إليها ويسكن فيها من جديد، لما تحمله من دفء وألفة وروابط اجتماعية مميزة.وتقول “تزوجت منذ 35 عاما وجئت إلى هذا الحيّ وتعلقت به ومنذ ذلك الحين وأنا أشعر أنه بيتي الحقيقي”. وتضيف أن ابناءها فكروا في إحدى المراحل بالانتقال إلى مكان آخر، فبحثوا طويلا عن منزل آخر ولكنهم لم يجدوا مكانًا أجمل من حيّهم، فتراجعوا عن فكرة الانتقال. وتؤكد “لا يوجد أنظف ولا أرتب ولا أجمل من حيّنا”.
وتشير إلى أن الكثير من الزوار يقصدون هذه الأحياء للاستمتاع بجمالها والتقاط الصور فيها، معتبرة أنها من أجمل أحياء زغرتا وأكثرها تميزًا.
كان قبل كل شي أحلى، اليوم كل شيء تغيّر، البيوت تغيّرت والناس تغيّروا”، هكذا تعبّر هند الدويهي بحسرة وحنين وشعور جميل مرتبط بالماضي اذ تقول انّ حيّ السيدة هو كل شيء بالنسبة اليها، وتستذكر أيامًا كانت فيها الحنية والألفة والبركة حاضرة في تفاصيل الحياة اليومية، فيما بات الناس اليوم أكثر تباعدًا عن بعضهم البعض.
وترى أن أعمال الترميم، من دون شك، أضفت جمالًا ورونقًا مميزيّن على الأحياء القديمة، إلا أن الحيّ كما كان في الماضي، بحجارته وروحه وكيانه، يبقى الأجمل بالنسبة إليها، إذ يختزن الكثير من الذكريات الجميلة التي لا تزال متعلقة بها.وتضيف “بقينا في هذا الحي 29 سنة وانتقلنا إلى حيّ قريب، ولكن هذه الحارة هي قلبي وروحي”. وتؤكد أن علاقات الجيرة لا تزال موجودة حتى اليوم، لكنها أقلّ بكثير مما كانت عليه سابقا.
وتختم بالقول “هيديك الأيام حلوة كتير وما بترجع، وبتبقى سيدة زغرتا هي الأساس، هي أمّنا كلنا وكل اتكالنا عليها”.
أما الشقيقتان أورور وبهيجة كعوي تؤكدان أنّ علاقات المحبة والألفة لا تزال تطغى على أجواء حيّ السيدة، حيث يجتمع الجيران يوميا.
وتقول أورور “نجلس هنا كل يوم خلف الكنيسة، تسندنا أحجارها وكأنها تحمينا”، مشيرة إلى أن الحي أصبح أكثر جمالًا بعد أعمال الترميم التي أعادت إليه رونقه، أما شقيقتها فتقاطعها لتقول “الحيً القديم أجمل، وكانت الجيرة أجمل أيضا”.
وتؤكد الشقيقتان أن كنيسة سيدة زغرتا تبقى قلب الحيّ النابض، فهي مقصد أبناء المنطقة وزوارها على حدّ سواء، وتقولان “الجميع يقصد السيدة ويزورها، وهي كنيسة أثرية عريقة ننتظر عيدها كل عام حيث تمتلئ الحارة بالمؤمنين الوافدين من مختلف المناطق، إضافة إلى الذين يسيرون على الأقدام من إهدن إلى السيدة وفاء لنذرهم”. وتختمان قائلتين “نحن لا نخاف سوءًا، لأن السيدة معنا”.
الصور بالابيض والاسود من كتاب “زغرتا تاريخ من تاريخ ” للباحث روي عريجي