كما أمام كل منعطف سياسي خطير يعرّض البلاد لخضة كبيرة يعود الرئيس وليد جنبلاط ليكون بمثابة خط الدفاع الأول عن الشرعية والدولة ويكتسب مجدداً لقب “بيضة القبان”، إذ ان الملاحظات القانونية والسياسية التي عبّر عنها في معرض تفنيده لبنود “اتفاق الاطار” شكّل مناسبة لتعود الأقلام “العمياء” والتعليقات الحاقدة لتبث سمومها باتجاهه لكنها سرعان ما تعود إلى الواقع لتقول علناً أو بالسر “ليتنا سمعنا منه”.
وليقطع الشك باليقين في ما يتعلق بمعارضة بنود اتفاق الاطار، زار الرئيس وليد جنبلاط اليرزة والتقى قائد الجيش العماد رودولف هيكل، وخرج بعدها ليؤكد دعمه الكامل للمؤسسة العسكرية وتحذيره من وقوع الجيش في الفخ الذي يحتويه البند المتعلق بالمناطق التجريبية الواردة في اتفاق الاطار.
وإذا كانت الغيوم الملبدة إقليمياً قد انقشعت مع تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب على هامش مشاركته في مؤتمر قمة حلف الناتو المنعقد في العاصمة التركية أنقرة، فقد بدا واضحاً أنه يدرس جدياً العودة إلى نقطة الصفر وبالتالي إلى المواجهة العسكرية بعدما أعلن سقوط الاتفاق الذي كان قد توصل إليه مع إيران، والرد الايراني بأنهم على استعداد لمخاطبة ترامب بلغة “القوة” التي يبدو أنه لا يفهم غيرها، وفق تصريحات إيرانية رسمية.
جنوباً، لا تزال تصريحات رئيس وزراء العدو الصهيوني بنيامين نتنياهو تؤكد أن لا انسحابات من المناطق التي احتلها، وأنه يريد الاحتفاظ بحرية الحركة التي تغطيها الولايات المتحدة تجاه ما يمكن أن يعتبره خطراً يشكله “حزب الله” وبالتالي استئناف ضرباته عليه. ووفقاً لمصدر أمني مطلع أوضح لجريدة “الأنباء الالكترونية” أن الهدف الأقرب الذي يريد نتنياهو تحقيقه هو السيطرة على تلة علي الطاهر ولن يلتزم بتنفيذ أي بند من اتفاق الاطار قبل تحقيقه هذا الهدف.
واستناداً الى تسريبات إعلامية، بات من الواضح أن رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون سيزور العاصمة الأميركية واشنطن بناء لدعوة رسمية من الرئيس ترامب، وأن موعد هذه الزيارة حدد في الحادي والعشرين من تموز الجاري، مع تشديد الرئاسة اللبنانية على عدم لقاء رئيس الوزراء الصهيوني، وأن المباحثات ستتناول سبل تنفيذ الانسحاب الاسرائيلي من جنوب لبنان وتثبيت وقف إطلاق النار وبرنامج إعادة الاعمار.
مذكرة جنبلاط
وكانت المذكرة التي رفعها الرئيس وليد جنبلاط إلى المجلس المذهبي لطائفة الموحدين الدروز معرض التعليقات التي صدرت عن قوى سياسية مختلفة، لكن بالتأكيد فإن “اتفاق الإطار” الموقّع بين لبنان وإسرائيل، برعاية الولايات المتّحدة، يكشف عن تحوّل خطير في مقاربة الصراع اللبنانيّ الإسرائيليّ، إذ لا ينطلق، من أولويّة إنهاء الاحتلال ووقف الاعتداءات الإسرائيليّة، بل يعيد تعريف أسباب النزاع، ويربطها بوجود سلاح غير نظاميّ داخل لبنان، وفي مقدّمه سلاح “حزب الله”.
واعتبر جنبلاط في المذكرة أنّ الاتفاق ينقل مركز المشكلة من الاحتلال الإسرائيليّ إلى الداخل اللبنانيّ، ويجعل انسحاب إسرائيل من الأراضي اللبنانيّة مشروطاً بما تعتبره إسرائيل والولايات المتّحدة نجاحاً لبنانيّاً في نزع السلاح وتفكيك البنى العسكريّة.
أما أخطر ما يتضمّنه الاتفاق فهو عدم فرض التزام فوريّ وواضح على إسرائيل بالانسحاب من الأراضي اللبنانيّة، والاكتفاء بالحديث عن “إعادة انتشار تدريجيّة” مرتبطة بالتحقّق من تنفيذ لبنان التزاماته، ويعني ذلك عمليّاً تحويل الاحتلال من خرق للقانون الدوليّ، واتفاقيّة الهدنة الموقّعة عام 1949، والقرار الأمميّ 1701، واتفاق الطائف، إلى ورقة ضغط مشروطة.
وفي مقارنة بين “اتفاق الإطار” واتفاقيّة الهدنة اللبنانيّة الإسرائيليّة لعام 1949، فإن الهدنة على الرغم من مرور عقود على توقيعها، تبدو أكثر حماية للموقع اللبنانيّ، حيث أنها انطلقت من مبدأ وقف الأعمال العسكريّة بين القوّات النظاميّة، واحترام خطّ الهدنة المتطابق مع الحدود الدوليّة بين لبنان وفلسطين، ومنع أيّ عمل عدائيّ أو عبور عسكريّ، كما نصّت على تشكيل لجنة هدنة مشتركة برئاسة الأمم المتّحدة، وليس برعاية أميركيّة منفردة، ما منحها طابعاً دوليّاً واضحاً.
في اليرزة
وكان الرئيس وليد جنبلاط زار اليرزة واجتمع إلى قائد الجيش العماد رودولف هيكل في مكتبه، وبحثا في الأوضاع العامة في البلاد والتطورات الأمنية، ولا سيما في الجنوب.
وأكد جنبلاط أهمية الدور الوطني الذي يضطلع به الجيش، مشدداً على ضرورة وقوف جميع اللبنانيين إلى جانب المؤسسة العسكرية في ظل الظروف الدقيقة التي تمر بها البلاد.
كما شدد على أهمية تعزيز الوحدة الوطنية وترسيخ التضامن الداخلي خلال هذه المرحلة، بما يسهم في صون الاستقرار وحماية المصلحة الوطنية العليا.
عون
أكّد رئيس الجمهوريّة أنّه اختار المفاوضات “لأنه لا يمكنني أن أقف متفرجاً على وطني وهو يُقاد الى الهاوية خدمة لمصالح بلد آخر، وكان عليَّ أن أقوم بخطوة بإمكانها وقف آلة الدمار والابادة الإسرائيلية، والحد من الخسائر في الأرواح والقرى، وإزالة الاحتلال في نهاية المطاف”.
وأضاف الرئيس عون، أمام وفد الاتحاد الدولي لرجال وسيدات الأعمال اللبنانيين: “هذه الخطوة تلقى دعم غالبية اللبنانيين وبينهم من الطائفة الشيعية، التي دفعت الثمن الأكبر للحروب في الجنوب”.
وتابع: “نحن مستمرون في القرار الذي اتخذناه، وأدعو اللبنانيين الى الحفاظ على ايمانهم بلبنان، لأنني على يقين أن الأمور تتجه نحو الأفضل، رغم العراقيل والصعوبات، ولا شيء مستحيل في قاموسنا”.
وتوقع أن تحمل زيارته المرتقبة الى واشنطن ولقاؤه مع الرئيس الأميركي “إيجابيات للبنان، لأنها تترجم الاهتمام الأميركي غير المسبوق به، ودعم الولايات المتحدة لمسار إيجاد حل دائم لسلسلة الحروب والاعتداءات الإسرائيلية على بلدنا، وتحقيق الاستقرار في كامل منطقة الشرق الأوسط”.
ترامب
صعّد الرئيس ترامب من لهجته تجاه إيران، ملوحاً بإمكانية تنفيذ ضربات عسكرية جديدة “هذه الليلة” (أمس)، ومؤكداً أن بلاده لن تسمح لطهران بامتلاك سلاح نووي، وذلك في ختام قمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) في أنقرة.
وقال ترامب إن اجتماع قادة الناتو كان “عظيماً”، لكنه شدد على أن الملف الإيراني لا يزال يتصدر أولويات إدارته، مضيفاً: “قد نضرب إيران مجدداً الليلة (امس)”.
وأوضح أن الأزمة مع طهران “لا تتعلق بتغيير النظام، بل بمنعها من امتلاك سلاح نووي”، مشيراً الى أن الاتفاق بين واشنطن وطهران ينص على وقف البرنامج النووي الإيراني، “وإلا فسنقوم نحن بإيقافه”.
واتهم الرئيس الأميركي إيران بانتهاك الاتفاق، واصفاً المسؤولين الإيرانيين بأنهم “يخادعون”. وأكد أن الولايات المتحدة “قضت على سلاح الجو الإيراني” خلال العمليات العسكرية الأخيرة.
كما أعلن أن المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب جاريد كوشنر، سيواصلان العمل على الملف الإيراني، مضيفاً: “سنرى ما سيحدث مع إيران”، في إشارة إلى استمرار المسار الدبلوماسي بالتوازي مع الضغوط العسكرية.
وكان ترامب قد أعلن في وقت سابق امس انتهاء مذكرة التفاهم مع إيران، واصفاً المسؤولين الإيرانيين بأنهم “مرضى”. وأكد أنه لا يريد إضاعة المزيد من الوقت مع طهران بعد اتهامها بانتهاك التفاهمات واستهداف الملاحة في مضيق هرمز.