تتجمّع الوقائع لتقول إن إيقاع الحرب لم يعُد يُضبط من ساحات القتال وحدها، بل من شاشات أسعار النفط أيضًا. فالتراجع الواضح في خطاب الرئيس الأميركي دونالد ترامب، من التهديد بسحق إيران واستهداف بنيتها الطاقوية إلى الحديث عن الاستعداد لإنهاء الحرب والخروج منها ومضيق هرمز مقفل، تزامن بدقة مع قفزات سعر البرميل. فقد لامس خام برنت عتبة 118 دولارًا خلال ذروة التصعيد، قبل أن يتراجع إلى حدود 108–110 دولارات مع بدء تبدل اللهجة الأميركية وصولاً إلى سعر 105 دولارات للبرميل. وهذا التحول لم يكن تفصيلاً، بل يعكس معادلة جديدة: السوق يفرض حدوده على السياسة. فحين ربط ترامب تهديده بفتح مضيق هرمز، كان يضع سقفًا للحرب، لكنه عاد يخفف لهجته عندما أظهر «البرميل» أن الانفجار الاقتصادي ليس احتمالًا نظريًا. هنا، بدا الاستعداد للخروج من الحرب دون فتح مضيق هرمز موضوع التهديد الأصلي.
في هذا الفراغ الذي بدأ يتشكل مع تراجع الاندفاعة الأميركية، أطلت الصين عبر شراكة واضحة مع باكستان التي تقود تحركاً إقليمياً للتهدئة والوساطة، بمبادرة تدعو إلى وقف النار وإطلاق مسار سياسي وفق بيان مشترك تحدّث عن الأمن والاستقرار والدبلوماسية والسيادة والملاحة دون التطرق إلى الملف النووي الإيراني أو ملف إيران الصاروخي نهائياً، في لحظة توحي بأن بكين تختبر الانتقال من موقع الداعم إلى موقع الضامن للخروج من الحرب دون هزيمة بعدما صار الخروج بربح كامل أو جزئي شبه مستحيل، واللاهزيمة قد تكون ضمانة صينية روسية بعدم امتلاك إيران لسلاح نووي دون تفاصيل إضافية وضمانة روسية صينية بأن أميركا لن تعود للحرب مجدداً. هذه الحركة لم تكن معزولة، بل ترافقت مع تمهيد روسي سياسي واضح، عبر رفع سقف الاتهام لواشنطن بالسعي لتغيير النظام في إيران على خلفية اتهام آخر بوضع اليد على ثروات النفط والغاز، بما يعيد موسكو إلى قلب المشهد كطرف مؤهل للمشاركة في صياغة التوازنات المقبلة. بينما ظهر الغرب الأوروبي في موقع المرتبك؛ مواقف متباينة، تحفظات على الانخراط، ورفض استخدام قواعد، بما يعكس بداية انشقاق داخل المعسكر الغربي بين مَن يرى في استمرار الحرب مخاطرة اقتصادية، ومَن يُصرّ على مواكبة واشنطن دون القدرة على تحمل كلفة خياراتها.
في قلب هذا المشهد، تقف «إسرائيل» أمام أزمة مركبة في الخيار والقرار والخطاب. فإذا كانت واشنطن تتجه إلى تخفيف التصعيد أو الخروج منه، فإن تل أبيب تجد نفسها أمام سؤال: كيف تُنهي حربًا لم تحقق لها الحد الأدنى المعلن من شروطها بين إسقاط النظام وتفكيك عناصر قوته النووية والصاروخية وتحالفاته، وفي الوقت نفسه تعجز عن تحقيق الحسم في لبنان؟ الوقائع الميدانية جنوبًا، من تعثر التقدم البري وتراجع ميداني لنظرية الوصول إلى نهر الليطاني والمنطقة العازلة، إلى استمرار إطلاق الصواريخ وتأجيل عودة المستوطنين، تقابلها تساؤلات داخلية متزايدة حول صدقية الحديث عن إزالة تهديد حزب الله. ليصبح الخطاب الإسرائيلي مأزومًا: لا نصر يمكن إعلانه، ولا انسحاب يمكن تبريره بسهولة.
وفي هذا السياق، جاءت عملية بيت ليف التي كُشف النقاب عنها بعدما نفذتها المقاومة عشية أول أمس، لتضيف عنصرًا حاسمًا في ميزان الميدان. كمين مركب نفذته المقاومة، اعترف جيش الاحتلال بسقوط 4 قتلى بنتيجته، بينما وصفت صحف إسرائيلية العملية بأنها «مجزرة»، في توصيف يتجاوز الرقم المعلن ويشير إلى خسائر أكبر. العملية لم تكن مجرد ضربة تكتيكية، بل رسالة عن مستوى من الجرأة والتخطيط والقدرة على اختراق الإجراءات الإسرائيلية، ما يعزز صورة المقاومة كقوة قادرة على الاستنزاف وتغيير معادلات الاشتباك.
هذا التطور الميداني انعكس سياسيًا في الخطاب اللبناني الرسمي، كما ظهر في كلمة مندوب لبنان في مجلس الأمن. فبعد أن كان الخطاب السابق يحرص على الفصل بين الدولة والمقاومة والتركيز على حصر السلاح، خلت الكلمة الأخيرة من أي إشارة إلى سلاح حزب الله، وركّزت بالكامل على تحميل «إسرائيل» مسؤولية التصعيد والاعتداءات. وهو تحول قرأه المراقبون كنتيجة مباشرة لاتساع العدوان من جهة، وأداء المقاومة من جهة أخرى، بما أعاد تعريف الصراع كصراع مع احتلال، لا كإشكالية داخلية.
بين تراجع واشنطن، وتقدّم بكين، وعودة موسكو، وارتباك أوروبا، وأزمة تل أبيب، وفعالية المقاومة، تتشكل معادلة جديدة: الحرب لم تنتهِ، لكنها لم تعد كما بدأت وقد بدأت تفقد مقومات الاستمرار ووضعت صنّاعها أمام الخيارات الصعبة.
وفق أكثر من مصدر عسكري، فإن الاعتداءات الإسرائيلية تتجاوز حدود الحرب التقليدية لتلامس جوهر السيادة وتهدد الاستقرار الوطني والإنساني. ويواصل التصعيد منحاه الخطير، مع إعلان العدو الإسرائيلي نيته إقامة «منطقة أمنية» داخل جنوب لبنان تمتد حتى نهر الليطاني. فوزير الحرب يسرائيل كاتس قال إنّ «إسرائيل» ستقيم «منطقة أمنية» داخل جنوب لبنان، وستبقي سيطرتها على كامل المنطقة حتى نهر الليطاني بعد انتهاء القتال، بما في ذلك الجسور المتبقية على النهر، مع منع مئات آلاف النازحين اللبنانيين من العودة إلى جنوب الليطاني إلى أن تضمن «إسرائيل» أمن مستوطنات الشمال، ما يشير إلى محاولة فرض وقائع جغرافية جديدة بالقوة.
وفي الوقت نفسه، أفيد أن الجيش اللبناني أخلى مراكزه في بلدتي رميش وعين إبل في قضاء بنت جبيل، ولاحقًا أفيد أنه أخلى مراكزه أيضًا في برعشيت والطيري وبيت ياحون.
وأعلن حزب الله تنفيذ سلسلة عمليات عسكرية استهدفت مواقع وتجمّعات تابعة لجيش العدو الإسرائيلي في عدد من المناطق الحدودية. وأشار إلى استهداف ناقلة جند في بلدة الطيبة باستخدام مسيّرة انقضاضية، محققًا إصابة مباشرة. كما أعلن استهداف موكب قيادي إسرائيلي في تلة العويضة بالأسلحة الصاروخية وقذائف المدفعية.
وفي بلدة عيناتا، نفذ الحزب عدة عمليات استهدفت تجمعات لجنود وآليات الجيش الإسرائيلي في تلة فريز ومثلث السدر – فريز، مستخدمًا صليات صاروخية وقذائف مدفعية، بالإضافة إلى استهداف دبابة ميركافا في الموقع نفسه بمسيّرة انقضاضية أصابتها بشكل مباشر. كما استهدف تجمعات مماثلة داخل مستوطنة أفيفيم بصليات صاروخية متكررة، إلى جانب قصف مستوطنة المطلة بصليات صاروخية.
وفي سياق متصل، أعلن الحزب استهداف أجهزة الاتصال والمراقبة في نقطة عسكرية مستحدثة شرق بلدة الطيبة، إضافة إلى شن هجوم بمسيّرات انقضاضية على ثكنة أدميت، واستهداف حاجز عسكري في مستوطنة مسغاف عام، ومنظومة الدفاعات الجوية في معالوت ترشيحا. كذلك أشار إلى استهداف دبابة ميركافا على طريق القنطرة – الطيبة بصاروخ موجّه، حيث شوهدت تحترق، ما استدعى تدخل قوة إسرائيلية لإخلاء المصابين وسحب الدبابة تحت غطاء من الدخان، تزامن مع قصف إسرائيلي بقذائف فوسفورية.
وفي هذا السياق، عقد مجلس الأمن الدولي جلسة طارئة على خلفية استهداف عناصر من قوات «اليونيفيل» في جنوب لبنان، في ظل تصعيد ميداني متسارع وتدهور إنساني غير مسبوق. وقد دعا المندوب اللبناني إلى تحرّك عاجل، مطالبًا بإدانة الانتهاكات الإسرائيلية واتخاذ إجراءات تُلزم «إسرائيل» بوقف توغلاتها داخل الأراضي اللبنانية، مؤكدًا أن تجارب الاحتلال السابقة منذ عام 1978 أثبتت فشلها في تحقيق الأمن، وأن السلام المستدام لا يمكن أن يقوم إلا على الحلول الدبلوماسية.
في المقابل، تمسّك المندوب الإسرائيلي بسردية تربط التصعيد بدور «حزب الله» والحكومة اللبنانية، زاعمًا أن بلاده لا ترغب بالبقاء في لبنان، داعيًا قوات «اليونيفيل» إلى التزام مواقعها. إلا أن الوقائع الميدانية تعكس تصعيدًا مغايرًا، إذ كشف وكيل الأمين العام لعمليات السلام عن مقتل ثلاثة من عناصر القوة الدولية خلال 24 ساعة، في وقت يتواصل فيه التوغل البري الإسرائيلي داخل الأراضي اللبنانية لمسافة تُقدّر بنحو 11 كيلومترًا. ويزداد المشهد قتامة، مع إعلان الأمم المتحدة عن حاجة ملحّة إلى مئات ملايين الدولارات لمساعدة نحو مليون متضرّر، في ظل نزوح جماعيّ تخطى 1.1 مليون شخص، وتدمير واسع للبنى التحتية، لا سيما الجسور جنوب نهر الليطاني، ما يعيق وصول المساعدات ويضاعف معاناة المدنيين.
برزت أيضًا مواقف أوروبية داعمة للبنان، حيث شددت فرنسا على خطورة استهداف قوات حفظ السلام، ودعت إلى منع أي اجتياح بري، مؤكدة ضرورة تحرك فعلي من مجلس الأمن. كما عبّرت دول أخرى عن قلقها من الكلفة الإنسانية الباهظة، مشددة على أن المدنيين اللبنانيين يدفعون الثمن الأكبر في حصيلة العدوان، حيث وثّقت وزارة الصحة اللبنانية استشهاد 1196 شخصًا، بينهم 51 مسعفًا و124 طفلًا.
إلى ذلك، جدّد رئيس الجمهورية التأكيد أن الحرب لن تحقق أي نتائج، وأن الحل الوحيد يكمن في وقف إطلاق النار والعودة إلى طاولة المفاوضات، بما يضمن سيادة لبنان وانتشار الجيش على كامل أراضيه. كما شدّد خلال استقباله الوزيرة المفوّضة لدى وزارة الجيوش الفرنسية، السيدة أليس روفو، على أهمية الدعم الدولي، في وقت تواصل فيه فرنسا تقديم دعم عسكري ولوجستي للجيش، إلى جانب استمرار التزام الأمم المتحدة بالاستجابة الإنسانية. وأصدرت السفارة الفرنسية بيانًا عن وزارة القوات المسلحة الفرنسية والمحاربين القدامى، جاء فيه أن الوزيرة المفوّضة «أليس روفو» تزور لبنان «لإظهار دعم فرنسا لسيادة لبنان، واستمرار التزامها الراسخ تجاهه، ولا سيما في إطار قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان «اليونيفيل» منذ عام 1978».
وأكد وزير الدفاع ميشال منسى أن تصريحات وزير الحرب الإسرائيلي تعكس نية لاحتلال جديد لأراض لبنانية وتهجير قسري للسكان، قائلاً: «نرفض بشكل قاطع التهديدات الإسرائيلية التي تمثل انتهاكًا فاضحًا لسيادة لبنان».
وشدد المتحدث باسم وزارة الخارجية القطرية، ماجد الأنصاري، على أنه «من الضروري احترام سيادة لبنان»، لافتًا إلى أنّ «الهجمات هناك تخالف القانون الدولي». وأوضح أن «الاقتحامات الإسرائيلية والحديث عن منطقة عازلة في لبنان انتهاك للقانون الدولي»، مؤكدًا أن «التنسيق جارٍ مع الجهات الدولية بشأن خفض التصعيد في لبنان».