على وقع التكهنات حول خلاف بين واشنطن وتل ابيب، عنوانه وحدة المسار بين بيروت وطهران، على ما يروج له مسؤولون لبنانيون، تعيش الساحة اللبنانية حالة من الترقب والحذر الشديدين، خصوصا مع تراجع حظوظ التدخل الفرنسي، واخره فشل باريس بتحقيق خرق في مجلس الأمن الدولي الذي اجتمع لبحث التطورات اللبنانية.
الحسم للميدان
أوساط دبلوماسية كشفت أن المعضلة الأساسية راهنا تتمثل في قناعة طرفي القتال ورهانهما على الميدان لتغيير وقائع وشروط الاتفاق السياسي والامني، وهو ما قد يتطلب وقتا طويلا نسبيا قد يمتد لاشهر في ظل الايقاع الحالي للمعارك والاستراتيجيات العسكرية المتبعة، خصوصا مع إصرار اسرائيل على خلق شرخ طائفي في لبنان، عبر التمييز بين القرى المسيحية والشيعية في الجنوب، من جهة، ودفعها باتجاه انفجار داخلي نتيجة ضغوط النزوح، وهو ما تحاول السلطات اللبنانية تأخيره عبر خطط امنية مرحلية.
ورأت الأوساط وجود مخاوف جدية، في ظل الاصرار الاميركي – الاسرائيلي على اقفال الابواب أمام المساعي والمبادرات الدبلوماسية، من اتساع رقعة الحرب جغرافيا وديموغرافيا، مع رصد أكثر من مؤشر في هذا الاتجاه خلال الايام الماضية، ما صعب الأمور وعقدها، خصوصا انها تزامنت مع بروز أحلاف سياسية جديدة، في الداخل، مع ما يرافقها من أجواء خلافية وانقسامات، قد تؤدي إلى سقوط المنظومة الحالية، ووضع لبنان أمام حقبة جديدة.
خلاف اميركي ـ اسرائيلي
الأوساط التي دعت إلى عدم التعويل على الكلام المتداول عن وجود خلافات أميركية ـ اسرائيلية، حول مقاربة الوضع على الجبهة اللبنانية، أكدت أن الكلمة الأولى والأخيرة لبنانيا تبقى لنتنياهو الذي يستند في حربه المفتوحة إلى استطلاعات للرأي تمنحه هامشا كبيرا للمناورة، رغم تاكيده أنه يعمل على ضمان أن يكون وقف إطلاق النار في لبنان قرارا مستقلا من إسرائيل، فيما اعلن وزير دفاعه، أن إسرائيل تعتزم إبقاء قواتها العسكرية داخل الأراضي اللبنانية بعد انتهاء العمليات الجارية، مشيرًا إلى أن نحو 600 ألف من سكان المنطقة الذين تم إجلاؤهم لن يُسمح لهم بالعودة، مؤكدا أن قواته ستعمل على «تدمير المنازل في القرى القريبة من الحدود».
في المقابل، تشير أوساط قريبة من «الثنائي» إلى أن ما يُطرح إسرائيلياً يعكس نوايا واضحة، إلا أن حسمه يبقى مرتبطاً بالميدان وبقدرة الجيش الإسرائيلي على التقدم والتوغل داخل الأراضي اللبنانية. وتلفت هذه الأوساط إلى أن هذا المسار لا يزال يواجه مقاومة ميدانية تحول دون تثبيت الوقائع التي تسعى إليها تل أبيب، حيث لم تتمكن حتى الآن من ترسيخ وجودها في أكثر من محور، ما يبقي المشهد مفتوحاً على احتمالات متعددة.
عتب خليجي
وكشفت الأوساط عن وجود عتب خليجي، على أداء السلطة اللبنانية التي اكتفت بإصدار بيانات الشجب والاستنكار، فيما خص الشبكات الإرهابية التي تم توقيفها في أكثر من دولة خليجية، دون أن تبادر إلى اتخاذ أي إجراءات عملية بوصفها مسؤولة عن أي أعمال عدائية تنطلق من اراضيها، وفق ما بينته بعض التحقيقات القضائية حتى تاريخه.
وفيما ابدت مخاوفها من تداعيات الملفات الأمنية على وضع الجاليات اللبنانية في دول الخليج، أكدت الاوساط أن اتصالات تجري مع المسؤولين فيها، لما فيه خير البلدين، وتلافي اتخاذ تدابير قد تكون لها نتائج كارثية على وضعهم، خصوصا في ظل الأوضاع الاقتصادية الحالية.
دور فاتيكاني
ومع تراجع زخم المبادرة الفرنسية، على وقع العلاقات المأزومة مع اسرائيل التي ألغت استقبالها لوزيرة الجيوش الفرنسية، المقربة من الرئيس ماكرون، تكشف الأوساط عن تدخل فاتيكاني في اتجاه الدول المؤثرة في الملف اللبناني، من خلال مشاورات متواصلة واتصالات رفيعة المستوى، بهدف وقف التصعيد، حماية سيادة لبنان وحدوده، وصون الإنسان اللبناني وتعدديته، باعتبار لبنان نموذجاً أساسياً للتعددية التي يدافع عنها الكرسي الرسولي.
وفي هذا الإطار تبرز الحركة الناشطة والمكثفة للسفير البابوي، ميدانيا واعلاميا، حيث يصر على مواكبة قوافل المساعدات للقرى الحدودية المسيحية، شخصيا، فضلا عن اتصالاته اليومية بلجنة الميكانيزم التي تلعب دورا أساسيا في التنسيق الميداني لجنة الأخلاءات والمساعدات، مع تريث الفاتيكان في اتخاذ قرار بتعيين ممثل دائم لها في تلك القرى.
وختمت الاوساط، بالتأكيد أن اسرائيل مصرة على تنفيذ خططها بالكامل، وان قرارها بإقامة منطقة عازلة، مدمرة بالكامل وخالية من اي وجود كان، لا رجعة فيه، من هنا استهدافها المتكرر خلال الساعات الماضية للقوات الدولية والجيش اللبناني، لإجبارهما إلى الانسحاب لمسافة 15 كلم شمالا من الخط الازرق وفقا لتحذير أبلغته لقيادتي الطرفين.
انسحاب الجيش
وسط هذه الاجواء، وفيما الغارات والتهديدات تتنقل بين القرى الجنوبية، والضاحية، وصولا إلى مار روكز ـ الدكوانة، افادت المعلومات ان الجيش اللبناني أخلى مراكزه في عين ابل، رميش، برعشيت، الطيري وبيت ياحون، وسط تشديد الأهالي على أن القرار بالانسحاب هو «داخلي لبناني لا علاقة لاسرائيل به».
مصادر ميدانية أكدت أن انسحاب الجيش، فرض نفسه على القيادة العسكرية، في ظل المناورة البرية التي ينفذها الجيش الاسرائيلي، خلافا للاتفاق الذي توصلت إليه الاتصالات الأميركية ـ الفاتيكانيةـ الاسرائيلية، لجهة بقاء أهالي القرى المسيحية فيها تحت حماية الجيش اللبناني، وفي هذا الإطار تخوفت مصادر محلية من حصول صدامات داخل هذه القرى، نتيجة الأوضاع المستجدة، محملة الدولة اللبنانية مسؤولية اي دم قد يهدر.
رسالة للأمم المتحدة
في الاثناء، برز الحديث عن أن لبنان أبلغ الأمم المتحدة قرار الحكومة، لأخذ العلم، بتصنيف «جناح حزب الله العسكري منظمة خارجة عن القانون»، بتاريخ 3 اذار، من ضمن سلسلة رسائل عممتها وزارة الخارجية على بعثات لبنان في الخارج.
اطلالة لعون
في غضون ذلك علم ان الفريق الاستشاري في بعبدا انجز اعداد الكلمة المسجلة التي سيوجهها رئيس الجمهورية للبنانيين، خلال الساعات المقبلة، يتناول فيها عددا من الملفات الاساسية، من ضرورة الحفاظ على السلم الأهلي، الى حصر السلاح بيد الدولة، واضعا اللبنانيين في أجواء الاتصالات الدولية التي يجريها بهدف إنهاء الحرب.
وكان عون قد أشار في وقت سابق خلال استقبال وفد برئاسة وزيرة الجيوش الفرنسية، الى أن الحرب لن تؤدي إلى أي نتيجة عملية، بل ستزيد من معاناة الشعب اللبناني، فيما يبقى التفاوض الحل الوحيد القادر على إعادة الأمن والاستقرار إلى المنطقة، شاكرا لفرنسا دعمها المستمر للبنان في مختلف المجالات، ولا سيما عبر الآليات والمعدات العسكرية التي وصلت امس إلى مرفأ بيروت، بهدف تعزيز قدرات الجيش اللبناني.
الخطة الأمنية
وامس بلغت التدابير الأمنية ذروتها، مع استكمال القوى الأمنية والعسكرية انتشارها، من بيروت الى البقاع، حيث كشف مطلعون على تفاصيلها، أنها مشتركة بين كافة الأجهزة المعنية بالامن، هدفها ضبط الوضع الداخلي، خصوصا في مناطق الاحتكاك، سواء التقليدية منها، أو في محيط مراكز الايواء، في ظل التوتر السياسي العالي النبرة، فضلا عن التعامل بحزم مع أي عمليات نقل سلاح غير مرخص، أما جانبها الثاني فهو قمع المخالفات والتشدد في مواجهة أعمال السرقة والنشل، التي ارتفعت نسبتها في الفترة الاخيرة، مؤكدة أنه جرى دعم وحدات الجيش المنتشرة بمجموعة استقدمت من الجنوب قوامها 1000 جندي.