
ترأس البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي قداس احد مدخل الصوم والذكرى الرابعة لانتقال المونسنيور توفيق بو هدير إلى بيت الآب، في كنيسة السيدة في الصرح البطريركي في بكركي.
وقال في العظة: ” تحوّل الماء إلى خمر، لا إلى خمر عادي، بل إلى خمر فائق الجودة. قرابة ست مئة ليتر من العطاء الفائق. نحن نعطي بحساب، أما الله فيعطي بغير قياس. نحن نخشى أن تنفد الموارد، أما هو فيفيض حيث لا نتوقع. “أظهر يسوع مجده، فآمن به تلاميذه”. لم تكن المعجزة مجرد إنقاذ عرسٍ من إحراج، بل إعلان هوية. في لحظة واحدة تحقّق أمران: الفرح عاد الى العرس، والإيمان لدى التلاميذ تعمّق. هكذا يعمل الرب دائمًا: يجدد الواقع، ويكشف ذاته في آنٍ معًا. أحد قانا هو مدخل الصوم. وكأن الكنيسة تقول لنا: إذا أردتم أن تصوموا حقًا، فاطلبوا التحوّل. كما تبدّل الماء إلى خمر فائق الجودة، يستطيع المسيح أن يبدّل القلب. الصوم ليس امتناعًا عن طعام فقط، بل هو تغيير نوعي داخل الإنسان، انتقال من سطحية إلى عمق، من برودة إلى حرارة، من عادة إلى علاقة. من عرس قانا نطلّ على واقعنا الوطني. كم مرة شعرنا أن الخمر قد نفدت من عرس وطننا؟ أن الفرح تراجع، وأن الثقة اهتزّت، وأن الأجران بدت فارغة أو مهملة؟ لكن إنجيل اليوم لا يتوقّف عند النقص، بل يوجّهنا إلى الطريق المستقيم. قانا تعلّمنا أن الفرح الجماعي مسؤولية جماعية. وأن التغيير يبدأ حين يتحوّل كل واحد إلى خادمٍ أمين في موقعه، يملأ جرّته بصدق عمله ونقاوة ضميره. الوطن ليس فكرة مجرّدة، بل عرس مشترك. إذا نقصت الخمرة، لا يكفي أن نشكو،بل يجب أن نرفع الحاجة إلى منبع الرجاء، وأن نملأ الأجران بما بين أيدينا من إرادة صالحة وجهد حقيقي. آنذاك لا يعود الحديث عن ندرة، بل عن فيض؛ لا عن عجز، بل عن قدرة؛ لا عن نهاية، بل عن بداية جديدة. ومدخل الصوم يذكّرنا أن التغيير الوطني يبدأ بتغيير الذات الشخصية ، لأن القلب المتحوّل هو أساس المجتمع المتجدّد”.
وختم الراعي: ” في قانا الجليل بدأ يسوع آياته، وفي كل صوم يبدأ معنا آية تغيير إذا فتحنا له قلوبنا. فلنسمع اليوم صوت مريم يتردّد في أعماقنا: «مهما يقول لكم فافعلوه». ولندخل هذا الزمن بروح العرس، واثقين أن الذي حوّل الماء إلى خمر، قادر أن يجعل من أيامنا بداية جديدة، ومن صومنا مسيرة فرحٍ حقيقي يقودنا إلى فصح القيامة. فنرفع المجد والتسبيح للآب والابن والروح القدس، الآن وإلى الأبد، آمين”.