على وقع احتجاجات العسكريين المتقاعدين وموظفي القطاع العام والأساتذة أمام مجلس النواب، أُقِرَّت موازنة 2026 بأكثرية 59 صوتًا و34 صوتًا معارضًا و11 صوتًا ممتنعًا، ولم تخلُ الجلسة من المزايدات في محاولة من النواب لشراء الأصوات على أبواب الانتخابات النيابية. الجميع تحدّث باسم الشعب وأبدى حرصه على الحفاظ على حقوق ومصالح الشعب، لكن الواقع غير ذلك تمامًا.
من صوّت مع الموازنة اعتبر أنها أفضل الممكن واستكمالًا للإصلاح وحمايةً للمكاسب، وتأتي في مسار تثبيت الاستقرار وصون الدولة ومصداقيتها، وبأنها متوازنة واحترمت المواعيد الدستورية. أما من صوّت ضدها فاعتبرها غير إصلاحية وتفتقر إلى أي رؤية اقتصادية وخطة استراتيجية، فضلًا عن أنها لا تتضمن قطع حساب.
في السياق، يقول الخبير الاقتصادي الدكتور باتريك مارديني في حديثٍ لصوت بيروت إنترناشونال: من السلبيات أن هذه الموازنة تحقق مليار دولار زيادة في الإيرادات، لا نعرف أين ضاعت وكيف هُدِرت وعلى ماذا صُرِفت، لافتًا إلى أن هذه الزيادة في الإيرادات ذهبت على نفقات جارية، وأن الحكومة بنسختها تركت حوالي 300 مليون دولار احتياطيًّا في الموازنة للأمور الطارئة، وأتت لجنة المال والموازنة النيابية وصفّرت هذا الاحتياطي.
ورأى مارديني أن لجنة المال والموازنة ارتكبت خطيئة كبرى بحق المودعين بسبب تصفيرها لاحتياطي الموازنة، لأن هذه الأموال إذا لم تُصرَف كلها على الأمور الطارئة يُخصَّص جزءٌ منها لتسديد أموال المودعين، ولا سيما أن الدولة اللبنانية من خلال مصرف لبنان تلتزم بأنها ستُساهِم برد أموال المودعين بنسبة 60% من 100,000 دولار، وعلى المدى الطويل بنسبة 80% من قيمة السندات للودائع التي تفوق 100,000 دولار، موضحًا أن الدولة ستؤمِّن هذه الأموال من خلال الفائض الموجود في الموازنة كي تضعه في مصرف لبنان، الذي سيرفع الاحتياطي بالعملات الأجنبية لديه كي يتمكّن من تسديد جزءٍ أكبر من الودائع.
أما في الشق الذي له علاقة بالنفقات، فاعتبر مارديني أن هذه الحكومة حكومة إصلاحية بامتياز وتقوم بإصلاحات صعبة، منها قانون إلغاء السرية المصرفية وقانون إعادة هيكلة المصارف، ومؤخرًا قانون الفجوة المالية، ودفعت ثمنًا سياسيًّا مرتفعًا من أجل هذه الإصلاحات، لكن في الموازنة لم تقم بأي إصلاح.
وهنا يشرح مارديني أن الشق الأكبر من النفقات يذهب إلى رواتب الموظفين بنسبة 80%، في وقتٍ أن جزءًا كبيرًا من هؤلاء الموظفين غير منتجين وتم توظيفهم على أساس المحسوبيات والوسائط والطائفية وشراء أصوات انتخابية، ومنهم من يعمل في مؤسسات متوقفة عن العمل كالصناديق والمجالس وغيرها، مشددًا على ضرورة إعادة هيكلة القطاع العام والتخفيف من حجم الموظفين بشكل كبير من أجل ترشيد الإنفاق العام، ومن خلال توفير الأموال نتمكّن من دفع زيادات للموظفين المنتجين، وإلا سنعود إلى المشكلة التي أوصلتنا إلى الفجوة المالية إذا تم إعطاء الموظفين زيادات على الرواتب دون التقليص من حجم القطاع العام وحصر الموظفين بالذين تحتاج إليهم الدولة.
أما بالنسبة للإيجابيات، فقال مارديني: أهم الإيجابيات هي أن هذه الموازنة متوازنة من دون عجز، وغياب العجز يعني أنها ليست بحاجة إلى التمويل، ولا داعي لأن تستدين الحكومة من مصرف لبنان من أجل سد العجز، الذي قد يضطر، كما اضطر في السابق، إلى طباعة الليرة، ما أدى إلى انهيار الليرة اللبنانية، أو استعمال أموال المودعين.
ومن الإيجابيات أيضًا، أشار مارديني إلى احترام المواعيد الدستورية والزيادة في الإيرادات بحوالي مليار دولار، رغم عدم زيادة في الضرائب، بل عبر تحسين الجباية، مع توقع لنمو اقتصادي وامتثال ضريبي أكبر، إضافة إلى عدم وجود سلفات خزينة كما في السابق، وهذا يفرض على المؤسسات أن توازن بين النفقات والواردات.