بين برودة العاصفة التي يشهدها لبنان منذ يومين وبرودة المناخ السياسي المتأثر بها، غاب أي تطور داخلي بارز، عدا متابعة التحركات الدبلوماسية التي يتوقع ان تشهدها بيروت خلال الساعات المقبلة، في وقت بقيت فيها ارتدادات الاطلالة الاعلامية لرئيس الجمهورية، في الذكرى السنوية الاولى لوصوله الى بعبدا مسار اخذ ورد، داخليا وخارجيا، حيث سعت جهات سياسية مختلفة الى تحديد موقف الادارة الاميركية، الغائبة عن التعليق، منذ جلسة مجلس الوزراء الاخيرة، وما رافقها من قرارات.
فخطاب الذكرى السنوية، تحول منذ اللحظة الأولى، إلى حدث سياسي ترك ارتداداته وتداعياته الكبيرة، بعدما اثار الكثير من النقاط العالقة، غير الواضحة، محركا المياه الراكدة في العلاقة بين بيروت والخارج، حيث رسمت المواقف التي قيلت، وتلك التي لم تقل، خريطة اشتباك جديدة، وحددت سقوفا غير مسبوقة للمرحلة المقبلة.
واشنطن
مصادر لبنانية – أميركية تابعت باهتمام ما صدر عن بعبدا، كشفت ان واشنطن، لم تعد مهتمة للكلام بل للافعال، وبالتالي هي في انتظار ترجمة ما يصدر من مواقف وقرارات الى اجراءات تنفيذية، مذكرة المعنيين، بان عدم صدور اي مواقف خلال الايام الاخيرة، وتحديدا منذ جلسة مجلس الوزراء الاخيرة، لا يعني ابدا موافقة او قبولا اميركيا، بل ان واشنطن تتريث في انتظار جلسة شباط، لتحديد موقفها، في ظل قرارها الحاسم بضرورة احترام المهل المحددة سابقا.
وتؤكد المصادر، بان المقاربة الأميركية الحالية إزاء لبنان دخلت مرحلة مختلفة جذريا عما سبق، اذ لم تعد واشنطن تعتبر تنفيذ القرار 1701 جنوب نهر الليطاني إنجازا كافيا، بل تنظر إليه كخطوة أولى لا معنى لها إن لم تستكمل شمالا، فالنقاش داخل الفريق المعني بالملف اللبناني، يدور حول كيفية دفع السلطة اللبنانية إلى التعامل مع مسألة السلاح خارج قطاع جنوب الليطاني «باعتبارها مسألة سيادة داخلية بالمقام الأول وليس نزاعاً حدودياً مع إسرائيل».
خاتمة بأن أي دعم مالي أو عسكري مرتقب للجيش اللبناني، سواء عبر المؤتمر الدولي المقرر عقده في شباط المقبل أو من خلال قنوات ثنائية، شرطه الأساس، توافر اليات ووسائل ملموسة قابلة لقياس ومتابعة تنفيذ السلطة لتعهداتها، لذلك فإن أي تباطؤ في مقاربة ملف السلاح شمال الليطاني سيُنظر إليه، وفق المصادر، كعامل «يسرع انتقال الضغوط من المستوى السياسي إلى مستويات أكثر صلابة».
حركة موفدين
وسط هذا المشهد، حراك متجدد تجاه لبنان، مع عودة الموفد الرئاسي الفرنسي جان ايف لودريان الى المشهد السياسي، الذي وصل الى بيروت مساء امس، في محاولة لإعادة تحريك عدد من الملفات العالقة، سواء على المستوى الأمني أو المالي، حيث تكشفت جوانب جدول اعماله ولقاءاته، اذ كشفت مصادر مواكبة الى ان الضيف الفرنسي الذي سيجول على الرؤساء الثلاثة اليوم، يحمل معه ملفان اساسيان:
– حث المسؤولين اللبنانيين والتفاهم معهم حول إطلاق المرحلة الثانية من عملية حصر السلاح شمال نهر الليطاني، إذ إن تأجيل هذا الاستحقاق من شأنه أن ينعكس سلبا على الوضع الأمني في الجنوب، وقد يوفر لإسرائيل ذرائع إضافية لتكثيف ضرباتها في المنطقة الممتدة بين نهر الليطاني ونهر الأولي، وارتباطا بذلك، البحث في المؤتمر الذي تحضر له باريس لدعم الجيش اللبناني، والمقرر عقده في شهر شباط المقبل مبدئيا، في حال سقوط الفيتو الاميركي، الذي يراوح عند انتظار ما ستعلنه قيادة الجيش في تقريرها المقبل امام الحكومة والخطة التي ستضعها، محترمة المهل التي سبق واعلن عنها.
– مناقشة قانون الفجوة المالية والإصلاحات المالية، حيث تم حجز مواعيد له، مع عدد من الكتل النيابية والقيادات السياسية، بهدف حثّهم على الإسراع في إقرار قانون الفجوة المالية في مجلس النواب بصيغته الحالية، ومن دون إدخال أي تعديلات عليه، انطلاقا من تاييد فرنسا لعدم التزام الدولة بسداد ديونها تجاه مصرف لبنان، وهو ما لا يزال موضع خلاف بين أركان الدولة من جهة، ومصرف لبنان والحكومة من جهة أخرى، فضلاً عن الانقسام القائم بين الكتل النيابية ما بين مؤيّدة ومعارضة.
كذلك على جدول أعمال الزائر الفرنسي، لقاءات مع الرؤساء الثلاثة، كما يرجح أن يلتقي قائد الجيش، على اعتبار أن الدافع الأساسي للزيارة هو مؤتمر دعم المؤسسة العسكرية، فيما تبقى مشاركته في اجتماع «الميكانيزم»، الذي اجل لاسباب تتعلق بتل ابيب، غير محسومة، في ظل استمرار الضغط الأميركي ومحاولات الالتفاف على الدور الفرنسي في لبنان.
براك في بيروت؟
في هذا السياق تشير المعلومات إلى أنه من المتوقع أن يعقد اجتماع ثلاثي في بيروت، يضم الموفد الرئاسي الفرنسي جان إيف لودريان ، الموفد السعودي الأمير يزيد بن فرحان، في حال حضر الى بيروت، وسط معلومات عن امكان انضمام السفير توم براك اليهما، حيث تردد انه سيقوم بزيارة الى بيروت لساعات، يلتقي خلالها عددا من المسؤولين، بهدف بحث سبل تأمين مظلة دولية – إقليمية داعمة للمؤسسة العسكرية، يتولّى السفير الأميركي ميشال عيسى متابعة هذا الملف مع الجانب اللبناني، وبالتنسيق مع الفرنسيين والسعوديين، بينما يواكب التحضيرات السياسية واللوجستية للمؤتمر المرتقب، في حال انعقاده.
تحرك يتقاطع مع جهود فرنسية متواصلة لدعم الجيش اللبناني، في ظل توسّع مهامه، لا سيما جنوباً، وتزايد الأعباء اللوجستية والمالية المفروضة عليه، حيث لعبت باريس في محطات سابقة، أدواراً أساسية في تنظيم مؤتمرات دعم وتنسيق مساعدات للجيش، سواء على مستوى التمويل أو التجهيز أو التدريب، كما يتقاطع هذا المسار مع إجماع داخلي عبّرت عنه القوى السياسية والنيابية أخيراً، على أولوية تحصين المؤسسة العسكرية وتوفير مقومات عملها، بالتوازي مع نقاشات الموازنة والدعم الاستثنائي للجيش، في ظل مرحلة إقليمية دقيقة تستوجب تثبيت الاستقرار.
ومن ضمن الحراك الدبلوماسي أيضًا، ما بدأته اللجنة الخماسية بلقاء رئيس الحكومة نواف سلام، حيث من المتوقع أن تزور قصر بعبدا للقاء رئيس الجمهورية، تحت العناوين نفسها التي ناقشتها مع رئيس الحكومة، أي القوانين الإصلاحية، والإجراءات جنوب الليطاني، وحثّ الدولة اللبنانية على البدء بالمرحلة الثانية من خطة الجيش.
التصعيد مستمر
وفيما تتحدث المعطيات بأن الأسابيع القليلة المقبلة ستؤشّر إلى مرحلة وحقبة جديدة، يواصل العدو الإسرائيلي اعتداءاته»، مستخدماً قنابل حديثة تسلمتها من صناعاتها العسكرية، ومن الولايات المتحدة الاميركية، وهو ما تبين وفقا للكشوفات الفنية على مواقع الغارات في المنطقة الصناعية في صيدا وفي كفرحتى، ما ينذر بمزيد من التصعيد، لكن من دون حرب واسعة.
اوساط دبلوماسية، اكدت إن التصعيد الإسرائيلي رسالة سياسية «قصيرة المدى» لإعادة ملف حصر السلاح إلى الواجهة، وليس تمهيدا لحرب شاملة، مشيرة الى انها لا ترى في المرحلة الحالية قرارا إسرائيليا بالذهاب إلى حرب واسعة مع لبنان، لافتتا إلى أن الولايات المتحدة تميز بين الضغط العسكري المحدود وبين الذهاب إلى مواجهة شاملة، فهي لن تغطي حربا واسعة، لكنها في الوقت نفسه لن تمنع إسرائيل من مواصلة الضغط.
بيان المطارنة الموارنة
وفي موقف داعم لمواقف رئيس الجمهورية وتوجهاته، خرج امس مجلس المطارنة الموارنة ليؤمن غطاء الكنيسة لما اعلنه رئيس الجمهورية في الذكرى السنوية الاولى لوصوله الى بعبدا،في اطار تشخيص «الاباء والاساقفة» الدقيق للمرحلة الانتقالية الخطرة، التي يتداخل فيها الداخل اللبناني الهش مع ارتدادات الصراع الإقليمي، ولا سيما السوري منه، ومع تحولات دولية تفتح نافذة فرص ضيقة أمام دولة تتآكل مؤسساتها منذ سنوات، رابطين بشكل مقصود بين «التفاوض، والاستقرار، واستعادة الثقة بالدولة»، مؤكدين «على الطابع المدني للتفاوض الحدودي، وعلى معالجة عادلة لملف الودائع، وعلى حصر السلاح»، واضعين موقفهم كجرس إنذار أخير، قبل أن تصبح التحذيرات بلا جدوى، على ما يؤكد احد المشاركين.
واشار المصدر الى ان التحذير من محاولات نقل النزاعات المزمنة في سوريا إلى لبنان يحمل في طياته خشية من تكرار سيناريوهات عرفها اللبنانيون سابقًا، حين تحوّل بلدهم إلى ساحة بديلة لتصفية الحسابات، سواء تحت عنوان الأصوليات المتطرفة أو عبر عودة أطماع سلطوية قديمة بثوب جديد، من هنا، أتت الدعوة إلى تعاون صادق بين بيروت ودمشق كضرورة وقائية، لا كخيار سياسي، هدفها منع الانفجار قبل وقوعه، لا إدارة نتائجه بعد فوات الأوان.
وكشفت المصادر، ان البيان وضع مسؤولية مباشرة على عاتق أهل الحكم، حين تحدث عن «فرصة إقليمية ودولية» نادرة، في إشارة واضحة إلى مناخ دولي أقل عدائية وأكثر ميلاً إلى التسويات، لكنه في الوقت نفسه مشروط بقدرة الداخل على إنتاج حد أدنى من التوافق، «فبكركي لا تراهن على الخارج بقدر ما تحذّر من إضاعة لحظة قد تكون الأخيرة قبل الانزلاق إلى تفكك أعمق».
الانتخابات النيابية
ووسط الاصرار الدولي، الذي عبر عنه السفير المصري، نيابة عن سفراء «خماسية باريس، حول ضرورة اتمام الاستحقاق النيابي في موعده، وهو ما يصر عليه كل من رئيسي الجمهورية والمجلس النيابي، برز الى الواجهة عائق جديد، تمثل في التشكيك بوجود اعتمادات مالية كافية لانجاز الانتخابات، ما ردت عليه مصادر في «الداخلية» مؤكدة، أن الاعتمادات المرصودة لهذه الغاية في موازنة الوزارة كافية مبدئيا لتغطية نفقات العملية الانتخابية، اضافة الى ان جهات مانحة ابدت استعدادا لتقديم الدعم، خصوصًا على الصعيد التقني، كذلك مجلس النواب الذي وعد بتوفير اعتمادات إضافية للمحافظات، لضمان تغطية الاحتياجات اللوجستية والعملية، ما يتيح بالتاكيد إجراء الاستحقاق ضمن المواعيد المحددة.
من جهتها اشارت اوساط سياسية، الى أن رئيس الجمهورية قصد بالتأجيل التقني لا السياسي، أن المدة محددة ومرتبط بظروف فنية ولوجستية، تتصل بإمكان تأخير الانتخابات شهرًا أو شهرين كحدّ أقصى، بهدف تمكين اللبنانيين المنتشرين الراغبين في الاقتراع من القدوم إلى لبنان خلال فصل الصيف، وهو ما يستوجب دستوريًا وقانونيًا تمديد ولاية مجلس النواب للفترة التي يُرجأ فيها الاستحقاق.
جديد قضية رياض سلامة
قرّرت الهيئة الاتهامية في بيروت إحالة الحاكم السابق لمصرف لبنان رياض سلامة إلى محكمة الجنايات، في واحدة من أبرز القضايا المالية المفتوحة بحقه، على خلفية ملف يُعرف بـ«حساب الاستشارات» داخل المصرف المركزي. وشملت الإحالة محاميين هما ميشال تويني ومروان عيسى الخوري، مع توجيه اتهامات تتعلق باختلاس أموال عامة، والتزوير، والإثراء غير المشروع. كما صدرت مذكرات توقيف في إطار القضية، وطلبت النيابة العامة المالية استكمال التحقيقات بشأن مسار الأموال وآليات إدخالها إلى المصارف وإخراجها منها. وفي المقابل، نقلت مصادر متابعة للملف أن الأموال موضوع الملاحقة ليست مالاً عاماً بل أموال خاصة، معتبرة أن مجريات الأيام المقبلة ستُظهر حقيقة طبيعتها القانونية. ويُسجَّل أن سلامة ينفي التهم المنسوبة إليه، فيما تفتح الإحالة القضائية مرحلة محاكمة يُرتقب أن تكون مفصلية في مسار الملفات المرتبطة بأداء المصرف المركزي خلال السنوات الماضية.