ظهر الارتباك في الخطاب الأميركي الإسرائيلي مبكراً أمام الثبات الإيراني في اليوم الرابع للحرب، وكانت أولى علامات الارتباك هي الحديث عن الجهة التي فرضت قرار الحرب، بعدما قال وزير الخارجية الأميركية ماركو روبيو في إحاطة لأبرز نواب الكونغرس أن الرئيس دونالد ترامب ذهب للحرب بعدما تأكد أن “إسرائيل” ستفعل ذلك وأن القوات الأميركية سوف تتعرّض للأذى ما لم تقم بخوض حرب مشتركة مع “إسرائيل”، وقبل أن يتراجع كان رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو قد صرّح بأن قرار الحرب اتخذ بالشراكة بينه وبين الرئيس ترامب، وطال الارتباك كلام ترامب نفسه بالحديث عن فرص التفاوض وبعدما كان قد تحدّث عن اتصال القيادة الجديدة في إيران به للتحدث والقول سوف أتحدّث معهم، عاد للاعتراف أن هذا الكلام غير صحيح وأن إيران لا تريد التفاوض، بينما كانت “إسرائيل” تعلن عن نجاحها باستهداف اجتماع لمجلس الخبراء في القيادة الإيرانية لانتخاب مرشد جديد للجمهورية الإسلامية في إيران خلفاً للإمام الخامنئي، وتحدّثت عن مقتل أعضاء المجلس الـ 88، وتبعت ذلك حملة ترويج عن الكفاءة الإخباريّة العالية لـ”إسرائيل”، خرجت المعلومات الإيرانية عن استهداف المقرّ مع إيضاح أن المجلس لم يكن منعقداً، وأنه يعقد جلساته لا حضورياً وعن بُعد فصمتت “إسرائيل” على الفضيحة، وتكاثرت الأمثلة على الأرتباك في الحديث عن مدة الحرب وكيفية إنهائها، بينما كان خبراء أميركيون يتحدثون عن نجاح إيران بالحفاظ على وتيرة يومية لإطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة بما مجموعه 200 إطلاق كل يوم، والنجاح بتدمير القواعد والتجهيزات التقنية والاستخبارية الأميركية في منطقة الخليج وعدد غير معلوم من القتلى بين الجنود الأميركيين، فيما بدت “إسرائيل” تحت وطأة ضربات مؤلمة للصواريخ الإيرانية تقدّم كل يوم صورة ضربة قويّة تسبب الصداع بحجمها ونوعيّة الدمار الذي تخلّفه.
في النقاش حول مسار الحرب بدا الرئيس ترامب يعترف بالفشل في مشروع إسقاط النظام مع الكشف عن دعوته للميليشيات الكردية الانفصالية لتولي زمام المبادرة عبر الحدود العراقية، وهو المشروع الاحتياطي الذي كان وراء غضب تركيّ تُرجم بتسريع روزنامة تحجيم تنظيم قسد في سورية، ويتحدّث الأتراك عن استعداد لفعل المستحيل لمنعه مجدداً، نظراً لما يترتب على اللعب بالعصبية الكردية من إثارة خطر التقسيم في دول المنطقة.
لبنانياً نجحت المقاومة باستعادة صورتها المبهرة في الميدان، بعد عودتها لتحمّل مسؤولية مواجهة الاعتداءات الإسرائيلية والتعهّد بمنع التوغل الإسرائيلي في الأراضي اللبنانية، وترجمت موقفها بعشرات الصواريخ وعدد من الطائرات المسيّرة استهدفت مناطق توزّعت بين الجولان وإصبع الجليل وحيفا وتركزت على قواعد ومنشآت عسكرية، بينما كانت وحدات المقاومة الخاصة تستهدف بالتوالي دبابات ميركافا حاولت الدخول والتمركز داخل الأراضي اللبنانية، وكانت حصيلة يوم واحد إحراق وتدمير خمس دبابات ميركافا.
تشهد الساحة اللبنانيّة تصعيدًا غير مسبوق على المستويين الأمني والسياسي، في ظلّ استمرار الاعتداءات الإسرائيليّة والتوتّر المتصاعد على الحدود الجنوبيّة، وما رافقه من إعادة تموضع للجيش اللبناني وتوسّع رقعة المواجهة مع حزب الله. وعليه تشهد الحدود توترًا متصاعدًا، مع استمرار الغارات الإسرائيلية والإنذارات المعادية التي تأمر بإخلاء القرى والبلدات الجنوبية. وكانت المعلومات أفادت بأنّ الجيش اللبناني قام بإخلاء عدد من مواقعه المتقدمة عند الحدود الجنوبية إلى نقاط أخرى للتمركز فيها. كما أفاد مصدر أمني لبناني بأن الجيش نفّذ إعادة تموضع لجنود كانوا ينتشرون في نقاط حدودية مستحدثة، موضحاً أن هذه النقاط جرى استحداثها خلال الشهرين الماضيين، وأن عملية إعادة التموضع جاءت على خلفية التصعيد الإسرائيلي، وفق ما ذكرت «الوكالة الوطنية للإعلام».
ووفق المعلومات فإن الجيش قام بإخلاء مواقعه الحدودية في بلدات عيتا الشعب والقوزح ودبل ورامية وعين إبل ورميش باتجاه مركز الجيش في بلدة عيتيت. في حين ذكرت إذاعة العدو أنّ قوات برية إسرائيلية دخلت إلى الجنوب اللبناني.
وكان وزير الحرب الإسرائيلي يسرائيل كاتس أعلن أنه “تمّت المصادقة على أن يتقدم الجيش الإسرائيلي ويسيطر على مناطق مرتفعة إضافية في لبنان”. في وقت ذكرت هآرتس عن مصادر أنّ الجيش الإسرائيليّ يعتزم مواصلة إخلاء خطّ القرى الأول والثاني في جنوب لبنان.
وأعلنت اليونيفيل، أن “قوات حفظ السلام رصدت جنوداً من الجيش الإسرائيلي يعبرون إلى مناطق لبنانية قرب مركبا والعديسة وكفركلا وراميا قبل عودتهم جنوب الخط الأزرق”.
وأوضحت أنه “منذ النزاع الأخير واتفاق وقف الأعمال العدائية، حافظ الجيش الإسرائيلي على خمسة مواقع ومنطقتين عازلتين داخل لبنان، في انتهاك للقرار 1701. وخلال اليومين الماضيين، بالإضافة إلى عشرات الصواريخ والقذائف التي أطلقها حزب الله على “إسرائيل”، سجلت اليونيفيل عدة غارات جوية ومئات حوادث إطلاق نار عبر الخط الأزرق و84 انتهاكاً جوياً”.
وأكدت اليونيفيل أنها “تتواصل باستمرار مع الطرفين اللبناني والإسرائيلي، وكذلك مع الميكانيزم، للدعوة إلى خفض التصعيد. وعلى الرغم من الظروف الصعبة للغاية، تواصل قوات حفظ السلام أداء المهام الموكلة إليها بموجب القرار 1701، وستواصل إبلاغ مجلس الأمن عن التطورات”.
أفادت وسائل إعلامٍ العدو، نقلًا عن الجيش الإسرائيليّ، بإطلاق ثلاثة صواريخ من لبنان باتّجاه تلّ أبيب ومنطقة حيفا، في تطوّرٍ وصف بأنّه أوّل هجومٍ صاروخيٍّ بعيد المدى في سياق الجولة الحاليّة من التّصعيد بين “إسرائيل” و”حزب الله”. وقالت تقارير إسرائيليّةٌ إنّ صافرات الإنذار دوّت في تلّ أبيب ومناطق واسعةٍ من وسط “إسرائيل”، إضافةً إلى أجزاءٍ من الشمال، عقب إطلاق الصواريخ.
ونقلت القناة 12 الإسرائيليّة عن مسؤولٍ أمنيٍّ رفيعٍ قوله إنّ “حزب الله يحوّل لبنان إلى ساحةٍ مركزيّةٍ إلى جانب إيران”، في إشارةٍ إلى اتّساع رقعة المواجهة وربط الجبهة اللبنانيّة بالتصعيد الإقليميّ الأوسع. وفي السياق نفسه، أفادت القناة 13 الإسرائيليّة بأنّ “إسرائيل” تعمل على عدم ربط الحرب على لبنان بالحرب على إيران، بالتوازي مع استعدادها لحربٍ طويلةٍ ضدّ “حزب الله”، ونقلت “رويترز” عن المتحدّث العسكريّ الإسرائيليّ ناداف شوشاني من أنّ “إسرائيل” تستعدّ لحملةٍ قد تستمرّ “أسابيع” في الحرب مع إيران.
أعلن جيش العدو الإسرائيليّ أنّه يمنح ممثّلي إيران في لبنان مهلة 24 ساعةٍ لمغادرته، محذّرًا ممثّلي النظام الإيرانيّ من البقاء على الأراضي اللبنانيّة فورًا قبل استهدافهم.
في ظلّ التصعيد الأمني والتحدّيات الإقليميّة، أكّد رئيس الجمهوريّة جوزاف عون تمسّك الدولة بحصريّة قرار السلم والحرب، معتبرًا أنّ هذا الخيار نهائي ولا رجوع عنه. كما دعا المجتمع الدولي إلى الضغط على “إسرائيل” لوقف اعتداءاتها، مجدّدًا التزام لبنان بالمسار الدبلوماسي حفاظًا على الأمن والاستقرار إضافةً إلى الاستعداد الكامل لاستئناف المفاوضات في هذا الشأن، بمشاركةٍ مدنيّةٍ ورعايةٍ دوليّة. وشدّد على أنّ إطلاق الصواريخ أمس باتّجاه الأراضي المحتلّة جرى من خارج منطقة جنوب الليطاني، حيث ينتشر الجيش اللبنانيّ الذي يقوم، بدوره كاملًا في هذه المنطقة وفي غيرها من المناطق اللبنانيّة.
وفي هذا الإطار، حظيت قرارات الحكومة بدعم دول «اللجنة الخماسيّة»، التي شدّدت على ضرورة تعزيز دور الجيش اللبناني ومنع أي ممارسات تمسّ بسيادة الدولة، وفي السياق نفسه، أكّد السفير المصري علاء موسى باسم اللجنة الخماسيّة الوقوف الكامل إلى جانب الدولة اللبنانيّة، ودعم قرارات مجلس الوزراء، معتبرًا أنّ العمل الدبلوماسي يشكّل السبيل الأنجع لاحتواء الأزمة ومنع توسّعها. وأكد أنّ الدول المعنيّة لا تزال ملتزمةً بدعم الجيش اللبنانيّ، وأنّ المؤتمر سيعقد في فرنسا عندما تسمح الظروف بذلك، مشيرًا إلى أنّ الأوضاع الراهنة تحول دون وصول المسؤولين إلى باريس للمشاركة فيه.
كما أجرى الرئيس عون سلسلة اتصالات دوليّة، أبرزها مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، بهدف حشد الدعم السياسي والديبلوماسي للبنان. ووضعه في صورة الوضع في الجنوب، على ضوء دخول قوّاتٍ إسرائيليّةٍ إلى عددٍ من القرى والبلدات الجنوبيّة، وتوافر معلوماتٍ عن استمرار هذا التوغّل، طالبًا من فرنسا التدخّل لوضع حدٍّ له.
وشدّد الرئيس ماكرون على دعم بلاده المستمرّ للبنان في مختلف المحافل الدوليّة، مثنيًا على القرارات الحكوميّة الأخيرة التي تعزّز سيادة الدولة وحصريّة السلاح، ومؤكّدًا استعداد فرنسا للمساهمة في الجهود الرامية إلى وقف التصعيد وحماية الاستقرار.
وفي قصر بعبدا، استقبل الرئيس عون قائد الجيش العماد رودولف هيكل، الذي أطلعه على آخر تطوّرات الوضع في الجنوب واستمرار القصف على عددٍ من المناطق اللبنانيّة.
كما استقبل المنسّقة الخاصّة للأمم المتّحدة في لبنان جينين هينيس – بلاسخارت، وعرض معها مستجدّات الوضع الأمنيّ في ضوء توسّع الاعتداءات الإسرائيليّة في الجنوب والبقاع، وتوغّل قوّاتٍ إسرائيليّةٍ في عددٍ من القرى الحدوديّة، طالبًا من المسؤولة الأمميّة متابعة ما يجري والعمل على وقف التمدّد الإسرائيليّ داخل الأراضي اللبنانيّة.
في المقابل صدر عن “حزب الله” بيانٌ أكّد فيه أنّ العدوان الإسرائيليّ على لبنان مستمرٌّ منذ خمسة عشر شهرًا، عبر القتل والتدمير والتجريف، وبمختلف أشكال الإجرام، معتبرًا أنّ كلّ التحرّكات السياسيّة والدبلوماسيّة لم تنجح في لجم هذا العدوان أو إلزام “إسرائيل” بتطبيق اتّفاق وقف إطلاق النار ومستلزماته.
وقال الحزب إنّه حذّر مرارًا من أنّ استمرار العدوان من دون ردٍّ، وتواصل عمليّات الاغتيال والتدمير، أمران لا يمكن أن يستمرّا، مشيرًا إلى أنّ المطلوب هو وضع حدٍّ لهذا العدوان بكلّ الوسائل المتاحة، وبـ”الحرارة والتحرّك الفعّالين”.
وأضاف البيان أنّه لا يمكن تبرير العدوان المستمرّ بأيّ ذرائع، معتبرًا أنّ المواجهة “حقٌّ مشروعٌ”، وأنّ ما قامت به “المقاومة الإسلاميّة” يُعدّ ردّ فعلٍ على العدوان، انطلاقًا من حساباتٍ وطنيّةٍ بالدرجة الأولى، ومن حقّ السعي إلى استجلاب الأمن والاستقرار للأهالي والمناطق على امتداد لبنان.
وشدّد “حزب الله” على أنّ ردّ “المقاومة الإسلاميّة” على ثكنةٍ عسكريّةٍ في “الكيان الغاصب” يندرج في إطار العمل الدفاعيّ، ويشكّل “حقًّا مشروعًا”، داعيًا المعنيّين والمهتمّين والمسؤولين إلى التوجّه نحو وقف العدوان بوصفه السبب المباشر لكلّ ما يجري في لبنان.
وقال رئيس المجلس السياسي لحزب الله محمود قماطي “انتهى سياق الصبر ولم يعد أمامنا سوى العودة إلى المقاومة وإذا أرادتها “إسرائيل” حربًا مفتوحة فلتكن”.
وأضاف: “قدّمنا كل التعاون والإيجابية في كل الاستحقاقات الوطنية وسلمنا السلاح جنوب نهر الليطاني والتزمنا باتفاق وقف إطلاق النار بشكل صارم، وكانت النتيجة العدوان اليوميّ المستمر على وطننا ولم تستطع السلطة التوصل إلى أيّ إنجاز يتعلق بالتحرير للأرض والأسرى ووقف الاستباحة ولا بإعادة الإعمار”. وتابع: “إن هذا العدوان الصهيوني الجديد على لبنان كان محضراً وجاهزاً ولا يحتاج الى ذريعة وكان سيحصل عاجلاً أم آجلاً. انتهى سياق الصبر الدي لم يبقِ أمامنا سوى العودة للمقاومة”.
وقال قماطي: “ليتنا رأينا غضبة الحكومة وعنترياتها على المجازر الإسرائيلية في لبنان، خصوصاً في الجنوب والبقاع والضاحية، وليس الغضب والافتراء على المقاومة التي بعد صبر طويل ومرير وموجع قامت بردّ رمزي والذي لن يستمرّ رمزياً بعد التصعيد الأخير للعدو على لبنان”.
وأضاف: “عار على هذه الحكومة التي تحتجّ على مقاومة الاحتلال ولا تستفيد منها، بينما تسكت على الاحتلال الصهيوني والذل والعار وتعمل ليل نهار للقضاء على قوة الوطن ولن تستطيع ذلك مهما قرّرت ومهما فعلت لأن ذلك مخالف للوطنية والسيادة”. وتابع: “هذه الحكومة هي الخارجة عن القانون الدولي الذي يجيز للشعوب مقاومة الاحتلالات، وهو قانون يعلو على كل السلطات المحلية وقراراتها وقوانينها. أرادها العدو الصهيوني حرباً مفتوحة لم يوقفها منذ قرار اتفاق وقف إطلاق النار فلتكن حرباً مفتوحة والله المستعان والنصر للوطن والشعب والمقاومة”.
أعلن رئيس التيار الوطني الحر النائب جبران باسيل رفضه لما وصفه بـ”حرب إسناد إيران”، معتبراً أن لبنان أُدخل مجدداً في حرب لا مصلحة له فيها، ومؤكداً دعم توجّهات رئيس الجمهورية والحكومة في حصر قرار الحرب والسلم وحصر السلاح بيد الدولة.
واعتبر أن إعطاء “حجّة من الباب الإيراني لا اللبناني” يشكل “جريمة بحق البيئة الحاضنة والوطن”، لافتاً إلى أن السكوت 15 شهراً عن الرد على “إسرائيل”، مقابل الرد السريع على ما تعرّضت له إيران، يطرح علامات استفهام حول خلفيات القرار.
وشدّد باسيل على تأييده توجّهات رئيس الجمهورية والحكومة لجهة حصر قرار الحرب والسلم بيد الدولة، واعتبار أي عمل عسكري أو أمني خارج إطارها عملاً خارج الشرعية والقانون.
وأضاف أن “السلاح الذي لعب دوراً مشهوداً في التحرير عام 2000، خسر وظيفته الدفاعيّة في 8 تشرين الأول 2023، وخسر دوره الرادع بسبب حرب الإسناد، فسقطت معادلة الردع وحلّت مكانها معادلة الاستباحة”.