الرئيس جوزاف عون أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة:
سيداتي سادتي، في كلِ ما سبق، أؤكدُ لكم أن لبنانَ لا يطلبُ امتيازاً. بل مسؤولية دولية عادلة منصفة، تُعيدُه إلى رسالتِه، مستقَراً للحريةِ والتعددية معاً. وهو ما جعلَ جمعيتَكم الموقّرة تتبنى في 16 أيلول 2019، طلبَ لبنانَ إقامةَ “أكاديميةِ الإنسانِ للتلاقي والحوار” على أرضِه. قرارٌ غيّبته سلسلةُ أزماتِ الأعوامِ الماضية. لكننا قررنا إعادةَ إحيائه، كي نؤكدَ لأنفسِنا وللعالمِ أجمع، أنّ لبنانَ قد عادَ إلى مكانِه تحت شمس الأمم، وإلى مكانتِه في الأممِ المتحدة، منبراً لقيمِ الإنسانِ والإنسانية.
أقفُ الآن أمامَكم متحدثاً عن السلامِ والتنمية وحقوقِ الإنسان.
فيما بعضُ أهلي يُقتلون. ومناطقُ من أرضي محتلة. ووطني وشعبي معلقان بين الحياةِ والموت.
تعيدُني هذه الدوّامة سبعةً وسبعين عاماً في الزمن.
إلى لجنةِ صياغةِ الإعلانِ العالمي لحقوقِ الإنسان سنة 1948.
في ذاتِ نقاش، تدخلت الراحلة الكبيرة إليانور روزفلت مؤيدةً لرأيِ أحدِ الأعضاء، “كي لا يظلَّ وحيداً”، كما قالت للحاضرين.
أجابَها صاحبُ الرأيِ المخالف باحترامٍ: “سيدتي الجليلة، صدّقيني إنّ ما يهمُّني، ليس أن يكونَ رأيي متوافقاً مع أكثريةٍ أو أقلية. بل أن يكونَ متطابقاً مع الحقيقة”.
صاحبُ هذا القول لم يكنْ غيرَ شارل مالك. الفيلسوفُ اللبناني الذي ساهمَ مع كبارِ الفكر الحقوقي الإنساني يومَها، في إعطاءِ البشرية ذلك الإعلانَ الخالد. والذي أُعطيَ شرفَ رئاسةِ هذه الجمعية الموقرة بين عامي 1958 و 1959، ممثلاً لبلدي لبنان.
واجبنا الإنساني والأخلاقي والسياسي، يوجبُ الدعوةَ إلى وقفٍ فوري للمآسي المرتكبة في غزة، وإحياءِ مسارٍ سياسي جاد، يُفضي إلى حلٍ دائمٍ وعادلٍ للقضية الفلسطينية، على قاعدةِ قراراتِ الشرعيةِ الدولية، ومبدأِ حلِ الدولتين، وحقِ الدولتين، في الوجودِ المتزامنِ الآمن وكرامةِ الحياة. تماماً كما أقرت جمعيتُكم العمومية أخيراً، بغالبية 142 دولة من أصل 164، عبر إعلانِ نيويورك.
ثاني الأعباءِ التي يتحملُها لبنانُ راهناً، حالةُ نزوحٍ على أرضِه هي الأكبرُ في التاريخ، نسبةً إلى عددِ السكان. ورهانُنا هنا، على شراكتِنا مع الأممِ المتحدة ووكالاتِها المختصة، وعلى الإخوة في سوريا، في مفاوضاتِنا معهم، مباشرةً، كما برعايةٍ مشكورةٍ من المملكة العربية السعودية، للتوصّل إلى اتفاقاتٍ وتفاهماتٍ في مختلفِ مجالاتِ علاقاتِنا الثنائية، تؤدي إلى استعادةِ سوريا لمواطنيها أَعزاءَ آمنين، واستعادةِ لبنانَ وسوريا لعلاقاتٍ مميزة وحُسنِ جوارٍ وتعاونٍ متكاملٍ في شتى المجالات. بما يتخطى التباساتِ كلِ الماضي ويمحوها.
يبقى عبءٌ ثالث، هو إعادةُ إعمار ما هدّمه العدوانُ الاسرائيلي على لبنان. من بنىً تحتية ضرورية لعودةِ الدولة اللبنانية إلى المناطقِ الحدودية. ومن منازلَ وقرىً جرفَها العدوان، ولا استقرارَ بلا عودتِها بهيةً أبية.
إضافةً إلى توفيرِ المقدرات اللازمة لقواتِنا المسلحة الشرعية، للقيامِ بمهامِها في الدفاعِ الحصري عن أرضنا. وهو ما نعوّلُ لتأمينِه، على المبادراتِ والتعهداتِ المعلنة، لتنظيمِ مؤتمراتٍ دولية مخصصة لذلك.