صدر عن دار نلسن، كتاب "مسار العَلاقات العرَبيّة - الأميركيّة... غزّة ماذا بعد؟" للكاتب حسين كنعان. وجاء في مقدمة الكتاب: عندما كنتُ أُدرّسُ مادة "مُستقبل العَلاقات العرَبيّة- الأميركيّة" في الجامعة الأميركيّة في بيروت ارتسَم أمامي تساؤلٌ لازمني باستمرار: لماذا لا تحُلّ أميركا أزمَة الشرق الأوسط بطريقةٍ عادِلة وتُعطي كلّ صاحب حقّ حقَّه، لا سيّما أن لديها قُدرة على ذلك؟ دفعني هذا التساؤل إلى التوقّف عند أمرين:
- أولهما: هل تريد أميركا إبقاء بؤرة التفجير الساخِنة قائمة في المِنطقة لأهداف تعرفُها وحدها وتعرفُ أبعادَها؟ يعتقد بعض المُحلّلين الاستراتيجيّين بأن هذه الأبعاد ترتكزُ على استمرار الوضع على ما هو عليه لإبقاء التوتّر الدائم والحرب بسبب الصّراع العرَبي الإسرائيلي، وعدم السماح لأي دولة عرَبيّة باحتواء دولة أو دول عرَبيّة أخرى، بمعنى آخر الوقوف في وجه أي اتحاد أو وحدة عرَبيّة، كما حصل إبان الفترة الناصريّة، كلّ ذلك يُساعد الولايات المُتّحدة على السيطرة على الثروة البتروليّة التي من خلالها تُهيمن على الاقتصاد العالمي. -ثانيهما يتعلّق بتركيبة النِظام السياسي الأميركي وأسلوب عمله:
أولًا: دور القِوى الضاغِطة وما أكثرها، تحديدًا الدور الذي تقوم به مُنظّمة "أيباك" AIPAC (لجنة الشؤون العامّة الأميركيّة الإسرائيليّة)، وقِوى الضغط الديني المُتمثلة في The New Born Xians، والمُحافِظين الجُدد.
ثانيًا: الدورات الانتخابيّة وكأنها على الأبواب بالنسبة إلى كلّ المسؤولين وبخاصّة الرئيس والكونغرس.
ثالثًا: الرئيس الأميركي الذي يتمتّع بحقّ الترشّح لدورتين مُتتاليتين بفاصِل أربع سنوات، وهو المسؤول عن السياسة الخارجيّة، وفق ما ينصّ الدُستور. بسبب الانتخابات يُصبح هذا الرئيس أسير القِوى الضاغِطة في الداخل. تدلّ الدراسات أن معظم الرؤساء وظّفوا السياسة الخارجيّة في خِدمة الانتخابات.
رابعًا: هل يتوجّب على كلّ دولة في العالم أن تؤسّس لنفسها قِوى ضاغِطة داخل أميركا لتستطيع التأثير على السياسة الأميركيّة وفق مقولة إن السياسة الخارجيّة هي امتداد فعلي وطبيعي للسياسة الداخليّة؟ وهل أصبحت أقوى دَولة في العالم لا تملِك سياسة خارجيّة واضحة بل سياسة داخليّة وعلى ضوئها تتمّ قراءة الفعل وردّات الفعل في المُستجدّات العالميّة؟
خامسًا: الجُرح البليغ الذي أصاب أميركا في الحادي عشر من سبتمبر 2001 جعل أميركا الحاليّة غير أميركا التي عرفناها سابقًا، وباتت لا ترحَم بعد تعرُّض أمنِها الداخلي للخطَر، وقد آلت على نفسِها ضرب الإرهاب في كلّ مكان، وضرب الدُول التي تحميه وتتعاون معه. في هذا المناخ قامت القِوى الصُهيونيّة بدورها في استغلال هذا الوضع وتحميل العرَب مسؤوليّة ما حصل وكأن العرَب كلّهم من مدرسة طالبان.
سادسًا: لا يُخفى على أحد أن أميركا هي القوّة الخارِقة في العالم، لا يُنازعها أحد على ذلك، وهي تعمل على تأكيد مبدأ القوّة على الصعيد: السياسي والاقتصادي والعسكَري والثقافي. مع الاعتراف بهذه القوّة وبالجُرم الشنيع الذي أصابها في الحادي عشر من سبتمبر، ثمة اعتراف بأن كلّ دُول العالم، بما فيها الدُول العرَبيّة، وقفت معها لدرء هذا الخطَر المُحدق الذي لا يسلَم منه المدنيّون والأبرياء في أرجاء العالم وليس في أميركا وحدها. إذا كان الإرهاب طرق باب أميركا في الحادي عشر من سبتمر، فإن الأنظِمَة العرَبيّة تعيش حالة إرهاب منذ أمد بعيد: إرهاب تُمارسُه الأنظِمَة على مُواطِنيها، وأكبر دليل على ذلك حُكم صدّام حسين الذي استعمل قوّة قمع مركزيّة لا تسمح لأحد بأن يُخالف أو ينتقد أو يُعارض أو يُطالب بالتغيير، فقد كان سلاح الأنظِمَة في وجه شُعوبها بحجّة التحضير إلى التوازُن الاستراتيجي والعسكَري مع العدو، وعدم إعطاء التغيير أولويّة على القضيّة الكُبرى (الصّراع مع إسرائيل). كثيرة هي أسباب المُعاناة والقهر لدى الشُعوب العرَبيّة، ولكن هذه الشُعوب على يقين بأن القِسط الأوفر يأتي من الولايات المُتّحدة الأميركيّة في تعزيز سُلطة هؤلاء الفاسِدين والمُفسِدين من الحُكّام العرَب وعدم سعيها إلى حلّ القضيّة الفِلسطينيّة التي تُعدّ مركزيّة عند كلّ عرَبي. المُتغيّرات التي أطلّت في القرن الحادي والعشرين، محورُها أن أميركا تتحلّى بقوّة لم تحظَ بها أي دولة في التاريخ، لكنها تُقاتل شبحًا ضعيفًا لا تعرف أين يختبئ وماذا يريد.في بحثنا هذا نُحاول التوقّف عند مقولة بعض المُحافِظين الجُدد الذين يدّعون بأن الإرهاب يكمُن لدى المُسلمين والإسلام، وتسليط الضوء على أن الإسلام بريء كليًّا من هذه التُهم، وأن الإسلام ليس إسلام طالبان ولا إسلام بن لادن. لا يجوز أن يكون ردّ فعل الولايات المُتّحدة على الأُصوليّة الإسلاميّة وطالبان بأُصوليّة أُخرى من قبل المُحافِظين الجُدد وThe New Born Xians، لأن الأُسرة الدوليّة تُطالِب أميركا، اليوم قبل الغد، بأن تكون مسؤولة عن الاستقرار والأمن العالميّين.في الجزء الثاني، نركز على اليقظة الدينيّة الجديدة وحالة الجِدال والنِقاش التي عاشها الأميركيّون حول الإيمان ودور الدَولة العِلمانيّة والكنيسة، وهذا ما أخاف الأميركيّين خاصّة إذا ما نظروا إلى ماضيهم ودور الآباء المؤسّسين وليس إلى المسيحيّين الجُدد في مسألة قيام الأُمة الأميركيّة. يقول غاندي: "ولد الإنسان ليعيش لا ليُقاتل". هكذا تعامل جيفرسون وماديسون وهاملتون مع الشعب بهدف العيش الرغيد والحياة السعيدة بعيدًا عن التناحُر والانفصام في شؤون الدين والإيمان. في الولايات المُتّحدة الأميركيّة اتسمت أديان كثيرة بالتعايُش من دون نفور أو كراهيّة، ولم يكُن لها، يومًا، تأثيرٌ فعّال على مجرى السياسة الأميركيّة، في الداخل والخارج، مع نَزعة جماعة The New Born Xians، كلّ ذلك بفضل النِظام العِلماني الوارد في الدُستور الأميركي. لدى استعراضنا الالتزام الديني عند الأميركيّين وطريقة مُمارستهم إياه، لا بدّ من الإشارة إلى المسيحيّين الجُدد الذين يريدون من أبناء المُجتمع تقبُّل كلّ ما جاء في الكتاب المقدّس، من دون تشكيك، باعتبار أنه معصوم من الخطأ، والنبوءات الواردة فيه صحيحة وحقيقيّة ويجب تطبيقها بالوسائل المُتاحة لدى المؤمنين. بنظرهم الإيمان بالله هو مُمارسة والتزام، هذا ما حاول الآباء المؤسّسون عدم الغوص فيه والابتعاد عن متاهاته، فقد عاشوا عصر شكسبير صاحب النزعة الإنسانيّة في أدبه وعاشوا عصر جون لوك John Locke الفيلسوف الإنسان الذي يركّز على الخير في طبيعة الإنسان، واعتبروا أن الخير هو في الإنسان ولا يتناقض مع القانون الطبيعي ولا الديني، فإذا كانت المُلكيّة حقّ إلهي للإنسان فإنها حقّ طبيعي وإنساني في الوقت ذاته، لذلك لا يوجد تعارُض أو تناقُض في الأمور الأساسيّة، أما ما ورد من أساطير في الدين فيجب أن تبقى بعيدة عن أمور الدَولة، وإذا كانت النزعة التاريخيّة السائدة لدى جماعة البيورتانز(Puritans) والكويكرز (Quakers) واللوثريين والإنجيليّين هي أخلاقيّة، فمن يختلف معهم في ذلك، لا سيّما أن العَقد بين الله والإنسان هو ميثاق أخلاقي، فإذا اختُرق هذا الميثاق، يعني أن المنطِق الأخلاقي والإنساني أصبح في مهبّ الريح. في حال كان الأمر ضمن المنطِق الأخلاقي فلتبقَ أميركا عليه، وهي الأُمّة التي رفض الآباءُ المؤسّسون أن يترعرع التعصُّب والتطرُّف الديني في كنفها ، وهي الدولة التي عمِلت، منذ البداية، على تجفيف مُستنقعات التعصّب والتطرّف والتعالي وشنّ الحُروب وإكراه الناس وفرض الثقافة الأميركيّة الجديدة عليهم. في الخُلاصة، يمكن القول إن أميركا قويّة وفي قُدرتها مُجابهة أي تهديد مُحتمل على أمنِها بضربات وقائيّة استباقيّة أو مُباشرة، ولا تستطيع أي قوّة في العالم تهديد هذا الأمن إلا تلك القِوى الخفيّة التي لا تؤذي القوّة العسكريّة الأميركيّة مُباشرة بل المدنيّين الأبرياء. لكن على أميركا إدراك أن ليس بإمكانها وحدها القضاء على الإرهاب، بل تحتاج إلى التكافُل والتضامُن مع هيئة الأُمم والمُجتمع الدولي للتخلّص من هذا الشبح. في حال حصل هذا التضامُن يُصبح العالمُ أكثرَ أمنًا وسلامًا، عندئذ ينصرفُ المُجتمع العالمي إلى حلّ المشاكِل الاقتصاديّة والصحيّة والسياسيّة التي يواجهُها، ويضعُ حدًّا لجشع الشركات والأفراد على حِساب الفُقراء. ملايين من الأغنياء في العالم يملِكون ثمانين في المئة من الثروة العالميّة، فيما أفراد في بعض الدُول أغنى من دولهم، على النقيض من ذلك، يبلُغ دخل بعض الأفراد في الدُول الفقيرة دولارين في اليوم. لا نقصِد، في هذا الكتاب، تحميل أميركا مسؤوليّة الفَقر في العالم، بل نطالبُها والدول الغنيّة بالمساعدة على مُحاربتِه. لو صرَفت الولايات المُتّحدة الأموال التي تُنفقها على الانتخابات (وهي بالمليارات) لاستطاعت إطعام بعض البطون الخاوية. قلّة تعرف نِظام الانتخابات وطريقة التبرّع المُخصّصة لها.
تُعتبر هذه الأموال المؤشّر الرئيس الذي يدفعنا إلى الاستنتاج من هو الرابِح قبل إجراء الانتخابات. تُشكّل مُنظّمة "أيباك" (مجموعة ضغط تدافع عن السياسات المؤيدة لإسرائيل لدى السُلطتين التشريعية والتنفيذية في الولايات المُتّحدة الأميركيّة) المرجع الرئيس في هذه المُعادلة، تُحارب من هو ضّد إسرائيل وتدعم من هو معها.أذكر في هذا السياق السيناتور جيمس وليام فولبرايت (J. William Fulbright)، كان أحد ألمع الشخصيّات الأميركيّة وحتى العالميّة، ورئيسًا للجنة العَلاقات الخارجيّة في مجلس الشيوخ، ومن أبرز المُناهضين للسياسة الإسرائيليّة. في أحد تصريحاته اتهم يهود أميركا بأنهم مزدوجو الولاء ووصفهم بالشيوعيّين الموالين للاتحاد السوفياتي ولإسرائيل ضد أميركا، واتهم إسرائيل بأنها مُعتدية ولا تُريد السلام مع العرَب. على الفور شنت "أيباك" (تدير 38 مُنظّمة يهوديّة في أرجاء الولايات المُتّحدة) حربًا ضروسًا على السيناتور ووصفته بأبشع النعوت، وراحت تجمع المال وتهيّئ وسائل الإعلام لمُحاربته في الانتخابات، وكانت النتيجة أن خسر فولبرايت المعركة. هذا النظام الديمقراطي أعرج بسبب دور القِوى الضاغطة وتفرّدها إلى حدّ ما في الشؤون الانتخابيّة وتوظيفها المال لمُحاربة المُرشّح الذي يفضح سياساتها، ودعم المرشّح الذي يؤيّدها.
- أولهما: هل تريد أميركا إبقاء بؤرة التفجير الساخِنة قائمة في المِنطقة لأهداف تعرفُها وحدها وتعرفُ أبعادَها؟ يعتقد بعض المُحلّلين الاستراتيجيّين بأن هذه الأبعاد ترتكزُ على استمرار الوضع على ما هو عليه لإبقاء التوتّر الدائم والحرب بسبب الصّراع العرَبي الإسرائيلي، وعدم السماح لأي دولة عرَبيّة باحتواء دولة أو دول عرَبيّة أخرى، بمعنى آخر الوقوف في وجه أي اتحاد أو وحدة عرَبيّة، كما حصل إبان الفترة الناصريّة، كلّ ذلك يُساعد الولايات المُتّحدة على السيطرة على الثروة البتروليّة التي من خلالها تُهيمن على الاقتصاد العالمي. -ثانيهما يتعلّق بتركيبة النِظام السياسي الأميركي وأسلوب عمله:
أولًا: دور القِوى الضاغِطة وما أكثرها، تحديدًا الدور الذي تقوم به مُنظّمة "أيباك" AIPAC (لجنة الشؤون العامّة الأميركيّة الإسرائيليّة)، وقِوى الضغط الديني المُتمثلة في The New Born Xians، والمُحافِظين الجُدد.
ثانيًا: الدورات الانتخابيّة وكأنها على الأبواب بالنسبة إلى كلّ المسؤولين وبخاصّة الرئيس والكونغرس.
ثالثًا: الرئيس الأميركي الذي يتمتّع بحقّ الترشّح لدورتين مُتتاليتين بفاصِل أربع سنوات، وهو المسؤول عن السياسة الخارجيّة، وفق ما ينصّ الدُستور. بسبب الانتخابات يُصبح هذا الرئيس أسير القِوى الضاغِطة في الداخل. تدلّ الدراسات أن معظم الرؤساء وظّفوا السياسة الخارجيّة في خِدمة الانتخابات.
رابعًا: هل يتوجّب على كلّ دولة في العالم أن تؤسّس لنفسها قِوى ضاغِطة داخل أميركا لتستطيع التأثير على السياسة الأميركيّة وفق مقولة إن السياسة الخارجيّة هي امتداد فعلي وطبيعي للسياسة الداخليّة؟ وهل أصبحت أقوى دَولة في العالم لا تملِك سياسة خارجيّة واضحة بل سياسة داخليّة وعلى ضوئها تتمّ قراءة الفعل وردّات الفعل في المُستجدّات العالميّة؟
خامسًا: الجُرح البليغ الذي أصاب أميركا في الحادي عشر من سبتمبر 2001 جعل أميركا الحاليّة غير أميركا التي عرفناها سابقًا، وباتت لا ترحَم بعد تعرُّض أمنِها الداخلي للخطَر، وقد آلت على نفسِها ضرب الإرهاب في كلّ مكان، وضرب الدُول التي تحميه وتتعاون معه. في هذا المناخ قامت القِوى الصُهيونيّة بدورها في استغلال هذا الوضع وتحميل العرَب مسؤوليّة ما حصل وكأن العرَب كلّهم من مدرسة طالبان.
سادسًا: لا يُخفى على أحد أن أميركا هي القوّة الخارِقة في العالم، لا يُنازعها أحد على ذلك، وهي تعمل على تأكيد مبدأ القوّة على الصعيد: السياسي والاقتصادي والعسكَري والثقافي. مع الاعتراف بهذه القوّة وبالجُرم الشنيع الذي أصابها في الحادي عشر من سبتمبر، ثمة اعتراف بأن كلّ دُول العالم، بما فيها الدُول العرَبيّة، وقفت معها لدرء هذا الخطَر المُحدق الذي لا يسلَم منه المدنيّون والأبرياء في أرجاء العالم وليس في أميركا وحدها. إذا كان الإرهاب طرق باب أميركا في الحادي عشر من سبتمر، فإن الأنظِمَة العرَبيّة تعيش حالة إرهاب منذ أمد بعيد: إرهاب تُمارسُه الأنظِمَة على مُواطِنيها، وأكبر دليل على ذلك حُكم صدّام حسين الذي استعمل قوّة قمع مركزيّة لا تسمح لأحد بأن يُخالف أو ينتقد أو يُعارض أو يُطالب بالتغيير، فقد كان سلاح الأنظِمَة في وجه شُعوبها بحجّة التحضير إلى التوازُن الاستراتيجي والعسكَري مع العدو، وعدم إعطاء التغيير أولويّة على القضيّة الكُبرى (الصّراع مع إسرائيل). كثيرة هي أسباب المُعاناة والقهر لدى الشُعوب العرَبيّة، ولكن هذه الشُعوب على يقين بأن القِسط الأوفر يأتي من الولايات المُتّحدة الأميركيّة في تعزيز سُلطة هؤلاء الفاسِدين والمُفسِدين من الحُكّام العرَب وعدم سعيها إلى حلّ القضيّة الفِلسطينيّة التي تُعدّ مركزيّة عند كلّ عرَبي. المُتغيّرات التي أطلّت في القرن الحادي والعشرين، محورُها أن أميركا تتحلّى بقوّة لم تحظَ بها أي دولة في التاريخ، لكنها تُقاتل شبحًا ضعيفًا لا تعرف أين يختبئ وماذا يريد.في بحثنا هذا نُحاول التوقّف عند مقولة بعض المُحافِظين الجُدد الذين يدّعون بأن الإرهاب يكمُن لدى المُسلمين والإسلام، وتسليط الضوء على أن الإسلام بريء كليًّا من هذه التُهم، وأن الإسلام ليس إسلام طالبان ولا إسلام بن لادن. لا يجوز أن يكون ردّ فعل الولايات المُتّحدة على الأُصوليّة الإسلاميّة وطالبان بأُصوليّة أُخرى من قبل المُحافِظين الجُدد وThe New Born Xians، لأن الأُسرة الدوليّة تُطالِب أميركا، اليوم قبل الغد، بأن تكون مسؤولة عن الاستقرار والأمن العالميّين.في الجزء الثاني، نركز على اليقظة الدينيّة الجديدة وحالة الجِدال والنِقاش التي عاشها الأميركيّون حول الإيمان ودور الدَولة العِلمانيّة والكنيسة، وهذا ما أخاف الأميركيّين خاصّة إذا ما نظروا إلى ماضيهم ودور الآباء المؤسّسين وليس إلى المسيحيّين الجُدد في مسألة قيام الأُمة الأميركيّة. يقول غاندي: "ولد الإنسان ليعيش لا ليُقاتل". هكذا تعامل جيفرسون وماديسون وهاملتون مع الشعب بهدف العيش الرغيد والحياة السعيدة بعيدًا عن التناحُر والانفصام في شؤون الدين والإيمان. في الولايات المُتّحدة الأميركيّة اتسمت أديان كثيرة بالتعايُش من دون نفور أو كراهيّة، ولم يكُن لها، يومًا، تأثيرٌ فعّال على مجرى السياسة الأميركيّة، في الداخل والخارج، مع نَزعة جماعة The New Born Xians، كلّ ذلك بفضل النِظام العِلماني الوارد في الدُستور الأميركي. لدى استعراضنا الالتزام الديني عند الأميركيّين وطريقة مُمارستهم إياه، لا بدّ من الإشارة إلى المسيحيّين الجُدد الذين يريدون من أبناء المُجتمع تقبُّل كلّ ما جاء في الكتاب المقدّس، من دون تشكيك، باعتبار أنه معصوم من الخطأ، والنبوءات الواردة فيه صحيحة وحقيقيّة ويجب تطبيقها بالوسائل المُتاحة لدى المؤمنين. بنظرهم الإيمان بالله هو مُمارسة والتزام، هذا ما حاول الآباء المؤسّسون عدم الغوص فيه والابتعاد عن متاهاته، فقد عاشوا عصر شكسبير صاحب النزعة الإنسانيّة في أدبه وعاشوا عصر جون لوك John Locke الفيلسوف الإنسان الذي يركّز على الخير في طبيعة الإنسان، واعتبروا أن الخير هو في الإنسان ولا يتناقض مع القانون الطبيعي ولا الديني، فإذا كانت المُلكيّة حقّ إلهي للإنسان فإنها حقّ طبيعي وإنساني في الوقت ذاته، لذلك لا يوجد تعارُض أو تناقُض في الأمور الأساسيّة، أما ما ورد من أساطير في الدين فيجب أن تبقى بعيدة عن أمور الدَولة، وإذا كانت النزعة التاريخيّة السائدة لدى جماعة البيورتانز(Puritans) والكويكرز (Quakers) واللوثريين والإنجيليّين هي أخلاقيّة، فمن يختلف معهم في ذلك، لا سيّما أن العَقد بين الله والإنسان هو ميثاق أخلاقي، فإذا اختُرق هذا الميثاق، يعني أن المنطِق الأخلاقي والإنساني أصبح في مهبّ الريح. في حال كان الأمر ضمن المنطِق الأخلاقي فلتبقَ أميركا عليه، وهي الأُمّة التي رفض الآباءُ المؤسّسون أن يترعرع التعصُّب والتطرُّف الديني في كنفها ، وهي الدولة التي عمِلت، منذ البداية، على تجفيف مُستنقعات التعصّب والتطرّف والتعالي وشنّ الحُروب وإكراه الناس وفرض الثقافة الأميركيّة الجديدة عليهم. في الخُلاصة، يمكن القول إن أميركا قويّة وفي قُدرتها مُجابهة أي تهديد مُحتمل على أمنِها بضربات وقائيّة استباقيّة أو مُباشرة، ولا تستطيع أي قوّة في العالم تهديد هذا الأمن إلا تلك القِوى الخفيّة التي لا تؤذي القوّة العسكريّة الأميركيّة مُباشرة بل المدنيّين الأبرياء. لكن على أميركا إدراك أن ليس بإمكانها وحدها القضاء على الإرهاب، بل تحتاج إلى التكافُل والتضامُن مع هيئة الأُمم والمُجتمع الدولي للتخلّص من هذا الشبح. في حال حصل هذا التضامُن يُصبح العالمُ أكثرَ أمنًا وسلامًا، عندئذ ينصرفُ المُجتمع العالمي إلى حلّ المشاكِل الاقتصاديّة والصحيّة والسياسيّة التي يواجهُها، ويضعُ حدًّا لجشع الشركات والأفراد على حِساب الفُقراء. ملايين من الأغنياء في العالم يملِكون ثمانين في المئة من الثروة العالميّة، فيما أفراد في بعض الدُول أغنى من دولهم، على النقيض من ذلك، يبلُغ دخل بعض الأفراد في الدُول الفقيرة دولارين في اليوم. لا نقصِد، في هذا الكتاب، تحميل أميركا مسؤوليّة الفَقر في العالم، بل نطالبُها والدول الغنيّة بالمساعدة على مُحاربتِه. لو صرَفت الولايات المُتّحدة الأموال التي تُنفقها على الانتخابات (وهي بالمليارات) لاستطاعت إطعام بعض البطون الخاوية. قلّة تعرف نِظام الانتخابات وطريقة التبرّع المُخصّصة لها.
تُعتبر هذه الأموال المؤشّر الرئيس الذي يدفعنا إلى الاستنتاج من هو الرابِح قبل إجراء الانتخابات. تُشكّل مُنظّمة "أيباك" (مجموعة ضغط تدافع عن السياسات المؤيدة لإسرائيل لدى السُلطتين التشريعية والتنفيذية في الولايات المُتّحدة الأميركيّة) المرجع الرئيس في هذه المُعادلة، تُحارب من هو ضّد إسرائيل وتدعم من هو معها.أذكر في هذا السياق السيناتور جيمس وليام فولبرايت (J. William Fulbright)، كان أحد ألمع الشخصيّات الأميركيّة وحتى العالميّة، ورئيسًا للجنة العَلاقات الخارجيّة في مجلس الشيوخ، ومن أبرز المُناهضين للسياسة الإسرائيليّة. في أحد تصريحاته اتهم يهود أميركا بأنهم مزدوجو الولاء ووصفهم بالشيوعيّين الموالين للاتحاد السوفياتي ولإسرائيل ضد أميركا، واتهم إسرائيل بأنها مُعتدية ولا تُريد السلام مع العرَب. على الفور شنت "أيباك" (تدير 38 مُنظّمة يهوديّة في أرجاء الولايات المُتّحدة) حربًا ضروسًا على السيناتور ووصفته بأبشع النعوت، وراحت تجمع المال وتهيّئ وسائل الإعلام لمُحاربته في الانتخابات، وكانت النتيجة أن خسر فولبرايت المعركة. هذا النظام الديمقراطي أعرج بسبب دور القِوى الضاغطة وتفرّدها إلى حدّ ما في الشؤون الانتخابيّة وتوظيفها المال لمُحاربة المُرشّح الذي يفضح سياساتها، ودعم المرشّح الذي يؤيّدها.
ملاحظة: نرجو ممن يرغب بإضافة تعليق، صياغته بلغة لائقة بعيدة عن القدح والذم والتحريض المختلف أو المسّ بالكرامات. إن كل ما ينشر من مقالات وأخبار ونشاطات وتعليقات، لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع الذي لا يتحمّل أي أعباء معنويّة أو ماديّة من جرّائها.
التعليقات
لارسال تعليق يرجى تعبئة الحقول الإلزامية التالية