صدر عن منشورات روميثيوس كتاب "عبد العظيم فنجان/ المختارات الشعرية"، تقديم الشاعر المغربي عبد الرحيم الخصار. هنا مقدمة المختارات:مرة قال روبرت فروست: "إن كتابة شعر حرّ تشبه لعب التّنس دون شبكة". ويبدو في هذا السياق أن عبد العظيم فنجان، وهو يكتب شعرا تحرّر من كل الأثقال، لاعبٌ مذهل لا يحتاج إلى شِباك توجّه حركة يديه. إنه يتجاوزها إلى اللعب بعينين مغمضتين، تاركا لحواسّه أن ترفع نشوة اللعب بالكلمات إلى ذروتها. يكتب عبد العظيم فنجان كما يحلو له، متمثلا كلّ شيء، ومتخلّصا في الآن ذاته من كلّ شيء. ثمة فئة نادرة من الشّعراء المعاصرين وهبتها السّماءُ نعمةَ الكتابة بصفاءِ الغيوم وانسياب الأنهار. عبد العظيم فنجان يوجد في الصفّ الأماميّ لهاته النُّدرة.تكاد المرجعية القرائية لديه تبدو كما لو أنّها خطوة صغيرة أمام خطوات جبّارة لتلك الطاقات السّرّية التي تؤجّج الكلمات في دخيلة الشاعر. القراءة بالنسبة إليه تنتمي إلى الماضي، لأن الحاضر والمستقبل كليهما للكتابة.إن نصوص عبد العظيم فنجان تتمدد في الوعاء الزمني الرهيب، فهي تشبه نصوصا كُتبت قبل الميلاد، وتشبه أيضا نصوصنا الراهنة. وهذه سمة القصائد التي تتوق إلى البقاء أطول وقت ممكن في البيت الكونيّ للذاكرة. يمزج الشاعر النثر بالموسيقى والدموع ليهبنا هاته الخلطة العجيبة. إننا نجد أنفسنا دائما مسحورين بما تبدعه جوارحه. تبدو كتاباته كما لو أنها خارجة من معابدَ وكهوفٍ ومغارات، قادمة إلينا على هوادجَ وغيومٍ وأبسطة سحرية.لا يوجّه الشاعر نصوصه إلى الجدران الحارسة لمعابد النقد والتدقيق والتصنيف والموازنة، بل يضعها سهاما في يد ملاك صغير، ويوكل إليه مهمّة توجيهها إلى قلوب قرّائه ومحبّيه. وهؤلاء القرّاء، الذين يفوق عَدُّهم العَدّ، يقيمون لها المباهج والمحافل دون الحاجة إلى مكبّرات صوت وصورة. إن ثروته الحقيقية هي قراؤه الذين ينتمون إلى كل البلاد العربية، في القرى والمدن، وهم عشّاق ومحبّون وضحايا اصطدامات وارتطامات في طرق الحبّ، هم أيضا أنصار الجَمال وسدنةٌ في معابد النبل. عبد العظيم فنجان شاعر حُبّ بالضرورة، لكنّ المرأة لدى هذا الشاعر لا تشبه نساءَ العالَم، لأنها تنحو إلى أن تصير خلاصا لهنّ، إنها امرأة بعيدة ومنفلتة، كما لو أنها نجت من الحروب المتعاقبة للبشر، واقتعدت لها مكانا جنب غيمة. لذلك يتعب من يبحث عن جسدها في جسد القصيدة، وعن ظلها في واقع الشاعر. إنه شاعر هشّ، غير أنّ هشاشته تجرح وجهَ العالَم، فهو ينبهنا باستمرار إلى المُهمل والمنسيّ فينا، إلى رقتنا التي تختفي تحت طبقات من الكلس الذي راكمته ضراوةُ الأيام.عبد العظيم فنجان مهرّب كلمات. يرصّها في عربات من خشب وحديد، ويقودها عبر مهارب سرّيّة، بعيدا عن الأذى، إلى حيث للخلود بابٌ ونوافذ. في متحف الجَمال الخالد ينحت عبد العظيم فنجان كلماته بمهارة فنّان خلّاق، ويرعاها بحنوّ أب عظيم. إننا أمام شاعر منحته السماء مفاتيح الأبدية.
ملاحظة: نرجو ممن يرغب بإضافة تعليق، صياغته بلغة لائقة بعيدة عن القدح والذم والتحريض المختلف أو المسّ بالكرامات. إن كل ما ينشر من مقالات وأخبار ونشاطات وتعليقات، لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع الذي لا يتحمّل أي أعباء معنويّة أو ماديّة من جرّائها.
التعليقات
لارسال تعليق يرجى تعبئة الحقول الإلزامية التالية