في عصر العولمة الثقافيّة، تبدّدت الحواجز الموسيقيّة، ولم يعدّ المحليّ محليّاً بقدر ما كان. هكذا، تعثّر التخت الشرقي وتوزيعه أحادي البُعد، ووقف مذهولاً أمام طابع توزيعٍ حداثيٍّ، جعل من العمل الموسيقي توليفةً من الخطوط الهارمونيّة النغميّة المتداخلة. هنا ولدت حاجةٌ ملحةٌ لموسيقيّين من نوعٍ آخر، انغمسوا في المحليّة ولم يتقوقعوا، ثم حلّقوا في سماء الموسيقى ومدّوا أجنحتهم على مداها، مرتحلين من ثقافةٍ موسيقيّةٍ الى أخرى، من دون أن يسقطهم التخليّ، بل تشبّثوا بشرقيّتهم بما تحويه من غنى مقامي وزخمٍ نغميٍّ فريدٍ رغم الانفتاح. وفي طليعة هؤلاء، اسمٌ ذائعٌ بين أهل الاختصاص، مجهولٌ على صعيد العوام، هو المايسترو السوري طارق سكيكر.سكيكر صاحب الفكر الموسوعي والتكنيكات الموسيقيّة الفريدة، تمكّن بشخصيّةٍ هادئة السطح، مجنونة العمق، وعبر خبرة سنواتٍ طويلةٍ، من "رفع السقف عالياً". فموسيقى العروض المباشرة ما قبله، ليست كما بعده، وهذا يبدو جلياً على المستوى الشعبي والأكاديمي على حدٍ سواء. ونجاحه المستحق هذا، نابعٌ من رؤيةٍ فنيّةٍ فريدةٍ استطاعت أن تلفت كبار العاملين في مجال الإنتاج الموسيقي، وأن تحجز له موضع القيادة مع نجوم الصف الأوّل، بدءاً من نجاة الصغيرة ومحمد عبده، ووصولاً الى نجوم الجيل الحالي. هكذا، أطلق طارق سكيكر العنان لشغفه في أعظم مسارح العالم العربي من "جرش" الى "موازين" فـ "قرطاج"، مروراً بمسرح برنامج "ذا فويس"، حيث تمكّن من خلق هويّةٍ موسيقيّةٍ ملفتةٍ، استعصت على التقليد، وكانت محور الحوار الذي أجرته معه "المدن":- الطفولة هي سرّ الفنّان غالباً، هل كانت طفولتك سرّ الموسيقي المبدع المتألّق اليوم في أرقى مسارح العالم العربي؟لم يكن في طفولتي عاملٌ مميّزٌ ساعد على تشكيل هويّتي الموسيقيّة، لكنّ العلامة الفارقة فيها، كانت شخصيّتي الهادئة الصبورة، كثيرة الاهتمام بالتفاصيل. معالم شخصيّتي هذه رافقتني طوال مسيرتي وكانت خير داعمٍ لي، خصوصاً أنّ الموسيقى تتطلّب الكثير من الصبر والمثابرة.- رافقتك الموسيقى الخليجيّة طوال العقد الأوّل من عمرك، هل تعتقد أنّها لعبت الدور الأساس في تنشئتك الموسيقيّة؟لقد ولدت في السعوديّة وعشت فيها 15 عاماً متواصلة، ثم زرتها بصورةٍ سنويّةٍ بعد ذلك. في فترة تواجدي هناك، تعرّفت من كثب على الموسيقى الخليجيّة منذ سنٍ مبكرةٍ، قبل أن أكون موسيقيّاً حتّى، فاستمعت إلى محمد عبده وطلال مدّاح وتعرّفت الى نمطٍ موسيقيٍّ بعيدٍ من ثقافتي الموسيقيّة كسوريّ.- أنت خرّيج كلّية الحقوق – جامعة دمشق، حدّثنا كيف أغوتك الموسيقى وسرقتك بعيداً من مجال دراستك؟على أرض الواقع، لم تسرقني الموسيقى من الحقوق، بل على العكس، فتوّجهي للأولى سبق توجّهي للثانية، كوني كنت أعمل كموسيقى محترف في فرق موسيقيّة مهمّة، ومع نجوم معروفين قبيل الالتحاق بالجامعة. لكن، كما تعلمين، شعبنا يعتبر الموسيقى نوعاً من الرفاهية، لا احتياجاً أساسيّاً، وهذا ما دفع الكثيرين وفي طليعتهم أهلي إلى تشجيعي على انتقاء مجالٍ ثابتٍ يفسح أمامي المزيد من الخيارات، وأنا كنت مقتنعاً بهذه النظرية. هكذا درست الحقوق خمس سنوات، وانقضت علاقتي بها بمجرّد تخرجي من الجامعة. الموسيقى حضرت قبل الحقوق وترسّخت بعدها.- تعلّمت الموسيقي ذاتيّاً، هل أدى ذلك دوراً في خلق البعد الموسوعي الذي نلتمسه في موسيقاك؟سؤالُكِ بالغ الأهميّة، ما أستطيع تأكيده هو أنّ التعلّم الذاتي ساعدني بلا ريب، رغم أنّني استعنت لاحقًا بالتعليم الأكاديمي مع أساتذة لتعميق خبراتي. مرحلة التعلّم الذاتي طوّرت قدرتي على ابتكار الحلول للمشاكل الموسيقيّة التي واجهتها وحيداً. كنت أعجز عن إيجاد إجاباتٍ جاهزةٍ لتساؤلاتي فاضطرّ للاطلاع على عددٍ كبيرٍ من المراجع لأحلّ المعضلة، وهذا الروتين ولّد لدي بطبيعة الأمر، ثقافةً موسيقيّةً واسعةً. البحث بمفردي، بلا توجيهٍ من معلّمٍ يقدّم لي الإجابات المعلّبة، جعلني مستعدًا لاستيعاب آراء متضادة، وساعدني على تقبّل حلول مختلفة للتحدّيات نفسها. إنّ قناعاتي وشخصيّتي الموسيقيّة، ورؤيتي في التوزيع والعزف، جميعها انبثقت وتطوّرت من خلال البحث المستمرّ الذي دفعته مرحلة التعلّم الذاتي.- عطفاً على السؤال السابق، تبدو موسيقاك مزدحمةً بما يصعب حصره من الثقافات، كيف تحافظ على هويّة الموسيقى الشرقيّة في ظلّ استخدامٍ جاذبٍ للهارموني الغربيّة والأنماط الموسيقيّة العالميّة؟بالدرجة الأولى، حفزني عزف البيانو على الاطلاع على أنماطٍ موسيقيّةٍ أخرى، خصوصاً الموسيقى الكلاسيكيّة، كأعمال باخ وبيتهوفن وموتسارت وسواهم، فالتعرّف الى هذه الثقافة دربٌ إجباريٌّ لا بدّ أن يعبره عازف البيانو، وهذا العامل اجتمع -بالتأكيد- مع فضولي الكبير الذي حفّزته رحلة التعلّم الذاتي التي تطرّقنا إليها سابقاً. غاب الأستاذ، ولم يُملِ عليّ أحدٌ ما يجب أن اسمع، كنت حراًّ، لم تعقني المحدوديةّ ولا التلقين، فاطلعت على الموسيقى البرازيليّة، الكوبيّة، الروك، الجاز، الريغي، البوب، الى جانب الموسيقى الكلاسيكيّة، كون هذه الأنماط مناسبةٌ جداً لآلة البيانو، فكنت أعزف كل ما أسمعه بانسيابيةٍ عاليةٍ، وهذه كانت النواة التي منها نمت الخلفيّة الموسيقيّة الغربيّة الكبيرة لديّ.لاحقاً، ولمّا بدأت بالتعامل احترافيّاً مع الموسيقى العربيّة التي أتقنها أيضاً كموسيقي عربيّ، لم يكن الموضوع صعباً. مرحلة وضع الهارموني وتحديد الآلات دائماً تكون انسيابيّةً، والواقع أنّه لا قواعد ثابتة، المهم في رأيي هو التوظيف الصحيح للموسيقى الغربيّة وتكتيكاتها بما يخدم الموسيقى العربيّة، باعتباره العامل الأساس الذي يحول دون طمس هويّة العمل الأصلي، سواء كان الأخير عربياً أم تركياً أم أذربيجانياً. أنا أحرص على الابتعاد عن الاستعراض والزخم الذي قد يطغى على معالم اللحن، فالتوزيع لا يجب أن يحمل الأغنية إلى أماكن لا تشببها. زياد الرحباني، على سبيل المثال، ورغم أنّني بعيد من موسيقاه، هو تمثيلٌ صحيح لما يجب أن يكون عليه التوظيف الصحيح للأساليب الموسيقيّة الغربيّة في الموسيقى العربيّة.
- أين برأيك ينتهي تجديد التراث الموسيقى ويبدأ تشويهه؟في الحقيقة لقد ناقشت في إجابتي السابقة بعض جوانب السؤال، لكن دعيني أستفيض هنا، أعرّف التجديد بأنّه التوظيف الجيد للموسيقات الأخرى في موسيقانا، حيث يكون التوزيع ملائماً للمادة الموسيقيّة التي نعمل عليها، بعيداً من استعراض العضلات وتحوير اتجاه الأغنية بالكامل. لنفترض أنّنا نتعاطى مع أغنيةٍ تراثيّةٍ، تعبّر في سياقها عن النصر أو الفرح أو الفخر؛ يجب أن تحافظ الأغنية على طاقتها وإطارها العام من دون أن تفقد رونقها. التجديد باختصارٍ ووضوحٍ، يدعم الفكرة الأساسيّة التي وُجد العمل الفنّي لأجلها.ولا بدّ أن نشير هنا الى أنّ التجديد يجب أن يبقى بمنأى عن اللحن والكلمات، ونحن للأسف نعاين اليوم تجارب مخجلةً، لا سيما في منطقة بلاد الشام، حيث يُمَسّ باللحن بشكلٍ لا منطقي، فيُستبدل البياتي بالكرد على سبيل المثال. الأغنية أمانةٌ موسيقيّةٌ بما تحويه من لحنٍ وكلمات، وعوامل أخرى كالنطق. لا بدّ أن تحافظ على سياقها المناطقي والتاريخي والفنّي. جذور الأغنية يجب أن تظلّ راسخةَ.- مَن يستمع الى موسيقاك يستشعر فيها أبعاداً متداخلةً غير مألوفة في موسيقانا الشرقيّة، كيف تتعاطى مع الهارموني؟ هل تعتبرها لحناً تابعاً مرافقاً فقط، أم عالماً موازياً يضيف الى اللحن الأصلي عمقاً آخر؟يتردّد هذا السؤال على مسامعي باستمرار، حتّى أنّ رأيي الذي أبديته سابقاً في لقاءٍ مع الموسيقي مياس يماني، في هذا المجال، حقّق صدى لافتاً وتم تداوله بكثرة بين أهل الاختصاص. أنا أنظر الى الهارموني ككيانٍّ مواز للحن الأساسي، يدعمه أحياناً، ويفسح المجال له في أحيانٍ أخرى.ولادة الهارموني في عالمي يسيرةٌ ومباشرةٌ تفرض نفسها بشكلٍ تلقائيّ مع اللحن الذي استمع إليه، وهذا لا يدلّ على قدراتٍ خارقةٍ، بل هو مجرّد ترجمةٍ طبيعيةٍ للمخزون الموسيقي الذي طوّرته عبر خبرتي الطويلة في هذا المجال.دعيني أشرح هنا كيف تكون الهارموني كياناً داعماً: عندما يكون اللحن معقّداً، أقلّل من الاستعانة بالهارموني، أمّا حينما يكون اللحن بسيطاً فأُكثِر منها، كما أنّني قد ألجأ إلى الإضاءة على بعض الأفكار الموسيقيّة البرّاقة من طريق الهارموني، بصورةٍ لا تطغى فيها الهارموني على اللحن، ولا يهمّش الأخير الهارموني. اللحن والهارموني خطّان يجب أن يسيرا جنباً الى جنب بالتوازي.- كموزّعٍ مغامرٍ ومتجددٍ يتقن التحايل على السائد، هل سيجد "ربع التون الشرقي" طريقه الى الهارمونيّات في عالمك؟هناك الكثير من التجارب المحدثة في هذا السياق، وفي الواقع هناك تجارب سابقة أيضاً كتجربة نوري إسكندر، الباحث المطوّر في الموسيقى السريانيّة. والأخير لعب دوراً مفصلياًّ في ادخال "ربع التون" الى الهارمونيّات، وقد كان لي شرف التعاطي مع أفكاره الموسيقيّة وتجريبها في جلساتٍ جمعتنا ودامت ساعات. أمّا أنا شخصياً فلم أجد مكاناً لربع التون في توزيعاتي الهارمونيّة. أحترم جميع التجارب التي تخالفني هنا، بما فيها التجربة العبقريّة التي عمل عليها نوري اسكندر، لكنّني لم ألتمس أدنى ضرورةً لتطعيم الهارموني بربع التون، فكلّ الإشكاليّات الموسيقيّة التي تعترضني أثناء تعاملي مع المقامات الشرقيّة، أجد لها حلولاً أكثر بساطة وسلاسة، كما أنّ فضولي لم يقدني للاستعانة بربع التون حتّى الآن، ربّما في المستقبل.- هل يحاكي الجنون الذي تتفرّد به توزيعاتك ما أنت عليه كإنسان؟كلّا، أنا شخصٌ هادئٌ وبعيدٌ من الجنون، لكنّني أستشعر في داخلي دائماً بركاناً هائجاً "لا يكلّ ولا يملّ". بالطبع هناك بعض الأفكار المجنونة التي نفذتها، لكن الواقع أنّها لم تكن وليدة لحظةٍ مجنونةٍ بل سلسلة تجارب طويلة، وخبرة سنوات والكثير من الصبر. الناس ترى في أفكاري الموسيقيّة جنوناً كبيراً، لكنّني أتعاطى معها كمسارٍ تطوّريٍّ تراكميٍّ متوقّعٍّ ومنطقيّ، لأنني أيقن كيف بدأت الفكرة ونضجت قبل أن تخرج الى العلن.- تبدو في منشوراتك في مواقع التواصل الاجتماعي، منحازاً للارتجال والجاز الحر، ما الذي يحضر في الارتجال ويغيب عن النوتة المعدّة مسبقاً؟في العموم أنا لا أميل للجاز وحده، بل الى الموسيقى المرتجلة عموماً، وهذه هي أبرز المشكلات التي اعترضت مسار دراستي للموسيقى الكلاسيكيّة، حيث كنت أعزف النوتة بإتقان، لكنّني أشعر كمَن يعلن عن أمسيةٍ شعريّةٍ، كي يلقي فيها أشعار المتنبي ومحمود درويش بأداءٍ مميّز. هنا يكمن الفرق بين مَن يُلقي الشعر وبين الشاعر، وبين مَن يبتكر الموسيقى ومَن يعزف موسيقى غيره، وأنا بالطبع أعزف موسيقى الآخرين لأزيد مخزوني الموسيقي، لكنّني لست مهتماً بتسجيلها، وأنوّه هنا بأنّني لا أقلّل من شأن موسيقيّين عباقرة، لم أكن الموسيقي الذي أنا عليه لو لم أستمع الى موسيقاهم وأعزفها.أفضل اللامكتوب على المكتوب، أحبّ أن تظهر هويتي في موسيقاي، وهذا هو السبب الذي دفعني في اتجاه الارتجال، ففي الموسيقى المرتجلة سحرٌ خاص، كلّ قطعةٍ هي قطعةٌ فريدةٌ غير قابلةٍ للتكرار بالمطلق. تولد الموسيقى في لحظتها، وهذا يخلق حولها هالةً من الجمال. ضمن هذا الإطار، أعتبر الجاز مهرباً لي، وأنا بالفعل أفضّله على سائر الأنواع كوني درسته وما زلت أدرسه مع موسيقيّين عالميّين مخضرمين، وهذا الشقّ منح ميلي للجاز بُعداً أخر.بعيداً من تفضيلاتي الشخصيّة، أظنّ أنّ الموسيقى ولدت من رحم الارتجال، فالتقاسيم الشرقيّة هي ارتجالٌ، وموتسارت كان أعظم المرتجلين، يؤلف الموسيقى ارتجالاً ويوثقها بالنوتة بغية الحفظ ولا يعدّل عليها حتى، وحالته مشابهةٌ لحالة باخ. باختصارٍ، أعتقد أنّ الأصل في الموسيقى هو الارتجال.- يحارب الكثير من العازفين الكلاسيكييّن "الكيبورد الكهربائي" بصفته صورةً دونيّةً عن آلةٍ وتريّةٍ أصيلةٍ هي "البيانو"... لماذا تبدو أنت في المقلب الآخر متصالحاً مع فكرة "الكيبورد"، بل ومروجاً لها كتطوّر طبيعي لصناعة الموسيقى؟أنا لست من الأعداء ولا من الأنصار، لكن لي رؤيةً خاصةً في هذا الصدد سأجيزها في نقاطٍ أربع. أولاً،أ رى أنّ أسلوب توظيف الشيء، من شأنه أن يحدّد صحّته من عدمها، والكيبورد هنا إذا استخدم في نوعٍ موسيقى غير ملائمٍ سيظهر في صورةٍ خاطئةٍ، وهذا ليس حكراً على هذه الآلة، فالبيانو أيضاً سيفقد أهميّته إذ ما تمّ توظيفه في مكانٍ لا يلائمه. والنقطة الثانية هنا هي أنّ الكيبورد في واقع الأمر قد وضع حداً للكثير من المشاكل الموسيقيّة، أوّلها مشكلة العوائق الماديّة. فالبيانو آلةٌ باهظة الثمن، وتحتاج لعنايةٍ ودوزان، كما أنّها تشكّل عائقاً عندما يتعلّق الأمر بالتنقّل، خصوصاً أنّ المسارح قد لا تكون مجّهزة. الكيبورد أوجد الكثير من الحلول وما زال في تقدّمٍ مستمرٍّ وقد وصل الى مرحلةٍ متطوّرةٍ جعلته شبيهاً معقولاً بالبيانو.أمّا النقطة الثالثة، فتتمثّل في أنّ بعض الأنواع الموسيقيّة تطلّب وجود الكيبورد، بحيث أنّنا إذا لجأنا إلى استخدام آلة البيانو كبديل، سنفشل.أمّا رابع النقاط، فتتلخص في ما يسمّى "sampling"، وهي تقنيّة أتاحت للموسيقي أن يستحضر الآلة التي يريدها. ويبقى نجاح التجربة هنا مرهوناً بمهارة العازف نفسه وقدرته على محاكاة طريقة العزف الطبيعيّة للآلة.- مسيرتك استثنائيّةٌ يصعب إيجازها، فقد تعاونت مع غالبيّة نجوم الصف الأوّل، بدءاً من نجاة الصغيرة، وميّادة الحناوي ومحمد عبده، ووصولاً الى نجوم الجيل الحالي. كيف تقنع رؤيتك طرفين متناحرين، الأوّل كلاسيكي تقليدي والآخر متجدّدٌ ومحدث؟عملت من الجيل القديم مع أسماء كبيرة، كنجاة الصغيرة ووديع الصافي وصباح فخري ومحمد عبده وميشيلين خليفة وغيرهم كثر. واعتمدت كقائدٍ للأوركسترا، على إيجاد أساليب لا تطغى على موسيقاهم ولا تشوّهها، فمحمد عبده مثلاً لديه بعض الخيارات التقليديّة وقد سعيت في تجربتي معه إلى الحفاظ على تفضيلاته عبر وضع هارموني بسيطة لا تزعجه. أمّا الست نجاة فقد سعينا جاهدين لإقناعها ببعض التعديلات الحديثة عبثاً، فقد فضلّت الالتزام بالطريقة التقليديّة. لكن هناك فنّانين يفضّلون المغامرة، مثل محمد منير، فتعاوني معه في "الليلة يا سمرة" كان مجنوناً لأنّه منفتحٌ على أنواعٍ كثيرةٍ من الموسيقى، وهذا ينطبق على الجيل الحديث من مطربي الصف الأوّل، فهم بمعظمهم يرحبون بالتجديد.- عندما نناقش أعمالك، لا بدّ لنا أن نقف مطوّلاً عند مرحلة "ذا فويس"، ألا تعتقد أنّ المستوى الذي قدّمته في هذا البرنامج كقائدٍ للفرقة قدّ طوّر تقنيّات العزف المباشر للموسيقى العربيّة ورفع السقف عالياً؟كثيراً ما اسمع هذا التعليق، في الحقيقة هذا الموضوع يقلقني أنا، أكثر من سواي، لأنّني مجبرٌ على الحفاظ على مسارٍ تصاعدي. بالعودة الى "ذا فويس" بكافة نسخه ومواسمه، نجح البرنامج بالفعل في رفع السقف، لم يُقدم محتوى مباشر بهذه الجودة في أيّ برنامج آخر. ولعلّ الأغنيات التي ما زالت متداولةٌ بكثرةٍ من البرنامج كبديلٍ عن تسجيلاتها الأصليّة هي خير دليلٍ على ذلك. لقد عملنا على تحسين جميع مراحل الإنتاج الموسيقي من التوزيع الى التنفيذ، والإدارة، وقيادة الفرقة، ووظفنا جميع التكنيكات بالشكل الصحيح.من الواضح أنّ موسيقي "ذا فويس" هي ذات هويةٍ واضحةٍ، تظهر بصمتها من الثواني الأولى حتّى ولو اختلفت أنماط الأغاني، فمن المهم أن يوقن المستمع أنّ الشخص ذاته هو الذي عمل على هذه القطع الموسيقي ومنحها طابعاً مختلفاً. ولا بدّ أن أنوّه هنا الى أنّ "ذا فويس" لم يكن عملاً فردياًّ بل جماعياً، فهندسة الصوت كانت ممتازة والمنتج الأستاذ جان ماري رياشي -الشريك الدائم لنجاحي-، منحني مقداراً غير مشروطٍ من الحريّة الموسيقيّة وكان يتقن إظهار جميع التفاصيل التي أعمل عليها بالصورة الأبهى. جمعتنا ثقةٌ متبادلةٌ منحت "ذا فويس" هويةً موسيقيّةً ضخمةً.- تبدو وظيفة "المايسترو" مبهمةً للكثيرين، كيف يبسطّها المايسترو طارق سكيكر لقرّاء "المدن"؟يجب أن نميّز هنا بين مفاهيم ثلاثة: المايسترو في الموسيقى الغربيّة، المايسترو في الموسيقى الشرقيّة، وقائد الفرقة. ففي الموسيقى العربيّة القديمة لم تكن هنا حاجة إلى مايسترو، فعدد آلات التخت الشرقي كان قليلاً. في تلك الفترة كان المغني هو الذي يأمر الموسيقيّين بالبدء والتوقف. ومع ازدياد عدد الموسيقيّين، ولدت الحاجة لإدارتهم وتوحيد سرعات عزفهم ونقاط توقفهم، لا سيما أنّ الموسيقى العربيّة غنيّة بالوقفات غير الإيقاعيّة والتقاسيم. في هذه الحالة، يتولّى المايسترو مهمّة توزيع التقاسيم لضبط المساحة الإيقاعيّة الحرة. المايسترو في الموسيقى العربيّة يعمل على توزيع مهام أعضاء الفرقة.أمّا في الموسيقى الغربيّة، فقدت ولدت الحاجة للمايسترو نظراً لوجود كمٍّ هائلٍ من التفاصيل التي لا نراها في موسيقانا، تفاصيل خياليّةٌ ومعقّدةٌ، حتى أنّ أنفاس أعضاء الاوركسترا تكون مدوّنة بدقّة، مثل عازف الفلوت الذي يتنفّس فقط في المواضع المخصّصة لذلك. كما ينقل المايسترو في الموسيقى الغربيّة وجهة نظره ورؤيته الموسيقيّة للعمل، وهذا ما يدفع البعض للاستماع الى سمفونيّة ما تحت إدارة مايسترو معيّن دون سواه. هناك وجهات نظرٍ مختلفة للقطعة ذاتها. وهذا يتنافى مع طابع موسيقانا التي يفرض فيها العمل نفسه أكثر من المايسترو.أمّا ثالث مفاهيمنا، "قائد الفرقة"، فأظن أنّه ملعبي، أنا أوّزع القطعة بالكامل ومن الصفر، وأتعاطى مع العمل الموسيقي كعجينةٍ يمكن تطويعها. أكتب التوزيع الأوركسترالي بيدي، وهذا يخوّلني قيادة الأوركسترا من دون الحاجة الى نوتة، فأنا أوجدتها من العدم. هذا الوصف يشبهني ويمنحني مساحةً مناسبةً للتعبير عن هويتي الموسيقيّة.- مَن يغلب الآخر في طارق سكيكر: العازف، أم المؤلف، أم المايسترو؟المايسترو ليس من أولوياتي، بل هو وظيفةٌ موسيقيّةٌ فقط، أمّا المؤلف والعازف فكلاهما في مرتبةٍ واحدةٍ بالنسبة إلي. أؤلف فيما أعزف.. وأعزف فيما أؤلف، وهذا هو روتيني اليومي. الموسيقى تولد أثناء العزف، والفعلان مرتبطان مباشرةً. في الواقع، أستطيع أن أمضي أسبوعاً من حياتي بلا قيادة فرقة، لكنّني لا أستطيع أن أمضي أسبوعاً كاملاً من دون عزف وتأليف.- لا يمكن أن نختم لقاءنا مع أحد أهمّ الموسيقيّين اليوم من دون أن نطرح تساؤلاً مهماً، ولو كان متكرّراً: مَن المسؤول عن تردي المستوى الموسيقي في عالمنا العربي، ذائقة الجمهور السيئة، أم استسهال القائمين على صناعة الموسيقى؟سؤالك نصف الإجابة، الاستسهال مصيبة كبرى، فالموسيقى ليست سهلة، هي مسؤوليّة كبرى لمن يقدم العمل، خصوصاً أنّ غالبية الفنانين تتلقى مبالغ مالية خياليّةً رغم انعدام الكفاءة، بالإضافة الى فناني السوشال ميديا المتفلتين من المعايير الفنيّة. نحن لا نملك اليوم كمحترفين، مساحةً للنقد. "موضة التنمر" أفسدت الحس النقدي لدينا، ووضعتنا أمام خيارين، أحلاهما مرّ. بطبيعة الأمر تنشر السوشال ميديا موسيقى جيدة، لكن يُنشر في مقابلها الكثير من الموسيقى السيئة، وهذا يضعنا في موقف محبط. شخصياً، صرت أفضلّ الصمت، لا سيما أنّ فنانين كثر لا يقبلون النقد الأكاديمي الجاد ويفضلون سياسة التملق.
- أين برأيك ينتهي تجديد التراث الموسيقى ويبدأ تشويهه؟في الحقيقة لقد ناقشت في إجابتي السابقة بعض جوانب السؤال، لكن دعيني أستفيض هنا، أعرّف التجديد بأنّه التوظيف الجيد للموسيقات الأخرى في موسيقانا، حيث يكون التوزيع ملائماً للمادة الموسيقيّة التي نعمل عليها، بعيداً من استعراض العضلات وتحوير اتجاه الأغنية بالكامل. لنفترض أنّنا نتعاطى مع أغنيةٍ تراثيّةٍ، تعبّر في سياقها عن النصر أو الفرح أو الفخر؛ يجب أن تحافظ الأغنية على طاقتها وإطارها العام من دون أن تفقد رونقها. التجديد باختصارٍ ووضوحٍ، يدعم الفكرة الأساسيّة التي وُجد العمل الفنّي لأجلها.ولا بدّ أن نشير هنا الى أنّ التجديد يجب أن يبقى بمنأى عن اللحن والكلمات، ونحن للأسف نعاين اليوم تجارب مخجلةً، لا سيما في منطقة بلاد الشام، حيث يُمَسّ باللحن بشكلٍ لا منطقي، فيُستبدل البياتي بالكرد على سبيل المثال. الأغنية أمانةٌ موسيقيّةٌ بما تحويه من لحنٍ وكلمات، وعوامل أخرى كالنطق. لا بدّ أن تحافظ على سياقها المناطقي والتاريخي والفنّي. جذور الأغنية يجب أن تظلّ راسخةَ.- مَن يستمع الى موسيقاك يستشعر فيها أبعاداً متداخلةً غير مألوفة في موسيقانا الشرقيّة، كيف تتعاطى مع الهارموني؟ هل تعتبرها لحناً تابعاً مرافقاً فقط، أم عالماً موازياً يضيف الى اللحن الأصلي عمقاً آخر؟يتردّد هذا السؤال على مسامعي باستمرار، حتّى أنّ رأيي الذي أبديته سابقاً في لقاءٍ مع الموسيقي مياس يماني، في هذا المجال، حقّق صدى لافتاً وتم تداوله بكثرة بين أهل الاختصاص. أنا أنظر الى الهارموني ككيانٍّ مواز للحن الأساسي، يدعمه أحياناً، ويفسح المجال له في أحيانٍ أخرى.ولادة الهارموني في عالمي يسيرةٌ ومباشرةٌ تفرض نفسها بشكلٍ تلقائيّ مع اللحن الذي استمع إليه، وهذا لا يدلّ على قدراتٍ خارقةٍ، بل هو مجرّد ترجمةٍ طبيعيةٍ للمخزون الموسيقي الذي طوّرته عبر خبرتي الطويلة في هذا المجال.دعيني أشرح هنا كيف تكون الهارموني كياناً داعماً: عندما يكون اللحن معقّداً، أقلّل من الاستعانة بالهارموني، أمّا حينما يكون اللحن بسيطاً فأُكثِر منها، كما أنّني قد ألجأ إلى الإضاءة على بعض الأفكار الموسيقيّة البرّاقة من طريق الهارموني، بصورةٍ لا تطغى فيها الهارموني على اللحن، ولا يهمّش الأخير الهارموني. اللحن والهارموني خطّان يجب أن يسيرا جنباً الى جنب بالتوازي.- كموزّعٍ مغامرٍ ومتجددٍ يتقن التحايل على السائد، هل سيجد "ربع التون الشرقي" طريقه الى الهارمونيّات في عالمك؟هناك الكثير من التجارب المحدثة في هذا السياق، وفي الواقع هناك تجارب سابقة أيضاً كتجربة نوري إسكندر، الباحث المطوّر في الموسيقى السريانيّة. والأخير لعب دوراً مفصلياًّ في ادخال "ربع التون" الى الهارمونيّات، وقد كان لي شرف التعاطي مع أفكاره الموسيقيّة وتجريبها في جلساتٍ جمعتنا ودامت ساعات. أمّا أنا شخصياً فلم أجد مكاناً لربع التون في توزيعاتي الهارمونيّة. أحترم جميع التجارب التي تخالفني هنا، بما فيها التجربة العبقريّة التي عمل عليها نوري اسكندر، لكنّني لم ألتمس أدنى ضرورةً لتطعيم الهارموني بربع التون، فكلّ الإشكاليّات الموسيقيّة التي تعترضني أثناء تعاملي مع المقامات الشرقيّة، أجد لها حلولاً أكثر بساطة وسلاسة، كما أنّ فضولي لم يقدني للاستعانة بربع التون حتّى الآن، ربّما في المستقبل.- هل يحاكي الجنون الذي تتفرّد به توزيعاتك ما أنت عليه كإنسان؟كلّا، أنا شخصٌ هادئٌ وبعيدٌ من الجنون، لكنّني أستشعر في داخلي دائماً بركاناً هائجاً "لا يكلّ ولا يملّ". بالطبع هناك بعض الأفكار المجنونة التي نفذتها، لكن الواقع أنّها لم تكن وليدة لحظةٍ مجنونةٍ بل سلسلة تجارب طويلة، وخبرة سنوات والكثير من الصبر. الناس ترى في أفكاري الموسيقيّة جنوناً كبيراً، لكنّني أتعاطى معها كمسارٍ تطوّريٍّ تراكميٍّ متوقّعٍّ ومنطقيّ، لأنني أيقن كيف بدأت الفكرة ونضجت قبل أن تخرج الى العلن.- تبدو في منشوراتك في مواقع التواصل الاجتماعي، منحازاً للارتجال والجاز الحر، ما الذي يحضر في الارتجال ويغيب عن النوتة المعدّة مسبقاً؟في العموم أنا لا أميل للجاز وحده، بل الى الموسيقى المرتجلة عموماً، وهذه هي أبرز المشكلات التي اعترضت مسار دراستي للموسيقى الكلاسيكيّة، حيث كنت أعزف النوتة بإتقان، لكنّني أشعر كمَن يعلن عن أمسيةٍ شعريّةٍ، كي يلقي فيها أشعار المتنبي ومحمود درويش بأداءٍ مميّز. هنا يكمن الفرق بين مَن يُلقي الشعر وبين الشاعر، وبين مَن يبتكر الموسيقى ومَن يعزف موسيقى غيره، وأنا بالطبع أعزف موسيقى الآخرين لأزيد مخزوني الموسيقي، لكنّني لست مهتماً بتسجيلها، وأنوّه هنا بأنّني لا أقلّل من شأن موسيقيّين عباقرة، لم أكن الموسيقي الذي أنا عليه لو لم أستمع الى موسيقاهم وأعزفها.أفضل اللامكتوب على المكتوب، أحبّ أن تظهر هويتي في موسيقاي، وهذا هو السبب الذي دفعني في اتجاه الارتجال، ففي الموسيقى المرتجلة سحرٌ خاص، كلّ قطعةٍ هي قطعةٌ فريدةٌ غير قابلةٍ للتكرار بالمطلق. تولد الموسيقى في لحظتها، وهذا يخلق حولها هالةً من الجمال. ضمن هذا الإطار، أعتبر الجاز مهرباً لي، وأنا بالفعل أفضّله على سائر الأنواع كوني درسته وما زلت أدرسه مع موسيقيّين عالميّين مخضرمين، وهذا الشقّ منح ميلي للجاز بُعداً أخر.بعيداً من تفضيلاتي الشخصيّة، أظنّ أنّ الموسيقى ولدت من رحم الارتجال، فالتقاسيم الشرقيّة هي ارتجالٌ، وموتسارت كان أعظم المرتجلين، يؤلف الموسيقى ارتجالاً ويوثقها بالنوتة بغية الحفظ ولا يعدّل عليها حتى، وحالته مشابهةٌ لحالة باخ. باختصارٍ، أعتقد أنّ الأصل في الموسيقى هو الارتجال.- يحارب الكثير من العازفين الكلاسيكييّن "الكيبورد الكهربائي" بصفته صورةً دونيّةً عن آلةٍ وتريّةٍ أصيلةٍ هي "البيانو"... لماذا تبدو أنت في المقلب الآخر متصالحاً مع فكرة "الكيبورد"، بل ومروجاً لها كتطوّر طبيعي لصناعة الموسيقى؟أنا لست من الأعداء ولا من الأنصار، لكن لي رؤيةً خاصةً في هذا الصدد سأجيزها في نقاطٍ أربع. أولاً،أ رى أنّ أسلوب توظيف الشيء، من شأنه أن يحدّد صحّته من عدمها، والكيبورد هنا إذا استخدم في نوعٍ موسيقى غير ملائمٍ سيظهر في صورةٍ خاطئةٍ، وهذا ليس حكراً على هذه الآلة، فالبيانو أيضاً سيفقد أهميّته إذ ما تمّ توظيفه في مكانٍ لا يلائمه. والنقطة الثانية هنا هي أنّ الكيبورد في واقع الأمر قد وضع حداً للكثير من المشاكل الموسيقيّة، أوّلها مشكلة العوائق الماديّة. فالبيانو آلةٌ باهظة الثمن، وتحتاج لعنايةٍ ودوزان، كما أنّها تشكّل عائقاً عندما يتعلّق الأمر بالتنقّل، خصوصاً أنّ المسارح قد لا تكون مجّهزة. الكيبورد أوجد الكثير من الحلول وما زال في تقدّمٍ مستمرٍّ وقد وصل الى مرحلةٍ متطوّرةٍ جعلته شبيهاً معقولاً بالبيانو.أمّا النقطة الثالثة، فتتمثّل في أنّ بعض الأنواع الموسيقيّة تطلّب وجود الكيبورد، بحيث أنّنا إذا لجأنا إلى استخدام آلة البيانو كبديل، سنفشل.أمّا رابع النقاط، فتتلخص في ما يسمّى "sampling"، وهي تقنيّة أتاحت للموسيقي أن يستحضر الآلة التي يريدها. ويبقى نجاح التجربة هنا مرهوناً بمهارة العازف نفسه وقدرته على محاكاة طريقة العزف الطبيعيّة للآلة.- مسيرتك استثنائيّةٌ يصعب إيجازها، فقد تعاونت مع غالبيّة نجوم الصف الأوّل، بدءاً من نجاة الصغيرة، وميّادة الحناوي ومحمد عبده، ووصولاً الى نجوم الجيل الحالي. كيف تقنع رؤيتك طرفين متناحرين، الأوّل كلاسيكي تقليدي والآخر متجدّدٌ ومحدث؟عملت من الجيل القديم مع أسماء كبيرة، كنجاة الصغيرة ووديع الصافي وصباح فخري ومحمد عبده وميشيلين خليفة وغيرهم كثر. واعتمدت كقائدٍ للأوركسترا، على إيجاد أساليب لا تطغى على موسيقاهم ولا تشوّهها، فمحمد عبده مثلاً لديه بعض الخيارات التقليديّة وقد سعيت في تجربتي معه إلى الحفاظ على تفضيلاته عبر وضع هارموني بسيطة لا تزعجه. أمّا الست نجاة فقد سعينا جاهدين لإقناعها ببعض التعديلات الحديثة عبثاً، فقد فضلّت الالتزام بالطريقة التقليديّة. لكن هناك فنّانين يفضّلون المغامرة، مثل محمد منير، فتعاوني معه في "الليلة يا سمرة" كان مجنوناً لأنّه منفتحٌ على أنواعٍ كثيرةٍ من الموسيقى، وهذا ينطبق على الجيل الحديث من مطربي الصف الأوّل، فهم بمعظمهم يرحبون بالتجديد.- عندما نناقش أعمالك، لا بدّ لنا أن نقف مطوّلاً عند مرحلة "ذا فويس"، ألا تعتقد أنّ المستوى الذي قدّمته في هذا البرنامج كقائدٍ للفرقة قدّ طوّر تقنيّات العزف المباشر للموسيقى العربيّة ورفع السقف عالياً؟كثيراً ما اسمع هذا التعليق، في الحقيقة هذا الموضوع يقلقني أنا، أكثر من سواي، لأنّني مجبرٌ على الحفاظ على مسارٍ تصاعدي. بالعودة الى "ذا فويس" بكافة نسخه ومواسمه، نجح البرنامج بالفعل في رفع السقف، لم يُقدم محتوى مباشر بهذه الجودة في أيّ برنامج آخر. ولعلّ الأغنيات التي ما زالت متداولةٌ بكثرةٍ من البرنامج كبديلٍ عن تسجيلاتها الأصليّة هي خير دليلٍ على ذلك. لقد عملنا على تحسين جميع مراحل الإنتاج الموسيقي من التوزيع الى التنفيذ، والإدارة، وقيادة الفرقة، ووظفنا جميع التكنيكات بالشكل الصحيح.من الواضح أنّ موسيقي "ذا فويس" هي ذات هويةٍ واضحةٍ، تظهر بصمتها من الثواني الأولى حتّى ولو اختلفت أنماط الأغاني، فمن المهم أن يوقن المستمع أنّ الشخص ذاته هو الذي عمل على هذه القطع الموسيقي ومنحها طابعاً مختلفاً. ولا بدّ أن أنوّه هنا الى أنّ "ذا فويس" لم يكن عملاً فردياًّ بل جماعياً، فهندسة الصوت كانت ممتازة والمنتج الأستاذ جان ماري رياشي -الشريك الدائم لنجاحي-، منحني مقداراً غير مشروطٍ من الحريّة الموسيقيّة وكان يتقن إظهار جميع التفاصيل التي أعمل عليها بالصورة الأبهى. جمعتنا ثقةٌ متبادلةٌ منحت "ذا فويس" هويةً موسيقيّةً ضخمةً.- تبدو وظيفة "المايسترو" مبهمةً للكثيرين، كيف يبسطّها المايسترو طارق سكيكر لقرّاء "المدن"؟يجب أن نميّز هنا بين مفاهيم ثلاثة: المايسترو في الموسيقى الغربيّة، المايسترو في الموسيقى الشرقيّة، وقائد الفرقة. ففي الموسيقى العربيّة القديمة لم تكن هنا حاجة إلى مايسترو، فعدد آلات التخت الشرقي كان قليلاً. في تلك الفترة كان المغني هو الذي يأمر الموسيقيّين بالبدء والتوقف. ومع ازدياد عدد الموسيقيّين، ولدت الحاجة لإدارتهم وتوحيد سرعات عزفهم ونقاط توقفهم، لا سيما أنّ الموسيقى العربيّة غنيّة بالوقفات غير الإيقاعيّة والتقاسيم. في هذه الحالة، يتولّى المايسترو مهمّة توزيع التقاسيم لضبط المساحة الإيقاعيّة الحرة. المايسترو في الموسيقى العربيّة يعمل على توزيع مهام أعضاء الفرقة.أمّا في الموسيقى الغربيّة، فقدت ولدت الحاجة للمايسترو نظراً لوجود كمٍّ هائلٍ من التفاصيل التي لا نراها في موسيقانا، تفاصيل خياليّةٌ ومعقّدةٌ، حتى أنّ أنفاس أعضاء الاوركسترا تكون مدوّنة بدقّة، مثل عازف الفلوت الذي يتنفّس فقط في المواضع المخصّصة لذلك. كما ينقل المايسترو في الموسيقى الغربيّة وجهة نظره ورؤيته الموسيقيّة للعمل، وهذا ما يدفع البعض للاستماع الى سمفونيّة ما تحت إدارة مايسترو معيّن دون سواه. هناك وجهات نظرٍ مختلفة للقطعة ذاتها. وهذا يتنافى مع طابع موسيقانا التي يفرض فيها العمل نفسه أكثر من المايسترو.أمّا ثالث مفاهيمنا، "قائد الفرقة"، فأظن أنّه ملعبي، أنا أوّزع القطعة بالكامل ومن الصفر، وأتعاطى مع العمل الموسيقي كعجينةٍ يمكن تطويعها. أكتب التوزيع الأوركسترالي بيدي، وهذا يخوّلني قيادة الأوركسترا من دون الحاجة الى نوتة، فأنا أوجدتها من العدم. هذا الوصف يشبهني ويمنحني مساحةً مناسبةً للتعبير عن هويتي الموسيقيّة.- مَن يغلب الآخر في طارق سكيكر: العازف، أم المؤلف، أم المايسترو؟المايسترو ليس من أولوياتي، بل هو وظيفةٌ موسيقيّةٌ فقط، أمّا المؤلف والعازف فكلاهما في مرتبةٍ واحدةٍ بالنسبة إلي. أؤلف فيما أعزف.. وأعزف فيما أؤلف، وهذا هو روتيني اليومي. الموسيقى تولد أثناء العزف، والفعلان مرتبطان مباشرةً. في الواقع، أستطيع أن أمضي أسبوعاً من حياتي بلا قيادة فرقة، لكنّني لا أستطيع أن أمضي أسبوعاً كاملاً من دون عزف وتأليف.- لا يمكن أن نختم لقاءنا مع أحد أهمّ الموسيقيّين اليوم من دون أن نطرح تساؤلاً مهماً، ولو كان متكرّراً: مَن المسؤول عن تردي المستوى الموسيقي في عالمنا العربي، ذائقة الجمهور السيئة، أم استسهال القائمين على صناعة الموسيقى؟سؤالك نصف الإجابة، الاستسهال مصيبة كبرى، فالموسيقى ليست سهلة، هي مسؤوليّة كبرى لمن يقدم العمل، خصوصاً أنّ غالبية الفنانين تتلقى مبالغ مالية خياليّةً رغم انعدام الكفاءة، بالإضافة الى فناني السوشال ميديا المتفلتين من المعايير الفنيّة. نحن لا نملك اليوم كمحترفين، مساحةً للنقد. "موضة التنمر" أفسدت الحس النقدي لدينا، ووضعتنا أمام خيارين، أحلاهما مرّ. بطبيعة الأمر تنشر السوشال ميديا موسيقى جيدة، لكن يُنشر في مقابلها الكثير من الموسيقى السيئة، وهذا يضعنا في موقف محبط. شخصياً، صرت أفضلّ الصمت، لا سيما أنّ فنانين كثر لا يقبلون النقد الأكاديمي الجاد ويفضلون سياسة التملق.
ملاحظة: نرجو ممن يرغب بإضافة تعليق، صياغته بلغة لائقة بعيدة عن القدح والذم والتحريض المختلف أو المسّ بالكرامات. إن كل ما ينشر من مقالات وأخبار ونشاطات وتعليقات، لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع الذي لا يتحمّل أي أعباء معنويّة أو ماديّة من جرّائها.
التعليقات
لارسال تعليق يرجى تعبئة الحقول الإلزامية التالية