الراعي يمدح برّي.. وعودة يحذر من التورط بالحرب
2023-12-17 14:30:32
أشار البطريرك الماروني، مار بشارة بطرس الراعي، في عظته خلال قداس الأحد في بكركي إلى أن "على نواب الأمة أن يدركوا أن الفوضى السياسية العارمة والانقسامات لا يمكن إزالتها الا بوجود رئيس نظيف الكف".
وقال الراعي في عظته: "نودّ أن نشكر الله معكم على أنّه جنّب لبنان بالأمس خطر أزمة سياسيّة وأمنيّة، بالقرار الذي اتّخذه مجلس النواب، إذ مدّد لقائد الجيش وقادة الأجهزة الأمنيّة لمدّة سنة. هكذا ظهرت الإرادة الحسنة التي ترفّعت عن المصالح الشخصيّة والفئويّة، وتطلّعت حصرًا إلى "المصلحة الوطنيّة العليا" المعروفة قانونًا ودوليًّا بالفرنسيّة “Raison d’Etat”. هذه المصلحة الوطنيّة هي تجنّب الفراغ المميت في قيادة الجيش؛ الصمود الفطن بوجه الإعتداءات الإسرائيليّة اليوميّة المسلّحة والمستمرّة على قرى الجنوب اللبناني؛ تثبيت وحدة الجيش وثقته بنفسه وبقيادته؛ تجنّب أي زعزعة في صفوفه بداعي التغيير، وفقًا للقاعدة الذهبيّة: الشريعة للإنسان، لا الإنسان للشريعة. وقد عبّرت عن مشاعر الشعب اللبناني الكلمة التي افتتح بها رئيس مجلس النواب عمليّة التصويت على القانون الرامي إلى التمديد لرتبة عماد أو لواء إذ قال: كلّ اللبنانيّين من دون استثناء هم مع الجيش اللبنانيّ، وما حدا يزايد على الثاني".
وختم الراعي: "كم نودّ ونصلّي كي تستمرّ هذه الإرادة الحسنة لدى أعضاء المجلس النيابي فيدركون أنّ لا دولة من دون رئيس، كما أبان رئيس المجلس الدستوري سابقًا الدكتور عصام سليمان. فيلتئم المجلس النيابي سريعًا وينتخب رئيسًا للدولة الذي من دون السلطة المناطة به لا ينتظم أداء المؤسّسات الدستوريّة، ولا يتحقّق الإنتظام العام، فتفقد السلطة مبرّر وجودها (راجع المادّتين 49 و50 من الدستور). فالدولة وُجدت ككيان سياسيّ وحقوقيّ من أجل الحفاظ على الوطن وتنظيم شؤونه بما يوفّر الأمن والإستقرار والعيش الكريم لأبنائه. هذه هي المصلحة الوطنيّة العليا التي لا تعلوها أي مصلحة، والتي تتحقّق من خلالها المصالح الخاصّة للمواطنين وللفئات التي يتكوّن منها الوطن. ولذلك لا غنى عنها، ولا يجوز التفريط بها لحساب أي مصلحة أخرى (المرجع نفسه). فليدرك نوّاب الأمّة أنّ الفوضى السياسيّة العارمة، واستباحة خرق الدستور نصًّا وروحًا، والنزاعات الداخليّة، والإنقسامات على حساب الدولة والمواطنين لا يمكن إزالتها إلّا بوجود رئيس للدولة كفوء ونزيه ونظيف الكفّ، لا يهتمّ إلّا بالمصلحة الوطنيّة العليا. فلا يساوم عليها، بل يضعها فوق أي إعتبار(المرجع نفسه).عودة: دوس العدالةأما المطران الياس عودة فقال في عظته: "نصلّي اليوم معًا من أجل راحة نفسي إبنين للكنيسة بارين، رجلين لبنانيّين حقيقيّين ناضل كلٌّ منهما على طريقته وفي مجاله، من أجل الحقّ والخير، من أجل الحريّة والعدالة وكرامة الإنسان. لو كانا بيننا لرفعا الصوت عالياً ضد القهر الذي يعيشه شعبا لبنان وفلسطين، وضد قتل الأطفال والمدنيّين، وضد محو مدنٍ وإزالة معالم تاريخ، ولعملا من أجل وقف المجزرة الجارية أمام أعين العالم، متمسّكين بحقّ كلّ إنسانٍ بالحياة وبحرّيّة الفكر والتعبير. كم يفتقد بلدنا إلى أمثالهما بالنّزاهة والإنسانيّة وحبّ الوطن والتّشبّث بكلّ شبرٍ من أرضه. وهما المحامي عصام خوري والصحافي جبران تويني: "فالمحامي عصام خوري، الّذي تنوّعت مسؤوليّاته بين نقيبٍ للمحامين، ووزيرٍ للدّفاع الوطنيّ، ووزيرٍ للتّربية، عاش حياةً زيّنها حبّ الكنيسة والوطن، موازنًا بينهما في مسيرته العمليّة والإجتماعيّة، فلم يفضّل أحدهما على الآخر، بل اعتبرهما جناحين يحلّق بهما الإنسان معًا إذا عرف كيف يحبّهما ويحترمهما ويعمل معهما ومن أجلهما. في أيّامنا ما أكثر من يضربون عرض الحائط بالدّستور والقوانين من جهةٍ، وبالمعتقدات الإيمانيّة من جهةٍ أخرى، ويدوسون العدالة غير مكترثين بآلام الناس، فتنعكس نتائج أعمالهم السلبيّة ضرراً على بلدنا. الحبيب عصام، كان دائم الإلتجاء إلى الرّبّ، مصلّيًا كي يؤازره "في كلّ عملٍ صالحٍ" كما نطلب في صلواتنا. عندما انتخب نقيباً للمحامين في العام 1981، هيمنت على الانتخاب أجواءٌ لافتةٌ من الإلفة والحرّيّة والحماس، فوصف الانتخاب بالحدث الوطنيّ والديمقراطيّ. كم يتعطّش لبنان إلى أجواء مماثلة، لأنّ كلّ استحقاقٍ ديمقراطيٍّ يتحوّل في أيامنا إلى صراع جبابرةٍ، وتنافس مصالح وأنانيّاتٍ يؤدّي إلى التّعطيل أو التّفجير أو التّهجير. عصام جمع بين الإيمان والثّقافة وحبّ الوطن، فعمل بخفرٍ في المحافل الوطنيّة والعالميّة من أجل إعلاء شأن بلده، خصوصًا في المجالات الّتي تولّى مسؤوليّتها. وكما عاش بخفرٍ، هكذا رحل، لا قصور لديه ولا سيّاراتٍ وممتلكاتٍ، لأنّه عرف كيف يحمي نفسه من شيطان الفساد الّذي يعبث بغالبيّة نفوس المسؤولين والزعماء.
أمّا الحبيب جبران الّذي غادر أرضنا منذ ثمانية عشر عامًا، مع رفيقيه نقولا وأندريه، فكان شهيد ثقافتين متناحرتين: ثقافة إنسانٍ محبٍّ لوطنه ولكلّ ذرّةٍ من ترابه، وثقافة مجرمٍ أراد إسكات كلّ صوتٍ جريءٍ وقلمٍ حرٍّ، بهدف بثّ روح الجهل والحقد والطّائفيّة المشرذمة، بدلًا من روح المحبّة والإنفتاح والمواطنة الحقّة. جبران كان صوتًا صارخًا في غياهب هذا البلد الّذي أظلمته الشّهوة الشّرّيرة، شهوة المال والسّلطة والقوّة. لقد شاء أن يكون نهار لبنانه مشمسًا ساطع الضّياء، مفتّشاً عن الحق، ناطقاً بالحقيقة، رافعاً لواء الحريّة والعدالة، لكنّ الشّيطان أغوى نفوس أتباعه على هذه الأرض، فأظلم النّهار، وغابت شمس الحرّيّة والدّيمقراطيّة، منذ ذلك الحين، مع إسكات أصواتٍ عدّةٍ نادت باستنارة العقول والنّفوس ورذل الأحقاد. لم يأت بعد جبران من يتحلّى بجرأته، وبإيمانه ووطنيّته الصادقة، ربّما لأنّ القلوب ضعفت خوفًا من كمّ الأفواه والإغتيال، وتعطيل القضاء، لذا على الجميع تذكّر قول الكتاب: "إن كان الله معنا فمن علينا"؟.
وأردف المطران عودة: "لبناننا اليوم بلا رأسٍ، وهو في عين العاصفة مع كلّ المخاطر المحدقة به. خفت بريقه، خنق صوته، ضاع دوره، هجّرت طاقاته، ومن بقي من شعبه يعيش في الفقر والقهر واليأس. جبران صرخ عاليًا عام 2001 سائلًا: "أين هو دور لبنان في حوار الحضارات وفي تقريب وجهات النّظر بين الغرب والشّرق؟ أين لبنان همزة الوصل، لبنان الحضارة، لبنان الإشعاع..؟ أين العدالة؟ أين السّلم الأهليّ؟ أين الحوار الدّاخليّ؟ أين دولة المؤسّسات؟". أسئلةٌ ما زال كلّ لبنانيٍّ شريفٍ يطرحها وينتظر الإجابة عنها. في العام نفسه، في زمنٍ يشبه ما نعيشه حاليًّا كتب: "لبنان صلبٌ في موقفه الإقليميّ، وصلبٌ في موقفه ضدّ العدوّ وما يقوم به من إجرامٍ في الأراضي المحتلّة، وما يقوم به ضدّ لبنان يوميًّا... لبنان صلبٌ في وحدته وتعدّديّة مجتمعه، وصلبٌ في إيمانه وتمسّكه بهويّته وحضارته الفريدة من نوعها، ولبنان صلبٌ وشرسٌ في الدّفاع عن وحدة أرضه وشعبه واستقلاله وسيادته. لكنّ لبنان اللّبنانيّين غير مستعدٍّ لأن يساق مجدّدًا إلى حلبة صراعٍ لا علاقة له به، وغير مستعدٍّ أن يقبل بأن تصبح هويّته ووحدة شعبه واستقلال أرضه موضع تهديد. وحدتنا وخصوصيّتنا وهويّتنا مقدّساتٌ لن يسمح اللّبنانيّون لأحدٍ بأن يمسّها أو يهدّدها أو أن يلعب بنار التّفرقة مهما كانت الذّرائع".