2026-11-06
بث مباشر
إعلان
عاجل
المتفرقات

يوميات صحافي أجنبي عالق في السودان: قلق ومصائر مجهولة

وك

وكالات

05 أيار 2023

يوميات صحافي أجنبي عالق في السودان: قلق ومصائر مجهولة
إعلان
نشرت وكالة "أسوشييتد برس"، مدونة للصحافي البريطاني جاك جيفري، الذي عَلِق في السودان لأسابيع بعدما تصاعدت الأحداث في البلد المثقل بالانقسامات السياسية والاضطرابات الإثنية منذ عقود.
وقال جيفري الذي كان يعد مجموعة من التقارير من السودان ويقيم فعلياً في القاهرة ويكتب لـ"أسوشييتد برس" ووسائل إعلام عالمية أخرى عن دول مثل ليبيا واليمن: "كنا مجموعة متنوعة من أكثر من 12 شخصاً تجمعوا في فندق صغير في وسط الخرطوم: عائلة سودانية، وموظفو الفندق السودانيون، وعدد صغير من المواطنين البريطانيين والفرنسيين، وعائلة سورية، ورجل لبناني".الفندق الذي التجأ إليه جيفري هو فندق "ليسامين سفاري" الذي كان في السابق "يستقبل مجموعات صغيرة من السياح الآتين لزيارة مناطق جذب في السودان: أهرامات مروي القديمة، والشعاب المرجانية في البحر الأحمر"، لكنه بات الآن "مجرد ملجأ وملاذ من خمسة طوابق" للهاربين من القتال بين أقوى قائدين عسكريين في السودان بموازاة تحول الخرطوم إلى ساحة معركة لم تشهد له المدينة مثيلاً من قبل. ويتقاتل الجيش وقوات الدعم السريع في الشوارع بالبنادق الآلية والمدفعية مع شن غارات جوية.وبحسب جيفري، "يواجه ملايين السودانيين يومياً خيارات مرعبة حول كيفية البقاء على قيد الحياة. فإما الاختباء في المنزل، الذي يمكن أن تخترق رصاصة أو صاروخ جداره، أو مغادرة المنزل، مخاطرين بالتعرض الأكيد للفوضى خارجه. بعد أيام من الحصار في المنزل اختار كثيرون التوجه إلى فندق ليسامين، معظمهم سيراً على الأقدام من الحي القريب المعروف باسم الخرطوم 2، كما فعلت أنا قادماً من حي العمارات. وصلت إلى الفندق في اليوم السابع من القتال".وفي هذا المكان الآمن مؤقتاً "بدأنا معاً البحث عن سبيل للهروب من المدينة، وقضينا ساعات طويلة معاً في بهو الفندق، وسط دوي إطلاق نار شبه دائم في الصباح. وكلما كان دوي الانفجارات قريباً، انتقل النزلاء، وأنا معهم، إلى القبو للحماية. تبادل الضيوف روايات معاناتهم، وكيف رأوا الموت بعيونهم، وكيف شاهدوا رجالاً مسلحين يسرقون الأفراد وينهبون المتاجر ويسلبون المباني. في المراحل الأولى من القتال سوت طائرات الجيش السوداني العديد من قواعد قوات الدعم السريع في الخرطوم بالأرض، ودفعت مقاتلي الدعم السريع، الذين كانت تضمهم تلك القواعد، إلى الشارع".ونقل جيفري عن سيدة بريطانية: "استخدموا سطح منزلنا لإطلاق النار"، مضيفاً أنها كانت تخشى أن يجذب وجود المقاتلين على سطح بنايتها قصفاً من الطرف الآخر، حيث تعرض مبنى مجاور بالفعل للقصف، واشتعلت فيه النيران. أما الأسرة السودانية ففرت من منزلها ولم تحمل معها شيئاً يُذكر. الأب باحث في الأنثروبولوجيا في جامعة الخرطوم، وكان الأطفال المراهقون أو أصغر قليلاً، في غاية الرزانة، ونادراً ما اشتكوا. كان أكبر همهم الكتب والملابس والإلكترونيات التي خلفوها وراءهم، وسألوا والدتهم عما إذا كان بإمكانهم العودة إلى المنزل لاستعادتها، فقالت لهم وهي تضحك: "لا أعتقد أن قوات الدعم السريع ستسرق كتبكم".وعقب جيفري: "كنا ننتظر لمدة ساعة تقريباً كل يوم حتى تم تشغيل مولّد الكهرباء، إذا كان هناك وقود لتشغيله، من أجل شحن هواتفنا. مثل كثير من مناطق جنوب الخرطوم وقع الفندق تحت سيطرة قوات الدعم السريع. تجول مقاتلوها في المنطقة بزيهم المموه، واشتبهنا في أن آخرين بملابس مدنية كانوا أيضاً من قوات الدعم السريع، الذين كان من المستحيل أن يكون عمر بعضهم أكثر من 18 عاماً".ووصل جيفري إلى الخرطوم قادماً من القاهرة قبل شهر من اندلاع القتال، من أجل تغطية صحافية للمرحلة الأولى من الانتقال الديموقراطي في السودان، التي اتفقت عليها أحزاب سياسية سودانية والجيش وقوات الدعم السريع في كانون الأول/ديسمبر الماضي. على الورق وعد الاتفاق بإنهاء انقلاب العام 2021، حين وحد قائدا السودان العسكريان، قائد الجيش عبد الفتاح البرهان، وقائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو، القوى لإطاحة حكومة تقاسم السلطة المدعومة من الغرب.لكن على الأرض، ساد قلق كبير. ففي الليل باتت الشوارع، المزدحمة عادة طوال شهر رمضان، هادئة. وتأخر بدء الانتقال بشكل متكرر، حيث كان الجيش وقوات الدعم السريع على خلاف حول دمج الأخيرة في الجيش، وهو بند رئيسي في الاتفاق. وتحركت مشاعر استياء بين القوتين. ثم تحركت مجموعات من مقاتلي الدعم السريع وقوات الجيش إلى وسط الخرطوم. وبينما حذر المواطنون السودانيون من احتمال وقوع اشتباكات، تبنى المحللون والصحافيون والدبلوماسيون منطق أن كل جانب لديه الكثير ليخسره في أي صراع مفتوح. ولم يكن هناك ما يشير إلى استعداد السفارات أو وكالات الإغاثة الأجنبية للإغلاق ومغادرة البلاد.وعقّب جيفري: "كنا نحن المخطئين. فبعد اندلاع القتال في 15 نيسان/أبريل أصبحت محاصراً في مسكن كنت أقيم به في حي العمارات الذي يقع جنوب حي الخرطوم 2 مباشرة. ومع عدم توافر إمدادات المياه والغذاء، أصبح البقاء هناك مؤلماً، فقررت أخيراً، بعدما ضُربت صواريخ الشارع، أن أتجه إلى فندق ليسامين".وأكمل: "كان للخوف دوافع مختلفة لدى نزلاء الفندق، فبالنسبة لي كان أزيز الطائرات المسيرة وهي تحلق فوق أسطح المنازل. كان يمكن أن يستمر كنذير شؤم لمدة 15 دقيقة، حتى نسمع الدوي الحاد لقنبلة تم إسقاطها. خلال فترات هدوء القتال، والتي عادة ما تكون في فترة ما بعد الظهيرة، كان الرعب يتحول إلى قلق، وكنا نحاربه بالحديث عن خططنا المستقبلية، وكأننا اتفقنا على قاعدة غير معلنة: لا حديث عن أسوأ السيناريوهات".وبحسب جيفري "كان مالك الفندق السيد صلاح كريماً، حيث منحنا الغرفة الفردية مقابل 60 دولاراً فقط في الليلة الواحدة، نظراً للظروف المحيطة، ولم يحصل أي رسوم ممن كانوا لا يملكون نقوداً. في الليل كان الطهاة الماهرون منا يطهون الطعام، باستخدام المتاح والموجود. وكنا نعلم يقيناً أن الإمدادات لن تدوم أكثر من بضعة أيام. جميع الطرق خارج الفندق كانت محفوفة بالخطر. ورغم ذلك خطط النزلاء والموظفون السودانيون للهروب إلى الريف ومدن أخرى كان القتال فيها أقل شراسة، وكان البعض يأمل في الوصول إلى مصر".كانت مدينة ود مدني القريبة أحد الخيارات، لكن من دون سيارة أو وقود أو سائق راغب في القيام بهذه المخاطرة، باتت هذه أيضاً بعيدة المنال. من كانوا منا يحملون جوازات سفر أوروبية كانوا يعلقون آمالاً عريضة على الإجلاء. لكن مع عدم وجود مطار عامل واستمرار القتال في الشوارع، بدا الأمر صعباً. وبحلول 23 نيسان/أبريل، عندما ألمحت الحكومات الأجنبية إلى احتمال القيام بعمليات إجلاء، "كان من الواضح أنه يتعين علينا التحرك".وأوضح جيفري أن الأسرة السودانية وجدت وسيلة تقلها إلى بورتسودان، حيث عائلة الأم. وطلب من ثلاث فرنسيات في الفندق الوصول إلى السفارة بأي وسيلة ممكنة. وقرر مواطنان بريطانيان، وهما جرّاح وأرملة من غلاسكو، البقاء. أما العائلة السورية والرجل اللبناني فلم تكن لديهم خيارات كثيرة، ولم يكن لديهم تواصل مع حكوماتهم كي تساعدهم على الرحيل.وأكمل: "في بهو الفندق ذات صباح ودعنا بعضنا وتبادلنا الأمنيات بالتوفيق. تلقيت وعداً بمكان على رحلة إجلاء برّي نظمتها تركيا إلى إثيوبيا، وساعدني زملائي في العثور على سيارة تقلني إلى نقطة التجمع في فندق آخر. وعند نقاط التفتيش على طول الطريق شق السائق طريقه وسط جنود الدعم السريع، الذين وقف بعضهم بانتباه بينما استرخى آخرون في الظل. في منتصف الطريق تلقينا رسالة من مديري مفادها أن الخطة تغيرت: كان علي أن أعود أدراجي وأتوجه إلى السفارة الفرنسية. وبفضل زملائي في باريس تمت إضافتي إلى لائحة الإجلاء الفرنسية. كنت محظوظاً للغاية وممتناً للغاية. وبينما وصلت إلى مبنى السفارة المحصن غير مصاب لم يحالف حظي السعيد آخرين، حيث وجدت جندياً فرنسياً مستلقياً على الأرض في قاعة الاستقبال بالسفارة وغطى جروحه بورق قصدير، بينما أصيبت امرأة بريطانية في قدمها برصاصة طائشة".وعقب جيفري: "انطلقت قافلتنا المكونة من 4 حافلات و25 عربة مصفحة من السفارة في نحو السادسة مساء، وعبرت شوارع تسيطر عليها قوات الدعم السريع إلى مناطق تخضع لسيطرة الجيش، قبل أن تصل إلى قاعدة وادي سيدنا الجوية شمال غرب الخرطوم. لدهشتي رأيت مالك فندق ليسامين السيد صلاح في المطار، فعانقته وشكرته على الأيام التي قضيناها بفندقه. بعد مغادرة النساء والأطفال وكبار السن على متن رحلات جوية، كان دوري مع شبان آخرين لنستقل الرحلة الأخيرة من تلك الجولة من عمليات الإجلاء في الساعات الأولى من يوم 25 نيسان/أبريل، ووجهتنا جيبوتي".وختم جيفري: "لم يكن من المفترض ولا المخطط أن تسير الأمور على هذا النحو: لا للسودان، ولا لزملائي وأصدقائي، ولا لملايين السودانيين. الاطمئنان على كل شخص قابلته في الفندق أمر أثبت صعوبته، فبعض الموظفين قالوا أنهم في أمان حالياً في منطقة أخرى من السودان، ومالك الفندق وصل إلى كوبنهاغن لينضم إلى عائلته. كذلك وصلت الفرنسيات الثلاث بأمان إلى فرنسا. لكن لم تصلني أي أخبار من أولئك الذين بقوا في الخرطوم، حيث انقطعت تماماً شبكات الهاتف المحمول".
ملاحظة: نرجو ممن يرغب بإضافة تعليق، صياغته بلغة لائقة بعيدة عن القدح والذم والتحريض المختلف أو المسّ بالكرامات. إن كل ما ينشر من مقالات وأخبار ونشاطات وتعليقات، لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع الذي لا يتحمّل أي أعباء معنويّة أو ماديّة من جرّائها.

التعليقات

لارسال تعليق يرجى تعبئة الحقول الإلزامية التالية

مقالات ذات صلة