عشية الأمس الثاني من أيار الجاري، وبمناسبة عيد العمّال، أطلق المرصد اللبناني لحقوق العمّال والموظفين وبالتعاون مع مؤسسة فريدريش إيبرت، فيلمًا وثائقيًا بعنوان "عمال لبنان: صفحات من تاريخ لم يُروَ بعد". وقد تم انتاج الفيلم الوثائقي الذي تبلغ مدتّه الساعة تقريبًا، بالتعاون مع شركة "كولوربارز" للإنتاج الإعلامي. وهذا الوثائقي الذي حضر حفل إطلاقه العشرات من الناشطين والصحافيين والنقابيين والسياسيين وبعض من نواب "التغيير"، استخدم ثيمة العودة إلى تاريخ الحركة النقابيّة والعمّالية في لبنان وتفكيكها وتحليل وقائعها. وذلك من خلال مقابلات وشهادات عدد من النقابيين، والكتّاب، والصحافيين، والمؤرخين. من جملتهم النقابي أديب أبو حبيب (أمين عام اتحاد عمّال الطباعة والإعلام)، الكاتب والمؤرخ فواز طرابلسي، النقابي عصام ريدان، النقابي علي جابر (الأمين العام السابق لجبهة التحرّر العمالي)، الصحافية الزميلة عزة الحاج حسن (متخصصة في الشأن الاقتصادي)، الباحث والناشط السياسي غسان صليبي، والمدير التنفيذي للمرصد والناشط النقابي والعمّالي أحمد الديراني، وغيرهم..مرحلة التأسيس والانطلاقاستهل الحفل بكلمة ترحيب ألقاها المدير التنفيذي للمرصد اللبناني لحقوق العمّال والموظفين، أحمد الديراني، الذي عرّج في صدّد كلمته عن ضرورة الحديث اليوم عن ورشة وطنية شاملة قوامها النضال العمّالي الذي ينبثق عنه العمل النقابي المؤثر. مسوغًّا أهمية تأريخ الحقبة الممتدة منذ أربعينيات القرن الماضي لليوم، كمدخل لفهم حقيقي للمؤثرات التّاريخية وتراكم المشكلات البنيويّة في الأطر النقابية اللبنانية، والتّي أفضت أخيرًا للواقع المُعاش اليوم. ومن بعدها جرى عرض الفيلم الذي انطلق في بدايته لعرض مشاهدات ورواية المحطات الأولى للنضال العمالي في لبنان، الذي انبثق مطلع القرن العشرين، مع تبلور نواة الحركة العمالية اللبنانية، وذلك بفعل تداخل العوامل السياسية والصراعات الطبقية فضلاً عن الطائفية التّي هيأت لمثل هذا النضال.
عارضًا سلسلة من المشاهدات لأولى بوادر الانتظام النقابي في ظلّ الانتداب الفرنسي، داخل مصانع الحرير والشركات ذات الامتيازات الخاصة، ومصانع التبغ والمرفأ وسكة الحديد وقطاع الطباعة. وتجلّت محاولات التنظيم الأولى على أساس تعاوني، حسب التشريع العثماني المطابق لتأسيس الجمعيات. ومن ثمّ ازدهار للنضال العمّالي الموسوم بالوعيّ الطبقي المتشكل والمشوب بالعراقيل السياسية والطائفية والعائلية وحتّى الخارجية، والتأثير اليساري الشيوعي فيه، إلى أن أتى تأسيس حزب الشعب عام 1924، والحزب الشيوعي عام 1925، وطرح أول برنامج عمالي في احتفالات الأول من أيار عام 1925، فكانت عوامل أفضت إلى انطلاق الحركة العمالية النقابية وبداية نضالاتها التي حصدت بها مكتسبات قانونية (إصدار قانون الموجبات والعقود عام 1932). فيما تم عرض تقارير ومراسلات ووثائق صادرة عن وزارة الخارجية الأميركية خلال الفترات الأولى لتشكل الحركة النقابية في لبنان، ومحاولتها الانخراط فيها وفرض تأثيرات لإضعاف هذه الحركة لصالح الحركة النقابية اليمينية. الحرب الأهلية والاحتلال السوريومن ثم استمر النضال النقابي في مواجهة سلطات الانتداب (بالرغم من ظهور محاولات انشقاق ذات إيحاء طائفي، مارستها البورجوازية العائلية بدعم من سلطات الانتداب التي منحت بعض المرجعيات الدينية تراخيص لإنشاء نقابات خاصة بها) على المستويين الوطني والاقتصادي، عن طريق الإضرابات والمواجهات العمالية التي لقي خلالها بعض العمال حتفهم، إلى أن أرغمت السلطة على إصدار قانون العمل عام 1946. ومن ثم بروز الانقسامات الإيديولوجية الحادّة والتّي لم تستعدها الحركة النقابية والعمالية حتّى مطلع ستينيات ولحين سبعينيات القرن الماضي، بعد مخاضٍ طويل، أفضى إلى اتفاق مختلف الأقطاب اللبنانية السّياسيّة والنقابيّة على اتباع مسلك أحادي، تمثّل بإنشاء اتحادات عمّالية على أُسس قطاعية.. مرورًا على إسهامات السّاسة اللبنانيين في سنّ وتدشين وقوننة هذه الأسس.
وشهدت المرحلة ما قبل الحرب الأهلية عام 1975 تصاعدًا طرديًا في وتيرة النضال النقابي، وازدهارًا ملحوظًا باتجاه مغاير للانقسام الطائفي غايته الأساس: الدفاع عن حقوق العمّال وتحصيلها وفيما أدى اندلاع الحرب الأهلية (1975-1990) إلى تجميد الحركة النقابية ونشاطاتها من دون أن يُلغيها. وبالتالي، لم يعد ثمّة مجال للحديث عن علاقة واضحة بين السلطة والحركة النقابية، حتى تشرذمت الحركة النقابية مع بداية التسعينيات مروراً بفترة الاستقطابات الحاّدة، ومحاولة الاحتلال السوري حينها للهيمنة على الاتحاد العمالي العام في لبنان، عبر الاتحاد العام لنقابات العمل في سوريا وفرض سلطة قسرية على قراره تهديدًا، سواء مباشرة أو من خلال تفريخ النقابات وتركيب الاتحادات لضرب "الاتحاد العمالي العام". إذ شهد العمل النقابي تحديدًا في ظلّ الوجود السوري ومرحلة ما بعد الطائف التدخل السياسي والتنظيمي والأمني في عمله، الأمر الذي ترك بصماته على واقع "الاتحاد العمالي العام" وتحركاته بعد الانسحاب السوري من لبنان (نيسان 2005). ومن ثم مرحلة الحريرية السياسية والخلافات اللاحقة.الأزمة اللبنانية اليوموأخيرًا وصل الوثائقي إلى عرض تأثيرات سياسة السلطات اللبنانية المتعاقبة عبر تاريخ لبنان الحديث، والتّي تقوم على التدخل في شؤون الحركة النقابية من أجل الهيمنة عليها، ومع إفراغ العمل النقابي من عملانيته و"تدجين" الاتحاد العمالي العام، وتفتيت الحركة العمالية، كلها كانت من العوامل التّي جعلت لبنان اليوم مأزومًا على مختلف الصعد. وتناول الوثائقي شهادات نقابيين في ظلّ الأزمة الاقتصادية، ووطأة هذه الأزمة على سوق العمل اللبناني، والتّي انتزعت من العمال حقوقهم وانتهكتها، وضيقت هامش الحريات على النضال العمالي الذي ينتج نقابات ديمقراطية، في حين يُهيمن اليوم على النقابات والاتحادات العصب الطائفي والسياسي الحزبي. وعرج على أرقام ومؤشرات البطالة وتأثيرها على العمل النقابي. وصولاً لمرحلة ما بعد انتفاضة 17 تشرين الأول عام 2019.
وانتهى الفيلم الوثائقي على وقع أغنية للشيخ إمام، كنايةً عن نكبة العمّال في لبنان، وانسداد الأفق النضالي لصالح التشرذم والوطأة السلطويّة الموغلة بتأثيراتها على حياة المواطن عاملاً كان أم لا.
ملاحظة: نرجو ممن يرغب بإضافة تعليق، صياغته بلغة لائقة بعيدة عن القدح والذم والتحريض المختلف أو المسّ بالكرامات. إن كل ما ينشر من مقالات وأخبار ونشاطات وتعليقات، لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع الذي لا يتحمّل أي أعباء معنويّة أو ماديّة من جرّائها.
التعليقات
لارسال تعليق يرجى تعبئة الحقول الإلزامية التالية


