حين اندلع الاقتتال في السودان، احتُجزت قوة مصرية في مطار مروي السوداني من قِبل "قوات التدخل السريع"، وبعدها تم تداول مَشاهد مصورة لجنود القوة وضباطها مجرّدين من أسلحتهم ومجبرين على الجلوس أرضاً. حين عاد بعض من القوات المصرية في السودان إلى الوطن، كان هناك القليل مما يمكن أو ينبغي قوله، سوى الإعراب عن الارتياح وتمنى السلامة للباقين. بالتوازي، نقلت وكالات الأنباء العالمية أخباراً عن تدمير طائرات مقاتلة مصرية على أرض المطار السوداني. أما الحكومة المصرية، فالتزمت الصمت بشأن تلك الأخبار، واكتفت بالتعليق على مسألة الجنود الذين تم احتجازهم بأنهم جزء من مهمة تدريب مشترك. تصاعُد الأحداث اللاحق، وانطلاق عمليات إجلاء الطواقم الدبلوماسية والمدنيين، غطت على أي أسئلة بشأن ما حدث في مروي. وسرعان ما جاء خبر مقتل مساعد الملحق الإداري بالسفارة المصرية في الخرطوم، ليطغي الوجوم على إمكانية التساؤل.كالعادة تأتي البيانات من الخارج، يتكتم النظام المصري على المعلومات بوصفها شأناً يخصه حصراً. في تقرير عن خلفيات اندلاع المواجهات العسكرية في السودان، نُشر في 28 ابريل/نيسان الماضي، نقلت وكالة "رويترز" عن دبلوماسيين ووسطاء، تفاصيل اللقاء الأخير بين البرهان وحميدتي، قبل أسبوع واحد من اندلاع القتال. وفي ذلك اللقاء، طالب البرهان بسحب قوات الدعم السريع من مدينة الفاشر، الواقعة في منطقة نفوذ الدعم السريع في دارفور. وفي المقابل، طالب حميدتي بانسحاب القوات المصرية من مطار مروي، خشية أن يتم استخدامها ضده. ولم تعلق الحكومة المصرية على محتوى التقرير، وإن كان هناك ما يكفي من دلائل لترجيح صحّته. إذاً، كانت القوات المصرية موضوعاً للتداول والتفاوض بين الرجلين المتصارعين على السلطة. وثمة ما يوحي بأن الفشل في حسم أمر تلك القوات، إن لم يكن السبب الوحيد، فكان أحد أسباب اندلاع المعارك، أو على الأقل حجة لها. ولم يكن استيلاء قوات الدعم السريع على المطار واحتجاز القوة المصرية عرَضياً.هل كانت القيادة المصرية على عِلم بتلك المفاوضات وموقع قواتها فيها على خطوط الخلاف؟ إن كان الرد بالإيجاب وهذا السيناريو الأكثر واقعية، فلا شك في أن ذلك يشير إلى تهاون مُخزٍ في تأمين قوات مروي وجاهزيتها أمام هجوم محتمل. فالتوتر بين الجيش وقوات الدعم السريع لم يكن خافياً، خصوصاً أن الدعم المصري للبرهان جاء على خلفية هذا التوتر وبسببه تحديداً. ولو كانت الإجابة بالنفي، فيظل هذا تقصيراً لا يقل فداحة. هل كان على مصر أن تكون طرفاً في الصراع؟ ولو افترضنا أن ذلك كان حتمياً، ألم يكن على الأقل ينبغي تأمين القوة المصرية وطائراتها؟أثناء الفوضى الدموية التي ضربت الخرطوم، تعرضت بعثات دبلوماسية غربية لهجمات مسلحة. كان بين الأهداف موكب أميركي، وسفير الاتحاد الأوروبي الذي تعرض لاعتداء في منزله. لكن وبشكل مأسوي، كانت البعثة الدبلوماسية المصرية هي الوحيدة التي فقد أحد أعضائها حياته أثناء توجهه للسفارة لمباشرة عمله. بالطبع، لا تفاصيل يمكن الوصول إليها بشأن ملابسات الواقعة، ولا إن كان هناك تعمّد لاستهداف البعثة المصرية أو تقصير في تأمين أعضائها.وفي ما يخص إجلاء المدنيين، فقبل ثلاثة أيام، أعلنت وزارة الخارجية المصرية عن توقف عمليات الإجلاء الجوي للمصريين من قاعدة "وادي سيدنا" الجوية السودانية، وذلك لاعتبارات أمنية، متخلية عن مئات من المصريين هناك بلا مساعدة، بعدما نصحتهم بالتوجه بأنفسهم إلى واحد من المعابر الحدودية مع مصر، أو إلى القنصلية المصرية في بورتسودان. يظل معظم هؤلاء عالقين في القاعدة، خشية استهدافهم من قبل الدعم السريع. أما الجهات المصرية المسؤولة عن الخيارات غير المحسوبة والخسائر والتقصير في أكثر من ملف في السودان، فواثقة في أنها لن تتعرض للمحاسبة.
ملاحظة: نرجو ممن يرغب بإضافة تعليق، صياغته بلغة لائقة بعيدة عن القدح والذم والتحريض المختلف أو المسّ بالكرامات. إن كل ما ينشر من مقالات وأخبار ونشاطات وتعليقات، لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع الذي لا يتحمّل أي أعباء معنويّة أو ماديّة من جرّائها.
التعليقات
لارسال تعليق يرجى تعبئة الحقول الإلزامية التالية


