يبسط القانون المصري مظلة التجريم على كل صور الإجهاض، بمنطق أقرب إلى التحريم. الاستثناء الوحيد يأتي من المادة 29 من لائحة آداب مهنة الطب الصادرة في العام 1974، والتي تنص على اعتبار الإجهاض حالة طبية تستوجب الرعاية حصراً في حال شكّل الحمل خطراً على صحة الحامل. غير أن المادة لا تفصل ما تعنيه بالخطر ولا درجته، وتترك السلطة التقديرية للهيئة الطبية، وتتشدد في فرضها باشتراط موافقة كتابية من طبيبين متخصصين. هكذا، تنتزع سيادة المرأة على جسدها، وبالأخص ملكيتها لرحمها، وتضعها بالكامل تحت سلطة الطب ومؤسساته من جانب، وقانون العقوبات من جانب آخر.في كتابها "حكايات الإجهاض: النساء بين العائلة والقانون والطب"(*)، تقدم الباحثة والناشطة النسوية، غدير أحمد، قراءة مستفيضة ومتعددة الزوايا، لموضوع الإجهاض. من جهة التشريع، يتتبع الكتاب بشكل تاريخي مسألة تجريمه في مواد القانون المصري، وهو الأمر الذي شُرّع اهتداءً بالقانون الوضعي الفرنسي وتحت الحكم الأجنبي في العام 1883، أي بعد عام واحد من الاحتلال البريطاني لمصر. تلتقط غدير تلك الحقيقة لتقدم مبحثاً شرعياً، تعرض فيه المذاهب الشرعية التي أباحت الإجهاض، وأسبابه، وكذا الاجتهادات التي انقسم حولها الفقهاء في مسألة إباحة إسقاط الجنين دون أربعة أشهر. يحيلنا ذلك إلى جدالات حول "نفخ الروح"، والفوارق اللغوية ذات التبعات الفقهية بين "الجنين" و"النفس" و"الولد"، واختلاف الفتاوى بين الجهات الشرعية الرسمية.وبالعودة إلى القانون، ومراجعة ثلاثة طعون قدمت أمام محكمة النقض، نكتشف أن المحكمة، غير أنها دانت النساء حتى بعد وفاتهن أثناء عملية الإجهاض، ووصمتهن أخلاقياً، فإنها في كل مرة امتنعت عن الأخذ بالشريعة، أخذ قُضاتها بالرأي الفقهي، فكان الرأي الأكثر تشدداً والأقل إجماعاً. تبيان المفارقة في رفض القضاء للامتثال لأحكام الشريعة (مصدر التشريع بحسب الدستور) لم يكن الغرض منه الدعوة لتطبيقها، بل التدليل على التحيز الجنسي ضد النساء في النص القانوني ومؤسسات العدالة.تعتمد غدير منظوراً نسوياً تقاطعياً في تحليلها للرمزية السياسية للإجهاض، وبغية فهمه كان يلزم فهم الدلالة السياسية للإنجاب. "الرحم ينتج قوة العمل". هنا تستعين بماركس وتتبنى في الوقت نفسه النقد النسوي الموجه لمفهومه عن العمل. وبالاعتماد على نظريات اقتصاد التبعية، لا تتكشف فقط منظومة معقدة لعلاقات الإخضاع داخل المجتمع الواحد، بل أيضاً بُنية العلاقات الاقتصادية غير المتكافئة بين دول الشمال والجنوب. في الساحتين، تعمل "الرأسمالية الأبوية" بحيث يكون استمرار السيطرة على الأرحام مفتاح السيطرة على النظامين الاجتماعي والاقتصادي.عبر مسح تاريخي مكثف للخطابات والسياسات المتعلقة بالنساء وأدوارهن الإنجابية من دولة محمد علي، إلى نهاية القرن العشرين، يقدم الكتاب نقداً بلا هوادة يطاول الخطاب الوطني وهوسه بالأسرة كمؤسسة اجتماعية. ويطاول أيضاً الخطاب الطبي الذي تدخل في العلاقة بين النساء وبين أجسادهن وعمَّق اغترابهن عن أنفسهن وعن الطبيعة، ولا يتوانى عن تفكيك الخطاب النسوي في موجاته الأولى، ومعارضة المنظور التنموي الحالي للصحة الإنجابية، وكذا اللغة الحقوقية، مفضلاً عليها لغة العدالة.بربطها بين الناشطية والبحث الميداني والعمل الأكاديمي، تجمع غدير خمس عشرة حكاية عن الإجهاض، وتقدمها بصيغة تتوسط مساحات الإثنوغرافيا والأدب. وفي تلك السرديات تتكشف كيفية إنتاج بنى القمع وأنظمته لذوات مقاوِمة، والطرق التي عبرها يكون الإجهاض القصدي فعل مقاومة للقيود القانونية والمجتمعية ورمزيتها السياسية. في تلك الحكايات تتضامن النساء بعضهن مع بعض، يجمعن التبرعات ويقمن باستضافة نساء أخريات لم يعرفنهن من قبل، ويتولين رعايتهن حتى التعافي، ويشكلن عبر هذا حراكاً قاعدياً يخلخل النظام المهيمن، أو ما يمكن تسميته بالمقاومة غير العلنية المنضوية تحت تصنيف السياسات التحتية.لا تسرد غدير تلك الحكايات بهدف التوثيق أو تحريك الرأي العام، بل نيابة عن النساء ومن أجلهن، لتكون مرآة من خبرات حية ينظرن فيها، فيرَين أنفسهن في نساء أخريات، يتشاركن معهن الألم والهلع وأمل النجاة.(*) صدر عن دار المرايا القاهرية العام 2023.
ملاحظة: نرجو ممن يرغب بإضافة تعليق، صياغته بلغة لائقة بعيدة عن القدح والذم والتحريض المختلف أو المسّ بالكرامات. إن كل ما ينشر من مقالات وأخبار ونشاطات وتعليقات، لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع الذي لا يتحمّل أي أعباء معنويّة أو ماديّة من جرّائها.
التعليقات
لارسال تعليق يرجى تعبئة الحقول الإلزامية التالية


