عمّقت مشاهدتي الثانية لفيلم (بيردمان_ Birdman)* البحثَ عن نُحُوت لغوية مرادفة لـ (باتمان، سبايدرمان، دوغمان، كاتمان، آيرون مان...الخ) وقابلية اللغة العربية على اشتقاق مثيل لوزنها (في اللغة الكردية والفارسية تمثيل لمخلوق أسطوري نصفه امرأة ونصفه ثعبان باسم شاهمران أو شامران). ليس هذا المدخل المهمّ فقط، فقد يصعد بك نحتُ الألفاظ، وتوليد الاستعارات اللغوية الحادّة/ الحارّة، إلى متابعة سيناريو الفيلم بدرجة عالية من اليقظة والتورية الذاتية لأفعال الشخصيات (أربعة أزواج معتوهون يشتركون في تمثيل مسرحية داخل الفيلم، مقتبسة من قصة الكاتب الأميركي ريموند كارفر عنوانها: عمَّ تتحدث عندما تتحدث عن الحبّ). وحسب السيناريو، ينهمك الممثلون في حوار ساخن، واستبدال علاقة بأخرى أكثر خطورة. تتداخل الأدوار الجادة والهازلة، والكواليس المسرحية والحقيقية في الفيلم، والغاية من ذلك إعادة الوهج والأهمية لممثل منطفئ (ريغان تومسون/ الممثل مايكل كيتون) ومن ثم الإيحاء بفشلنا جميعاً ككائنات هذيانيّة، منتهية الصلاحية، يسيطر عليها الوسواس الفصامي. اتّسم حوار الفيلم/ المسرحية بالحدّة والتورية، باقتباس عبارات أصلية من قصة كارفر القصيرة. والحقّ، أنّ فيلم بيردمان، من النوع الذي يوسوس لك بحوار ذاتيّ، كذلك الحوار الذي يوسوس به طائرٌ مطّاط لا ينفكّ عن مرافقة الممثل المسرحي ريغان تومسون طيلة الفيلم، مسترجعاً الماضي المنطفئ من المنطقة المظلمة لدور مسرحيّ سابق، ومحاكاته ثانية في فعل خارق وجرئ (مشهد دخول الممثل ريغان للمسرح عارياً، بعد عجزه عن انتزاع مِبذله الذي علقَ في بابٍ الكواليس المؤدي إلى خشبة العرض، وسط دهشة الجمهور المحتشد في الشارع المحيط بالمسرح). كما أنّ اللقطات المتصلة في الفيلم وتواترها دونما قطع مونتاجيّ، توسوس لأيّ كاتب أو مخرج فيلم/ مسرح بأن يقتبس نصّاً قصيراً، فيحوّله إلى دراما حياة طويلة لا تقبل التقطيع التصويري أو الخطأ الأدائي (لقطات اتصالية تستمر خارج الكادر في رؤوس طاقم الفيلم ِالموسوسة).ومن منّا_ كتّاباً قصصيّين ومسرحيّين_ لا يريد لطائره الموسوِس أن يتوارى في الكواليس، بدل الإيحاء له بلقطة متصلة، كاللقطة التي يطير فيها ريغان بمحيط الشوارع المزدحمة حول بناية المسرح. فالبذلة المطاطية للممثل الطائر صورة استعارية يمنحها الفيلم لكلّ خيال يعاني العته/ العنّة الجنسية/ جحيمَ الحبّ (خاطبَ دستويفسكي نفسه، أو أوحى له طائرُه، عبارةً تفصح عن هذا الخوف الشامل: "ما الجحيم؟ إنّه ببساطة عدم القدرة على الحبّ". وبالإيحاء نفسه، وسوست عبارةُ دستويفسكي اللعينة للكاتب ريموند كارفر عنوانا تناصياّ لقصته: "عمَّ نتحدّث حين نتحدّث عن الحب؟" وهيمنت على السيناريو المعدّ منها). وهذا الشعور المفرط بالحبّ، سيختلط بوسواس الشهرة والإعجاب، الذي يلاحق الممثّل الأحمق، ويرسم نهايته التراجيدية، بالإنتحار على المسرح، ثم التحليق النهائي من غرفة المستشفى، التي تظلّ نافذتها مفتوحة أمام عيني ابنته المنبهرة (والابنة كأبيها حائرة في استخدام حياتها على وجه من وجوه الوسواس العائلي، فهي تتهم أباها بأنه شخص غير مهم، يخلط بين الوهم والحقيقة، وأنه لن يجني الإعجاب من دوره الجديد في المسرحية، بعدما حطم قصة زواجه بأمّها التي انفصل عنها).
كلّنا يبحث عن الوجاهة/ الشهرة، غير أنّ الممثل الفاشل ريغان سيعيد تفسيرَ عبارة زميله في المسرحية/ الفيلم (مايك شناير/ إدوارد نورتن) بشيء من العته والسخافة. يوسوس (مايك) ل(ريغان): "الشعبية هي النسيبة الفاسقة للوجاهة". وبينما يعتقد جمهور المسرح أن ريغان حقّق شعبيةً منقطعة النظير بإتقانه دوره الأخير، فإنّ الفشل يلاحقه ويَحول دون موته، بإطلاقه النار على رأسه من مسدس حقيقيّ، بعد حوار قصير مع زوجته التي تنقطع عن حبّه وتتعلّق بزميله مايك.وعقب التدريب على أداء المشهد الأخير للمسرحية بإخراج فني فريد من نوعه، تلّح وسوسةُ الطائر على تذكير الممثل ريغان بأنه والطائر فريق واحد، أما دوره الجديد الذي يحاول فيه التحرر من نصف الطائر_ المطاطي، فلن يجني منه غير شخصية فنّان مثير للشفقة: "من دوني أنت لست سوى ممثل فاشل، يحاول التشبّث بما تبقّى له من مهنته". وكانت ناقدة من جريدة نيويورك تايمز (التقاها ريغان مع شريكه في المسرح شناير في حانة) قد كتبت نقداً مدمراً عن المسرحية، زاد من ازدواج ريغان واحتقاره لنفسه. لكن الناقدة تغيّر رأيها، عندما يصدم ريغان الجمهورَ في العرض الفعلي الأخير. كتبت الناقدة عن هذا العرض مقالة بعنوان (الفضيلة غير المتوقعة للجهل) كان طاقم المسرحية كلّه ينتظرها بلهفة، قالت فيها: "أدّى ريغان تومسون دوراً واقعياً خارقاً، كان الممثّل والجمهور قد نزفا دماً واقعياً ومجازياً على حدّ سواء. وهذا ما يطلبه المسرح الأميركي من عروض خالدة".
دفع الممثل_ الطائر ثمناً باهظاً لقاء الاعتراف بأدائه الانتحاري المبهر: اعترافه بالعجز عن تقديم حديث مقنع عن الحبّ. أما التحليق مع طائره بعيدا عن الأرض، فهو استعارة لرفض الواقع شخصاً لا يرى في الفن إلا تمثيلاً لحالات فصامية. هذه قصة امريكية، بأبعادها التجريبية/ الحوارية المذهلة؛ لكن ما الذي يجنيه مشاهدون محايدون أكثر اتزاناً من شخصية الممثل الطائر ووسواسه الذاتي، الباحثيْن عن الإبهار والشهرة؟ أيقدِر متفرّج محايد على مشاركة الفنّان ثمنَ التضحية في محاكاةٍ تقريبية لمشهد الطيران، للتعويض عن تقلّص الحبّ والشهرة في حياته التعيسة؟ مَن منّا يستطيع إقناع ذاته بخطاب ريغان تومسون المتخايل، الذي يتخلّص من جاذبية الأرض_ المسرح ويحلّق عالياً، محدّثاً نفسه: "أنت وغد عظيم، تستطيع أن تُبهِر الملايين. التضحية والنار هما ما يبحثون عنه، ما يطلبونه أقصى صدمات الإبهار. افعلْ شيئاً خطيراً وحسب".أو بتخريج آخر، أيقدِر متفرّج، مستخفّ بالوسواس القهري للرجل الطائر، على تحقيق مثالٍ بديل، يحاكي جوَّ "الكواليس" شبه المظلم، تزدوج الأدوارُ داخله بصيغ حوارية، وتمثيلية، حقيقية وزائفة، في حِقَب طويلة من تاريخ المسرح، مستبدلاً وسواسها المسرحي بوسواس أيديولوجيّ/ سياسيّ، شائع في الشارع المزدحم؟ يقيّد كواليسُ المسرح في فيلم "بيردمان" أغلبَ حوارات الشخصيات القلقة، المرتبطة بماض مريب، وقدرة كبيرة على التزييف والتحوّل في علاقات الحب من جانب إلى جانب. لكن هذا/ هذه الكواليس (المزدوج/ المزدوجة الوظيفة في الدراما) سيعجز/ تعجز عن تقييد حرية الجسد الموسوِس بالإبداع والخلق الأدبي، والتعبير عنهما بحوار طليق، عابر للمسرح والسينما وقوّة تأثيرهما معاً في الأنفس الأدبية الحائرة_ المتفرّجة من مواقعها خارج الكواليس. يوسوس لنا الفيلمُ بأنّ الإزدواج التاريخي بين كواليس المسرح وكواليس التراجيديا الكونية الممثّلة بسياقات فيلمية معاصرة، سيتفككّ وتنهدّ أركانه، بفضل أداءات تمثيلية وإخراجية، تمدّد اللقطات وتحلّق بنا من عصر إلى عصر، مع نماذجها الطائرة، بما لا نتوقع ونقدِّر. ومن أداء إلى آخر يشترك فيه ممثلو السينما المعاصرة، ستتكاثر طيورُ الشكّ في قيمة الأدوار تلك جميعاً، ومثلها عباراتِ الحبّ المتوارثة، وسخافاتِ الوجاهة وإعادة الأمجاد الزائفة لأشخاص فصاميّين، وسط الأصوات والحوارات المتبادلة بحدّة وتهكّم (يُقحِم مخرجُ الفيلم لقطاتٍ لأسماك ميتة على شاطئ مهجور، وسقوط شهابٍ حارق من السماء، وأخرى لارتطام طائرات عمودية بالمباني العالية.. كناية عن سقوط الممثل/ أو صعوده الانتحاري في عالم الفن النقيض للواقع، واستطراداً على هيمنة عالم غريب يحتجّ عليه خارج الفيلم).
________________
"بيردمان": فيلم أميركي، إنتاج 2014، من إخراج المكسيكي أليخاندرو غونزاليز إيناريتو الذي شارك في كتابته وإنتاجه. حاز الفيلم على أربع جوائز أوسكار.(*) مدونة نشرها القاص العراقي محمد خضير في صفحته الفايسبوكية
كلّنا يبحث عن الوجاهة/ الشهرة، غير أنّ الممثل الفاشل ريغان سيعيد تفسيرَ عبارة زميله في المسرحية/ الفيلم (مايك شناير/ إدوارد نورتن) بشيء من العته والسخافة. يوسوس (مايك) ل(ريغان): "الشعبية هي النسيبة الفاسقة للوجاهة". وبينما يعتقد جمهور المسرح أن ريغان حقّق شعبيةً منقطعة النظير بإتقانه دوره الأخير، فإنّ الفشل يلاحقه ويَحول دون موته، بإطلاقه النار على رأسه من مسدس حقيقيّ، بعد حوار قصير مع زوجته التي تنقطع عن حبّه وتتعلّق بزميله مايك.وعقب التدريب على أداء المشهد الأخير للمسرحية بإخراج فني فريد من نوعه، تلّح وسوسةُ الطائر على تذكير الممثل ريغان بأنه والطائر فريق واحد، أما دوره الجديد الذي يحاول فيه التحرر من نصف الطائر_ المطاطي، فلن يجني منه غير شخصية فنّان مثير للشفقة: "من دوني أنت لست سوى ممثل فاشل، يحاول التشبّث بما تبقّى له من مهنته". وكانت ناقدة من جريدة نيويورك تايمز (التقاها ريغان مع شريكه في المسرح شناير في حانة) قد كتبت نقداً مدمراً عن المسرحية، زاد من ازدواج ريغان واحتقاره لنفسه. لكن الناقدة تغيّر رأيها، عندما يصدم ريغان الجمهورَ في العرض الفعلي الأخير. كتبت الناقدة عن هذا العرض مقالة بعنوان (الفضيلة غير المتوقعة للجهل) كان طاقم المسرحية كلّه ينتظرها بلهفة، قالت فيها: "أدّى ريغان تومسون دوراً واقعياً خارقاً، كان الممثّل والجمهور قد نزفا دماً واقعياً ومجازياً على حدّ سواء. وهذا ما يطلبه المسرح الأميركي من عروض خالدة".
دفع الممثل_ الطائر ثمناً باهظاً لقاء الاعتراف بأدائه الانتحاري المبهر: اعترافه بالعجز عن تقديم حديث مقنع عن الحبّ. أما التحليق مع طائره بعيدا عن الأرض، فهو استعارة لرفض الواقع شخصاً لا يرى في الفن إلا تمثيلاً لحالات فصامية. هذه قصة امريكية، بأبعادها التجريبية/ الحوارية المذهلة؛ لكن ما الذي يجنيه مشاهدون محايدون أكثر اتزاناً من شخصية الممثل الطائر ووسواسه الذاتي، الباحثيْن عن الإبهار والشهرة؟ أيقدِر متفرّج محايد على مشاركة الفنّان ثمنَ التضحية في محاكاةٍ تقريبية لمشهد الطيران، للتعويض عن تقلّص الحبّ والشهرة في حياته التعيسة؟ مَن منّا يستطيع إقناع ذاته بخطاب ريغان تومسون المتخايل، الذي يتخلّص من جاذبية الأرض_ المسرح ويحلّق عالياً، محدّثاً نفسه: "أنت وغد عظيم، تستطيع أن تُبهِر الملايين. التضحية والنار هما ما يبحثون عنه، ما يطلبونه أقصى صدمات الإبهار. افعلْ شيئاً خطيراً وحسب".أو بتخريج آخر، أيقدِر متفرّج، مستخفّ بالوسواس القهري للرجل الطائر، على تحقيق مثالٍ بديل، يحاكي جوَّ "الكواليس" شبه المظلم، تزدوج الأدوارُ داخله بصيغ حوارية، وتمثيلية، حقيقية وزائفة، في حِقَب طويلة من تاريخ المسرح، مستبدلاً وسواسها المسرحي بوسواس أيديولوجيّ/ سياسيّ، شائع في الشارع المزدحم؟ يقيّد كواليسُ المسرح في فيلم "بيردمان" أغلبَ حوارات الشخصيات القلقة، المرتبطة بماض مريب، وقدرة كبيرة على التزييف والتحوّل في علاقات الحب من جانب إلى جانب. لكن هذا/ هذه الكواليس (المزدوج/ المزدوجة الوظيفة في الدراما) سيعجز/ تعجز عن تقييد حرية الجسد الموسوِس بالإبداع والخلق الأدبي، والتعبير عنهما بحوار طليق، عابر للمسرح والسينما وقوّة تأثيرهما معاً في الأنفس الأدبية الحائرة_ المتفرّجة من مواقعها خارج الكواليس. يوسوس لنا الفيلمُ بأنّ الإزدواج التاريخي بين كواليس المسرح وكواليس التراجيديا الكونية الممثّلة بسياقات فيلمية معاصرة، سيتفككّ وتنهدّ أركانه، بفضل أداءات تمثيلية وإخراجية، تمدّد اللقطات وتحلّق بنا من عصر إلى عصر، مع نماذجها الطائرة، بما لا نتوقع ونقدِّر. ومن أداء إلى آخر يشترك فيه ممثلو السينما المعاصرة، ستتكاثر طيورُ الشكّ في قيمة الأدوار تلك جميعاً، ومثلها عباراتِ الحبّ المتوارثة، وسخافاتِ الوجاهة وإعادة الأمجاد الزائفة لأشخاص فصاميّين، وسط الأصوات والحوارات المتبادلة بحدّة وتهكّم (يُقحِم مخرجُ الفيلم لقطاتٍ لأسماك ميتة على شاطئ مهجور، وسقوط شهابٍ حارق من السماء، وأخرى لارتطام طائرات عمودية بالمباني العالية.. كناية عن سقوط الممثل/ أو صعوده الانتحاري في عالم الفن النقيض للواقع، واستطراداً على هيمنة عالم غريب يحتجّ عليه خارج الفيلم).
________________
"بيردمان": فيلم أميركي، إنتاج 2014، من إخراج المكسيكي أليخاندرو غونزاليز إيناريتو الذي شارك في كتابته وإنتاجه. حاز الفيلم على أربع جوائز أوسكار.(*) مدونة نشرها القاص العراقي محمد خضير في صفحته الفايسبوكية
ملاحظة: نرجو ممن يرغب بإضافة تعليق، صياغته بلغة لائقة بعيدة عن القدح والذم والتحريض المختلف أو المسّ بالكرامات. إن كل ما ينشر من مقالات وأخبار ونشاطات وتعليقات، لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع الذي لا يتحمّل أي أعباء معنويّة أو ماديّة من جرّائها.
التعليقات
لارسال تعليق يرجى تعبئة الحقول الإلزامية التالية


