حين يتكلّم أحدهم على الحرّيّة، غالباً ما نسمعه يقول إنّ الحرّيّة يجب أن تكون «مسؤولة». كثيراً ما نجد بعضهم يهلّل لقول من هذا النوع. لكنّ التحليل سرعان ما يفضي إلى الاستنتاج أنّ قولاً كهذا هو حقّ يراد به باطل. الحقّ فيه هو أنّ الحرّيّة مسؤولة بطبيعة الحال، لكنّها مسؤولة أمام ذاتها فقط، أي إنّها هي التي تقرّر مكمن المسؤوليّة وحدودها. أمّا الباطل فيه، فهو أنّ قولاً كهذا غالباً ما يصبح ذريعةً لفرض قوانين وأعراف وعادات وتقاليد تهدف إلى تطويع الحرّيّة الفرديّة وجعلها «مسؤولة»، ما يوقعنا في تناقض منطقيّ وخلقيّ عبر منع الحرّيّة من أن تكون حرّيّة.
الكلام هنا طبعاً ليس على القواعد التي يسنّها المجتمع كي يصون حسن سير أموره وانتظامها كقانون السير مثلاً أو حتّى القوانين الجزائيّة. حيال هذه القواعد، من البديهيّ بمكان أنّ الحرّيّة لا يمكنها أن تكون مطلقة. غير أنّ الكلام هنا هو على حرّيّة الضمير والمعتقد والفكر والرأي والتعبير والقراءة والسكن والتنقّل وأنماط الحرّيّة الاجتماعيّة، بما فيها حرّيّة الانزواء وحرّيّة اختيار الشريك الآخر. هذه كلّها تندرج ضمن الحرّيّة بوصفها حقّاً من حقوق الإنسان، وهي مطلقة، ويجب أن نعتبرها مطلقة لئلّا تفرَّغ الحرّيّة من مضمونها. طبعاً، البشريّة لم تتوصّل إلى الاقتناع أنّ هذا النوع من الحرّيّة يتمتّع بصفة الإطلاق إلّا بفعل التراكم التاريخيّ. كلام الأديان السماويّة على حرّيّة الاختيار لدى الكائن البشريّ جزء من هذه العمليّة التراكميّة. تفكيك منظومة العبوديّة عبر فضح انحرافها البيولوجيّ والخلقيّ والدينيّ وصولاً إلى إلغائها هو أيضاً جزء من هذه العمليّة التراكميّة. هذا التراكم نابع تاريخيّاً وثقافيّاً من سياقات مختلفة. لكنّ ارتباطه بالسياق لا يقلّل من إطلاقيّة المحصّلة. وفي المحصّلة أنّ الحرّيّة، في الأوجه التي أشرنا إلى بعض منها أعلاه، مطلقة. وليس ثمّة معركة في الوجود تستحقّ أن نخوضها أكثر من معركة الدفاع عن حرّيّة من هذا النوع وعن طابعها المطلق.
من نافل القول أنّ ما يُعرف بوسائل التواصل الاجتماعيّ يطرح اليوم قضيّة الحرّيّة على نحو لم نعهده من ذي قبل. هذه الوسائل ليست مجرّد «وسائل» بالمعنى الضيّق للكلمة، بل هي تطبع عالمنا وتشكّله وتقولبه وتسبغ عليه الكثير من هويّته. بات من الطبيعيّ والمألوف أن يلجأ أيّ إنسان، كائناً ما كان مستواه الفكريّ والثقافيّ، إلى الإدلاء بدلوه في أيّ قضيّة وأن يتفاعل معه كُثُر وبطرق مختلفة. بمعنًى من المعاني، بات الرأي «رخيصاً»، ولا يستند بالضرورة إلى المعرفة الدقيقة والبحث المعمّق والتمحيص النقديّ. من الطبيعيّ، والحال كذلك، أن يفضي هذا إلى فوضى الآراء وصولاً إلى تمييع الحقيقة عبر ما يُعرف بالأخبار الكاذبة أو المختلَقة (fake news). لكنّ تدبّر هذا الواقع، على ما ينطوي عليه من إشكاليّات، لا يكون عبر رسم قنوات وحدود وسدود للحرّيّة كي تصبح «مسؤولة»، بل عبر مواجهة القول بالقول، ومقارعة الحجّة بالحجّة، وخلق مساحات لإعلاء شأن الحقيقة ومضاعفة حظوظها كي يتسنّى لها أن تفرض ذاتها من حيث هي حقيقة. ومن هذه المساحات ترسيخ ملكة النقد لدى الأفراد كي يتمكّنوا من مواجهة سيول الأفكار التبسيطيّة والتسخيفيّة التي تجتاح عالمنا. فكما أنّ الحقّ وحده هو الذي يحرّر، على قول المسيح، كذلك فإنّ الحرّيّة وحدها هي المؤتمنة على الحقيقة. وكما أنّ الحبّ لا يصان إلّا بمزيد من الحبّ، كذلك فإنّ الحرّيّة لا تصان إلّا بمزيد من الحرّيّة.
الكلام هنا طبعاً ليس على القواعد التي يسنّها المجتمع كي يصون حسن سير أموره وانتظامها كقانون السير مثلاً أو حتّى القوانين الجزائيّة. حيال هذه القواعد، من البديهيّ بمكان أنّ الحرّيّة لا يمكنها أن تكون مطلقة. غير أنّ الكلام هنا هو على حرّيّة الضمير والمعتقد والفكر والرأي والتعبير والقراءة والسكن والتنقّل وأنماط الحرّيّة الاجتماعيّة، بما فيها حرّيّة الانزواء وحرّيّة اختيار الشريك الآخر. هذه كلّها تندرج ضمن الحرّيّة بوصفها حقّاً من حقوق الإنسان، وهي مطلقة، ويجب أن نعتبرها مطلقة لئلّا تفرَّغ الحرّيّة من مضمونها. طبعاً، البشريّة لم تتوصّل إلى الاقتناع أنّ هذا النوع من الحرّيّة يتمتّع بصفة الإطلاق إلّا بفعل التراكم التاريخيّ. كلام الأديان السماويّة على حرّيّة الاختيار لدى الكائن البشريّ جزء من هذه العمليّة التراكميّة. تفكيك منظومة العبوديّة عبر فضح انحرافها البيولوجيّ والخلقيّ والدينيّ وصولاً إلى إلغائها هو أيضاً جزء من هذه العمليّة التراكميّة. هذا التراكم نابع تاريخيّاً وثقافيّاً من سياقات مختلفة. لكنّ ارتباطه بالسياق لا يقلّل من إطلاقيّة المحصّلة. وفي المحصّلة أنّ الحرّيّة، في الأوجه التي أشرنا إلى بعض منها أعلاه، مطلقة. وليس ثمّة معركة في الوجود تستحقّ أن نخوضها أكثر من معركة الدفاع عن حرّيّة من هذا النوع وعن طابعها المطلق.
من نافل القول أنّ ما يُعرف بوسائل التواصل الاجتماعيّ يطرح اليوم قضيّة الحرّيّة على نحو لم نعهده من ذي قبل. هذه الوسائل ليست مجرّد «وسائل» بالمعنى الضيّق للكلمة، بل هي تطبع عالمنا وتشكّله وتقولبه وتسبغ عليه الكثير من هويّته. بات من الطبيعيّ والمألوف أن يلجأ أيّ إنسان، كائناً ما كان مستواه الفكريّ والثقافيّ، إلى الإدلاء بدلوه في أيّ قضيّة وأن يتفاعل معه كُثُر وبطرق مختلفة. بمعنًى من المعاني، بات الرأي «رخيصاً»، ولا يستند بالضرورة إلى المعرفة الدقيقة والبحث المعمّق والتمحيص النقديّ. من الطبيعيّ، والحال كذلك، أن يفضي هذا إلى فوضى الآراء وصولاً إلى تمييع الحقيقة عبر ما يُعرف بالأخبار الكاذبة أو المختلَقة (fake news). لكنّ تدبّر هذا الواقع، على ما ينطوي عليه من إشكاليّات، لا يكون عبر رسم قنوات وحدود وسدود للحرّيّة كي تصبح «مسؤولة»، بل عبر مواجهة القول بالقول، ومقارعة الحجّة بالحجّة، وخلق مساحات لإعلاء شأن الحقيقة ومضاعفة حظوظها كي يتسنّى لها أن تفرض ذاتها من حيث هي حقيقة. ومن هذه المساحات ترسيخ ملكة النقد لدى الأفراد كي يتمكّنوا من مواجهة سيول الأفكار التبسيطيّة والتسخيفيّة التي تجتاح عالمنا. فكما أنّ الحقّ وحده هو الذي يحرّر، على قول المسيح، كذلك فإنّ الحرّيّة وحدها هي المؤتمنة على الحقيقة. وكما أنّ الحبّ لا يصان إلّا بمزيد من الحبّ، كذلك فإنّ الحرّيّة لا تصان إلّا بمزيد من الحرّيّة.
ملاحظة: نرجو ممن يرغب بإضافة تعليق، صياغته بلغة لائقة بعيدة عن القدح والذم والتحريض المختلف أو المسّ بالكرامات. إن كل ما ينشر من مقالات وأخبار ونشاطات وتعليقات، لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع الذي لا يتحمّل أي أعباء معنويّة أو ماديّة من جرّائها.
التعليقات
لارسال تعليق يرجى تعبئة الحقول الإلزامية التالية


