فاز الألماني بوريس إلدغسن بجائرة "سوني" العالمية للتصوير الفوتوغرافي، بناء على مشاركته بصورة بعنوان "الكهربائي" من سلسلة وسمها بـ"الذاكرة المزيفة". وتُظهر الصورة بالأبيض والأسود امرأتين، إحداهما شابة بملامح وجه نضرة في مقدمة الصورة، ووراءها تقف امرأة أكبر سناً وتمسك بكتفيها.
ورفض إلدغسن استلام الجائزة، معلناً أنه ولّف الصورة بواسطة الذكاء الاصطناعي، وتقدم للمنافسة بغية اختبار إن كانت المسابقات مهيأة لتمييز الصور الفوتوغرافية عن الصور المولدة رقمياً أم لا. بالإضافة إلى إثارة الجدل حول ماهية الفن، أراد إلدغسن صناعة التاريخ، ففي رسالته إلى لجنة التحكيم يقول: "شكرًا على اختياركم صورتي وجعل هذا الحدث لحظة تاريخية، فهي أول صورة تُنتج بواسطة الذكاء الاصطناعي، وتفوز في مسابقة التصوير الدولية المرموقة".
في كتابه القصير والمرجعي، "الغرفة المضيئة"، سعى رولان بارت للإجابة عن سؤال ما الفوتوغرافيا في حد ذاتها. وفي سبيل الإجابة، ينحت مصطلح "ذلك-كان-موجوداً" للتعبير عن جوهر الصورة، كل صورة. فالفوتوغرافيا بهذا المعنى، عملية تكفين للحظة بعينها أو حداد قريب العهد يودع الذاكرة في مجرى التاريخ. هكذا ترتبط الصورة في الأساس بموضوع الموت، بقطبَي الشيخوخة والاهتراء من جهة، والبعث الذي تستحضر به الصورة الماضي من جهة أخرى. تبدو صورة إلدغسن الفائزة، كمحاكاة لتلك الوصفة بأكثر الوسائل مباشرة، فمناسبة التقاطها التي قد تكون حفلة زفاف، لا تحيلنا إلا إلى شيخوخة المرأة في خلفية الصورة وكأنها بقبضتها على كتفي الشابة النضرة، لا تكتفي بتذكيرنا بما كانت هي عليه في شبابها، بل أيضاً بما ستصبح عليه العروس الجميلة حتماً. هكذا تكون الصورة ساحة لمجريات الزمن وعلاقاته. ثمة قدرية واضحة وفجة، محملة بتناقض النضارة والشيخوخة. تناقض ليس بتناقض بقدر ما هو الشيء نفسه، أي الموت أو ربما الزمن. في هذا التناقص باعث على خليط من الرثاء والحنين، ودرجات الأبيض والأسود تضيف إلى ثقلهما. ولعل هذا كله، يفسر فوز الصورة، لكنه لا يجيب عن مدى استحقاقها للجائرة.
هل "الذاكرة المزيفة" صورة فوتوغرافية بالأساس؟ الإجابة البسيطة هي: لا. يخبرنا بارت بأن ما تنسخه الصورة إلى ما لا نهاية لم يحدث إلا مرة واحدة. هذه فرادة اللحظة، وفرادة الفوتوغرافيا، أن ما يكرر ميكانيكياً لا يمكن أن يتكرر وجودياً. بهذا تكون الصورة مثقلة بالكامل بالحدث العرضي، وكل صورة تحمل مرجعها معها. تبدو صورة إلدغسن، المخلقة بالذكاء الاصطناعي أقرب إلى اللوحة منها إلى الفوتوغرافيا، حيث يتم رسمها عبر الحث أو التلقين اللفظي. بحسب بارت، فإن الفوتوغرافيا مهمومة بشبح الصورة الزيتية، والتصويرية في أحد أوجهها هي مبالغة لما تتصوره الصورة عن نفسها. لكنه يعود ليقول إن الفوتوغرافيا أقرب إلى المسرح منها إلى الرسم. لا إجابة حاسمة هنا.
لا يظهر أن الفنان الألماني مهتم بالإجابة عن أي أسئلة، هو في الأساس يحول ساحة الجائزة إلى فضاء وسط، بين حقل تجارب ومنصة لاستعراض الخدع. فمثلما تم استحضار القطع سابقة التجهيز إلى عالم الفن التشكيلي، قبل أكثر من قرن، يجلب هو الصور الجاهزة إلى الفوتوغرافيا. لدى إلدغسن-الذي درس الفلسفة- مانيفستو يريد إعلانه، بطريقة غير مباشرة. في حوار لاحق، يشير إلى نظرية أفلاطون في المعرفة، حيث هناك نسخة مثالية من كل شيء. على سبيل المثال، المنضدة، كل تكرار لها في الواقع هو مجرد تقليد، فكل المناضد هي نسخ من الفكرة الأصلية. ويعود ليربط الأفلاطونية بالذكاء الاصطناعي، بوصفه لاوعينا الجمعي، المشبع بالصور والذكريات والأفكار والبيانات.
بهذه الطريقة، وفقاً لإلدغسن، لا تكون الصورة المُولَّفَة رقمياً نتيجةً لعمل الآلة، بل نتاجاً لتراكم الوعي البشري ولاوعيه، أما الذكاء الاصطناعي فهو الحاوي لعالم المُثُل.
ورفض إلدغسن استلام الجائزة، معلناً أنه ولّف الصورة بواسطة الذكاء الاصطناعي، وتقدم للمنافسة بغية اختبار إن كانت المسابقات مهيأة لتمييز الصور الفوتوغرافية عن الصور المولدة رقمياً أم لا. بالإضافة إلى إثارة الجدل حول ماهية الفن، أراد إلدغسن صناعة التاريخ، ففي رسالته إلى لجنة التحكيم يقول: "شكرًا على اختياركم صورتي وجعل هذا الحدث لحظة تاريخية، فهي أول صورة تُنتج بواسطة الذكاء الاصطناعي، وتفوز في مسابقة التصوير الدولية المرموقة".
في كتابه القصير والمرجعي، "الغرفة المضيئة"، سعى رولان بارت للإجابة عن سؤال ما الفوتوغرافيا في حد ذاتها. وفي سبيل الإجابة، ينحت مصطلح "ذلك-كان-موجوداً" للتعبير عن جوهر الصورة، كل صورة. فالفوتوغرافيا بهذا المعنى، عملية تكفين للحظة بعينها أو حداد قريب العهد يودع الذاكرة في مجرى التاريخ. هكذا ترتبط الصورة في الأساس بموضوع الموت، بقطبَي الشيخوخة والاهتراء من جهة، والبعث الذي تستحضر به الصورة الماضي من جهة أخرى. تبدو صورة إلدغسن الفائزة، كمحاكاة لتلك الوصفة بأكثر الوسائل مباشرة، فمناسبة التقاطها التي قد تكون حفلة زفاف، لا تحيلنا إلا إلى شيخوخة المرأة في خلفية الصورة وكأنها بقبضتها على كتفي الشابة النضرة، لا تكتفي بتذكيرنا بما كانت هي عليه في شبابها، بل أيضاً بما ستصبح عليه العروس الجميلة حتماً. هكذا تكون الصورة ساحة لمجريات الزمن وعلاقاته. ثمة قدرية واضحة وفجة، محملة بتناقض النضارة والشيخوخة. تناقض ليس بتناقض بقدر ما هو الشيء نفسه، أي الموت أو ربما الزمن. في هذا التناقص باعث على خليط من الرثاء والحنين، ودرجات الأبيض والأسود تضيف إلى ثقلهما. ولعل هذا كله، يفسر فوز الصورة، لكنه لا يجيب عن مدى استحقاقها للجائرة.
هل "الذاكرة المزيفة" صورة فوتوغرافية بالأساس؟ الإجابة البسيطة هي: لا. يخبرنا بارت بأن ما تنسخه الصورة إلى ما لا نهاية لم يحدث إلا مرة واحدة. هذه فرادة اللحظة، وفرادة الفوتوغرافيا، أن ما يكرر ميكانيكياً لا يمكن أن يتكرر وجودياً. بهذا تكون الصورة مثقلة بالكامل بالحدث العرضي، وكل صورة تحمل مرجعها معها. تبدو صورة إلدغسن، المخلقة بالذكاء الاصطناعي أقرب إلى اللوحة منها إلى الفوتوغرافيا، حيث يتم رسمها عبر الحث أو التلقين اللفظي. بحسب بارت، فإن الفوتوغرافيا مهمومة بشبح الصورة الزيتية، والتصويرية في أحد أوجهها هي مبالغة لما تتصوره الصورة عن نفسها. لكنه يعود ليقول إن الفوتوغرافيا أقرب إلى المسرح منها إلى الرسم. لا إجابة حاسمة هنا.
لا يظهر أن الفنان الألماني مهتم بالإجابة عن أي أسئلة، هو في الأساس يحول ساحة الجائزة إلى فضاء وسط، بين حقل تجارب ومنصة لاستعراض الخدع. فمثلما تم استحضار القطع سابقة التجهيز إلى عالم الفن التشكيلي، قبل أكثر من قرن، يجلب هو الصور الجاهزة إلى الفوتوغرافيا. لدى إلدغسن-الذي درس الفلسفة- مانيفستو يريد إعلانه، بطريقة غير مباشرة. في حوار لاحق، يشير إلى نظرية أفلاطون في المعرفة، حيث هناك نسخة مثالية من كل شيء. على سبيل المثال، المنضدة، كل تكرار لها في الواقع هو مجرد تقليد، فكل المناضد هي نسخ من الفكرة الأصلية. ويعود ليربط الأفلاطونية بالذكاء الاصطناعي، بوصفه لاوعينا الجمعي، المشبع بالصور والذكريات والأفكار والبيانات.
بهذه الطريقة، وفقاً لإلدغسن، لا تكون الصورة المُولَّفَة رقمياً نتيجةً لعمل الآلة، بل نتاجاً لتراكم الوعي البشري ولاوعيه، أما الذكاء الاصطناعي فهو الحاوي لعالم المُثُل.
ملاحظة: نرجو ممن يرغب بإضافة تعليق، صياغته بلغة لائقة بعيدة عن القدح والذم والتحريض المختلف أو المسّ بالكرامات. إن كل ما ينشر من مقالات وأخبار ونشاطات وتعليقات، لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع الذي لا يتحمّل أي أعباء معنويّة أو ماديّة من جرّائها.
التعليقات
لارسال تعليق يرجى تعبئة الحقول الإلزامية التالية


