بلا شك، سيكون ساذجًا من لا يسلّم بمرور لبنان اليوم بإحدى أكبر التحوّلات الديموغرافيّة التي شهدها منذ قيامته كوطن. فموجة هجرة اللبنانيين الحاليّة، هي الأكبر منذ نحو خمسة عقود على أقل تقدير. ومن يملأ الفجوة في سوق العمل ليس سوى العمالة الأجنبيّة، وغالبًا السوريّة، المنخفضة الأجر. وسيكون ساذجًا من لا يرى في هذا النوع من التحوّلات أزمة مجتمعيّة قاسية. فبعيدًا عن هواجس القوميّة والوطنيّة وإشكالات الهويّة، لا تقتصر آثار هذه التحوّلات على تكبيد اللبناني أوجاع الهجرة إلى الخارج، بل تشمل كذلك المآسي الناتجة عن ظروف عمل الأجانب المجحفة في لبنان، والتي تفتقد إلى الحد الأدنى من الضمانات والحقوق البديهيّة القانونيّة.الحقيقة ليست شعبيةلكن في الوقت نفسه، سيكون ساذجًا بالمقدار نفسه، أو ربّما مضلِّلاً خبيثًا، من يقول أنّ أسباب هذا التحوّل الديموغرافي الرئيسيّة تكمن في تساهل الدولة أمنيًا مع واقع اللجوء السوري، أو في تلكؤها عن إعادة النازحين بسبب الضغط الدولي. وسيكون من الهراء الاعتقاد بأنّ موجات السعار العنصري المجنونة، وإن قدّمت لمروّجها بعض النقاط الشعبيّة، قادرة على معالجة هذه الأزمة، أو حتّى الحد منها. وسيكون جاهلًا في تاريخ الاقتصاد السياسي في لبنان من يعتبر أن الحل الأمني هو المعالجة الأمثل لهذه الأزمة. باختصار: أزمة التحوّل الديموغرافي بدأت في السياسات الاقتصاديّة، وعلاجها يمكن في السياسات الاقتصاديّة فقط.
في مسألة اللاجئين السوريين، بات الخطاب الشعبوي المجنون المناهض لهم هو الرائج شعبيًا وإعلاميًا وسياسيًا. وبات من يواجه هذه الحملة، بالحقائق الاقتصاديّة، كحامل الجمر في يده، بالنظر إلى عدم شعبيّة موقفه. وعدم شعبيّة الحقيقة أو الحلول الفعليّة في وجه الشعبويّة المضلِّلة، هو تحديدًا ما بات شائعًا في جميع الملفّات الاقتصاديّة، تمامًا كما كان الحال عند مطالبة العقلاء بقانون الكابيتال كونترول في بدايات الأزمة، أو بتحديد الخسائر بصراحة ووضوح لاحقًا، أو بحماية أصول الدولة اليوم. ومع ذلك، لا معنى للكلام في الاقتصاد إذا لم يستهدف التعامل مع الحقائق والحلول، بدل الانصياع للمزايدات العمياء، التي غالبًا ما تحرّكها أهداف ومكائد سياسيّة بالدرجة الأولى، أو طموحات شعبيّة.تاريخ النموذج الاقتصادي وهجرة اللبنانيينمنذ التسعينات، قام النموذج الاقتصادي اللبناني على مجموعة من السياسات التي تكاملت لوضع بذور الأزمة الديموغرافيّة التي نعيشها اليوم.
تبدأ القصّة بتأسيس نهضة الاقتصاد على مجموعة من القطاعات والأنشطة الريعيّة، الكفيلة بخلق النمو الاقتصادي شكلًا، لكن من دون ربط هذا النمو بقيامة قطاعات منتجة مولّدة للوظائف. وهذا ما يفسّر تركّز النمو على شكل انتفاخة في أرباح المضاربات والأنشطة العقاريّة وفوائد الودائع المصرفيّة وأرباح المصارف وبعض الخدمات الوسيطة. والنتيجة البديهيّة لهذا النوع من النمو -غير الصحّي- كانت تضخّم الأرباح بيد القلّة المحظيّة، من دون أن يتوازى النمو الاقتصادي مع نمو في فرص العمل اللائق لعموم اللبنانيين.
هجرة اليد العاملة اللبنانيّة، كانت الإجابة والمعالجة الأمثل لتناقض النموذج الاقتصادي الأساسي، والمتثّل في نمو الناتج المحلّي، من دون نمو سوق العمالة. وفي الوقت نفسه، تحوّلت الهجرة إلى إجابة أخرى على تناقض آخر، والمتمثّل في حاجة النموذج الاقتصادي لتدفّق الدولارات، من دون وجود قطاعات إنتاجيّة قادرة على تصدير الخدمات والسلع. هنا، تحوّل تصدير الأدمغة إلى مورد لهذه الدولارات، من خلال تحويلات المهاجرين.
وللمفارقة، تحوّلت هذه التحويلات إلى أحد أسباب تضخّم القطاع المصرفي، الذي توازى مع تمويل القطاع لمديونيّة الدولة وتثبيت سعر الصرف، من دون أن يتوازى هذا التضخّم التمويلي مع أي نمو مستدام للقطاعات الإنتاجيّة. باختصار، منذ التسعينات، كانت الهجرة اللبنانيّة ركنًا أساسيًا من أركان النموذج الاقتصادي اللبناني، كما كانت أبرز الإجابات والمعالجات التي تعاملت مع التناقضات التي حفل بها هذا النموذج.العمالة غير الرسميّة والعمالة الأجنبيّةاقتصاد النخبة المحظيّة، الذي قام عليه النموذج، كان يقوم على ركن أساسي آخر يكفل مصالح هذه النخبة. فمنذ التسعينات أيضًا، هيمنت العمالة غير الرسميّة على الغالبيّة الساحقة من الأنشطة الاقتصاديّة في البلاد. وفي الوقت الراهن، تقدّر منظّمة العمل الدوليّة نسبة العمالة غير الرسميّة بنحو 62.4% من إجمالي سوق العمل في لبنان.
بالنسبة إلى النخبة المحظيّة، كانت العمالة غير الرسميّة الطريقة الأمثل للاستعانة بالعمّال من دون الاضطرار للتصريح عنهم للصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، أو منحهم بعض الحقوق البديهيّة كالإلتزام بالحد الأدنى للأجور وضمان إجازاتهم السنويّة، أو حتّى تثبيتهم في وظائفهم.
وهيمنة العمالة غير الرسميّة، كانت تتكامل مع سوق فوضوي تتفشّى فيه أنشطة التهرّب الضريبي في جميع القطاعات، ما يسهّل الاستعانة بالعمّال غير المصرّح عنهم للسلطات الضريبيّة أو الضمان. ومنذ التسعينات، تغاضت السلطات المتعاقبة عن وضع السياسات البديهيّة المطلوبة لمكافحة ظواهر الفوضى والتهرّب الضريبي وتفشّي العمالة غير الرسميّة، لحماية مصالح النخبة.
هنا، تحوّلت قطاعات اقتصاديّة كاملة إلى بيئة طاردة للعمالة اللبنانيّة، الباحثة عن وظائف تتمتّع بالحد الأدنى من الضمانات أو الأجور، التي تسمح لها بتحقيق الاستقرار الاجتماعي. وفي المقابل، كان اللجوء إلى العمالة الأجنبيّة، في القطاعات غير المنظمة ووظائف العمالة غير الرسميّة، هو الحل الأسرع والأسهل.
وبذلك، كانت النخبة الماليّة في البلاد تخلق مشكلة مزدوجة: زيادة العوامل الدافعة باتجاه تهجير العمالة اللبنانيّة، وبما يتكامل مع سائر أركان النموذج الاقتصادي السائد، واستغلال العمالة الأجنبيّة بأسوأ الأشكال، من خلال الوظائف التي لا تتمتّع بأي ضمانات أو استقرار وظيفي.
وفي الوقت نفسه، ظهرت عوامل أخرى مثل انفلات الحدود البريّة مع سوريا، وسهولة التنقّل بين البلدين، وتفلّت سوق العمل خارج أي ضوابط أو تنظيمات إداريّة، وعدم وجود أرقام وإحصاءات تسمح بتنظيم رخص العمالة الأجنبيّة، أو معرفة مستوى الحاجة لها. وهو ما ساهم بزيادة التعقيدات التي أحاطت بمشكلة العمالة غير الرسميّة، والاستغلال الذي تعرّضت له. وهذه العوامل كانت تزيد من الصعوبات التي تواجه أي مسعى للحد من تداعيات هذه المشكلة، بغياب أي تصحيح جذري لبنية النموذج الاقتصادي القائم.
وحسب الإحصاءات التقديريّة، كان لبنان وجهة عمل أكثر من مليون عامل سوري، منذ ما قبل اندلاع الثورة السوريّة عام 2011، وهو ما يؤكّد أن تواجد العمالة السوريّة في لبنان، واستغلال هذه العمالة لخدمة النموذج الاقتصادي، كان مسألة تاريخيّة سبقت أزمة النزوح. مع الإشارة إلى أنّ هذا الرقم يقارب حدود ثلثي أعداد السوريين الموجودين حاليًا في لبنان، بحسب أرقام الأمم المتحدة.
وهذه الظاهرة، تحمّل تبعاتها اللبنانيون والسوريون على حد سواء.الثورة السوريّة والانهيار الاقتصادي اللبنانيبالتأكيد، جاءت الثورة السوريّة وما تلاها من حروب وأحداث أمنيّة، لتزيد من أسباب انتقال السوريين إلى لبنان، كما زادت من التعقيدات التي ترتبط بعودة جزء من السوريين إلى بلدهم. لكنّ دورهم الاقتصادي التاريخي في لبنان، كان مجرّد قطعة إضافيّة في "بازل" أكبر، عنوانه بنية الاقتصاد اللبناني والأسس التي تقوم عليها سوق العمالة فيه. أمّا الانهيار الاقتصادي اللبناني، فزاد من وتيرة هجرة اللبنانيين إلى الخارج، نتيجة خسارتهم لجزء كبير من فرص العمل التي كانت تتمتّع باستقرار وظيفي أو أجور لائقة، وهو ما فاقم من تسارع التحولات الديموغرافيّة في السنوات الماضية.
بصورة أوضح: لم يكن توسّع دور السوريين الاقتصادي، ونزوح العمالة اللبنانيّة، نتيجة لتساهل أمني مع اللجوء السوري، ولا نتيجة لعدم إدراك اللبنانيين "لخطورة اللجوء السوري"، بل كان نتيجة لنموذج قائم أساسًا. وما يرصده البعض من اعتماد على العمالة السوريّة، في ظل هجرة اليد العاملة اللبنانيّة، لم يكن مسألة مستجدة، وإن ظهرت بشكل أوضح بعد تزايد معدلات الهجرة اللبنانيّة، بفعل الانهيار.
يدرك السياسيون اللبنانيون أنّ الخطابات الشعبويّة حول ضرورة "إعادة السوريين إلى بلادهم" هي مجرّد شعارات فارغة للاستهلاك الإعلامي، بدلالة قيام العديد من الأنشطة الاقتصاديّة اليوم على العمالة السوريّة التي يصعب الاستغناء عنها، وبوجود الفوضى التي تمنع فهم حجم الحاجة الفعليّة لهذه العمالة، أو حتّى تنظيمها. وهذا تحديدًا ما خلقه النموذج الاقتصادي المعتمد في لبنان منذ عقود.
وهم يعلمون أن الخطوات المطلوبة لتنظيم سوق العمل ترتبط بسياسات مكافحة التهرّب الضريبي، وضبط نشاط الشركات، وفرض التصريح الكامل عن أعداد وأجور العمّال، وهو ما يتعارض مع مصالح النخبة الماليّة التي تملك سطوتها على القرار السياسي في لبنان. وهم يعلمون أن فرض إعادة السوريين يحتاج إلى شروط، ومنها ضبط الحدود مثلًا، وهو ما يتعارض مع مصالح وأولويّات طرف آخر نافذ داخل النظام، وهو حزب الله.
ببساطة شديدة، كل ما يُثار إعلاميًّا من حملات سياسيّة، لا يقدّم أي حل لمسألة أعداد السوريين الموجودين في لبنان، بل هو مجرّد تغذية لسعار عنصري لا يقدّم ولا يؤخّر. وحتّى تأجيج مشاعر الكراهيّة والعنصريّة ضد السوريّين، لن ينفع في معالجة الأزمة الديموغرافيّة، طالما أنّ أسبابها وحلولها كامنة في شكل الاقتصاد الذي قام عليه لبنان بعد الحرب.الحلول والعوامل السيكولوجيّةالحل للمسألة الديموغرافيّة، يمر أولًا بنوعيّة الاقتصاد الذي سيقوم عليه لبنان بعد مرحلة التعافي المالي، وقدرته على خلق فرص عمل لائقة في قطاعات إنتاجيّة، بما يعالج مسألة هجرة اللبنانيين وعدم توفّر فرص العمل. كما يمر بتنظيم العمالة غير الرسميّة، وقوننتها، وهو ما يسمح بإعادة اللبنانيين إلى القطاعات التي هجروها، مقابل إبقاء العمالة الأجنبيّة، لكن بظروف عمل جيّدة وبضمانات قانونيّة، وحسب تراخيص تأخذ بالاعتبار حاجات القطاعات الاقتصاديّة لهذه العمالة. وهذا سيحتاج قبل كل شيء، إنهاء ظواهر التهرّب الضريبي والاعتماد على العمالة غير القانونيّة المجحفة.
وعند معالجة أزمة سوق العمل التي خلقها النموذج الاقتصادي الموجود، يتم تلقائيًا معالجة الأسباب الاقتصاديّة للتحوّل الديموغرافي الحاصل، وهو ما يكفل حلّ الجزء الأكبر من الأزمة الموجودة منذ التسعينات. أمّا الفئة المتبقية غير القادرة على العودة طوعًا لأسباب أمنيّة، بعد معالجة الاعتبارات الاقتصاديّة، فلن تخضع إلا للاعتبارات الإنسانيّة.بعد كل ما سبق ذكره، بات من الواضح أنّ خطابات السياسيين اللبنانيين العنصريّة لا ترتبط بالبحث عن حلول فعليّة، بل بالمزايدات الشعبويّة، وبالبحث عن ضحيّة لتحميلها مسؤوليّة الانهيار. أمّا جزء أساسي من الرأي العام اللبناني، الذي انجرّ خلف الدعايات العنصريّة، فربما قادته إلى هذا الاتجاه بعض العوامل السيكولوجيّة. فالشعب اللبناني سُحق على مرّ السنوات الثلاث الماضية من نخبته الماليّة والسياسيّة. ولربما قاده الإرهاق والإحباط إلى البحث عن فئة مستضعفة، ليتمكّن من تسجيل انتصار ما عليها، أو تحقيق تفوّق ما بالقوّة.
هنا، من منطق الاستقواء هذا، يصبح منع ثلاثة أطفال سوريين من السباحة في بركة في وسط بيروت، عبر إفراغ البركة من المياه، وبإسم حماية الأملاك العامّة، أسهل من استرداد الأملاك المنهوبة فعلًا على الشواطئ وضفاف الأنهار.
ملاحظة: نرجو ممن يرغب بإضافة تعليق، صياغته بلغة لائقة بعيدة عن القدح والذم والتحريض المختلف أو المسّ بالكرامات. إن كل ما ينشر من مقالات وأخبار ونشاطات وتعليقات، لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع الذي لا يتحمّل أي أعباء معنويّة أو ماديّة من جرّائها.
التعليقات
لارسال تعليق يرجى تعبئة الحقول الإلزامية التالية


