رُبحت المعركة القانونيّة بعدما تراجع مجلس النقابة عن نيته بشطب قيد صاغية من جدول المحامين. وانتهت ساعات التحقيق من دون أن يتم تحويله إلى المجلس التأديبي أو أن يتخذ بحقه الإجراءات المسلكية.معركة الحرية"ليست معركة شخصية بل هي معركة للحفاظ على حرية الأجيال المقبلة". كلمات رددها صاغيّة أمام الحشود التي تضامنت معه أمام قصر العدل ببيروت، قبل دخوله إلى بيت المحامي، تمهيداً لجلسة استجوابه أمام مجلس نقابة المحامين.
ودعماً لحرية الرأي، وتضامناً مع حقوق المحامين، نُظّمت تظاهرة احتجاجيّة حاشدة منذ العاشرة صباحاً، أمام قصر العدل ببيروت، تنديداً بالتعديلات الأخيرة على آداب مهنة المحاماة، واعتراضاً على ملاحقة "المعارضين" لقرار النقيب، ناضر كسبار، بضرورة الحصول على إذن مسبق قبل أي ظهور إعلاميّ، وأُطلقت فيها عريضة لمطالبة المجلس بالرجوع عن القرار الذي يعرض المحامين "لرقابة مسبقة يمارسها شخص واحد (أي نقيب المحامين) يتحكم بمنحها أو حجبها وفق رغباته"، وقد حملت العريضة 514 توقيعاً، بينهم 27 حزباً ومجموعة سياسية وحقوقية، 47 منظمة، 14 نائباً، 66 محامياً إضافة إلى إعلاميين وأكاديميين وكتّاب واقتصاديين وفنانين ومهنيين.
حمل المتظاهرون شعارات ثورة 17 تشرين، التي تعبر عن أهمية الدفاع عن الحرية وصونها، فرفضوا التعرض لحرية الرأي أو تطبيق أساليب السلطة السياسيّة في تكميم الأفواه وملاحقة المعارضين لها. وشاركت في التظاهرة مجموعات من المجتمع المدني، والاتحاد اللبناني للأشخاص المعوقين، ونقابة الصحافة البديلة، ومجموعة من نواب البرلمان اللبناني هم ابراهيم منيمنة، مارك ضو، فراس حمدان، حليمة قعقور، ملحم خلف، ونقابة المهندسين، وحزب الكتلة الوطنية اللبنانيّة...
جلسة التحقيق مع صاغيّة التي انتهت بمحاولة مجلس النقابة التأكيد أمام وسائل الإعلام أن أجواء الجلسة كانت "هادئة وإيجابية ومريحة"، وأن صاغية كان متعاوناً جداً مع مجلس النقابة والنقيب كسبار، وأن الأمور عادت إلى مجراها الطبيعي.. إلا أن حقيقة الأمر كانت أن الأجواء المتوترة سيطرت على مجلس النقابة في اللحظات الأولى لدخول صاغية بيت المحامي برفقة زملائه وأصدقائه "المعارضين" والنائبين ملحم خلف، وفراس حمدان.مواقف واضحة"أنا مؤتمن على نقابتي ولن أفرّط فيها". بهذه العبارة لخّص أمين سر نقابة المحامين سعد الدين الخطيب موقفه الواضح والصريح أمام المحامين، بعدما منع المحامين الموكلين الدفاع عن صاغية من حضور جلسة الاستجواب، مردداً أنها جلسة سرية لمجلس النقابة، ولا يحق لهم حضور التحقيق. فأصر مجلس النقابة على دخول صاغية وحيداً إلى قاعة الاستجواب أو "قاعة الاستماع"، كما يرغب أعضاء المجلس بتسميتها.
ويمكن القول أن مشهد دخول صاغية مبتسماً إلى بيت المحامي، بدعم شعبيّ وبرلمانيّ، قد فاق توقعات مجلس النقابة، التي اعتبرت أن المبالغة الشعبية سيطرت على هذه القضية، ولن يسمح بالتعرض لنقابة المحامين.
ونظراً لحساسية القضية، وانطلاقاً من جدّية الإجراءات القانونية التي من شأنها القضاء على مستقبل صاغية المهني، فقد حرص نقيب المحامين السابق، النائب ملحم خلف، على ترك المجلس النيابي طوال هذا النهار، والمشاركة بحضور جلسة التحقيق مع صاغية، بصفته نقيباً سابقاً، أي عضواً دائماً في مجلس النقابة، حيث يحق له المشاركة في الجلسات من دون التصويت على المقررات.أربع ساعات.. وقبلات!واللافت أن جلسة التحقيق مع صاغيّة دامت حوالى 4 ساعات متواصلة. وكما كان متوقعاً، حاول مجلس النقابة "لملمة" هذه القضية التي شغلت الرأي العام، عندما خرج أمين سر النقابة، قبل مباشرة الجلسة، للقاء المحامين ومصافحتهم ومعاتبتهم على اللجوء إلى وسائل الإعلام التي تحاول "تفرقة أفراد العائلة الواحدة". وكما كان متوقعاً، فقد أصرّ نقيب المحامين على لقاء صاغيّة لمناقشة هذه القضية وحلّها، و"طرح الأفكار المتبادلة". وبعد حوالى 4 ساعات، خرج كسبار لمعانقة جميع المعارضين له، وتقبيلهم ولمعاتبتهم أيضاً على "تضخيم" هذه القضية، مشدداً على أهمية الحفاظ على تماسك النقابة وعدم السماح لأي أحد بالتدخل في شؤونها الخاصة.
ولا شكّ أن مجلس النقابة سعى إلى تصوير جلسة التحقيق وكأنها "جلسة عائلية" بين أفراد العائلة الواحدة، فوزعت القهوة طوال ساعات التحقيق. كما رصدت "المدن" خلال متابعتها، خروج بعض أعضاء مجلس النقابة من القاعة لمصافحة المعارضين ومحاولة إقناعهم بصوابية قرارات النقيب. ولا نُخفي أن شركاء كسبار في قراراته، دافعوا بشراسة على قانونية هذه القرارات، ليتحول الجدال إلى مناقشة قانونية طويلة بين أعضاء المجلس والمعارضين.ملاحقة الإعلام؟!واللافت في كل ما عُرض أعلاه أن نقيب المحامين، ناضر كسبار حاول تمييع قضية صاغيّة عن طريق مصارحة المحامين أمام بعض الإعلام بأنه سيلاحق قضائياً جميع وسائل الإعلام التي سعت لتشويه سمعة نقابة المحامين، مؤكداً أنه في صدد تحضير المعطيات اللازمة لتقديم الدعاوى القضائية بحق كل من أساء لنقيب المحامين ولجسم نقابة المحامين، ولكل من حاول نشر "المعلومات الكاذبة".
ومحاولة نقابة المحامين في إعادة تلميع صورتها أمام المحامين لم تنته هنا، بل بالرغم من تأكيدها أن جلسة التحقيق السرية لا تتعلق بظهور صاغية الإعلامي، إلا أن صاغيّة نفى هذه المعلومة في حديثه لـ"المدن"، موضحاً أن ساعات التحقيق دارت حول ظهوره الإعلامي وانتقاداته لقرارات النقابة، وعن تفاصيل حملته المستمرة في "التشكيك في عمل النقابة".
هذا وقد علمت "المدن" أن مجلس النقابة قد طلب من صاغية خلال ساعات الجلسة التعاون معها في تحضير الدعاوى القضائية التي ستجهز لمواجهة وسائل الإعلام المضللة للرأي العام، والتي تحاول القضاء على نقابة المحامين عن طريق نشر المعلومات المزيفة، على أن يندرج هذا التعاون تحت عنوان "المحافظة على نقابة المحامين"!
في النتيجة، تمكن الرأي العام بضغوطه خلال الأيام الماضية من صون حرية التعبير ومنع انتهاكها، إن داخل النقابة أو على ضفافها.بيان الهيئة الطلابية في كلية الحقوق في جامعة القديس يوسفوضمن سلسلة المواقف المتضامنة مع صاغية، أبرزها بيان الجامعتين الأميركية واليسوعية، أتى بيان طلاب الحقوق في اليسوعية، الذي جاء فيه:
في بلدٍ كُرِّست فيه دستوريًا حرية التعبير، وفي حين كانت نقابة المحامين المدافعة الأولى عن هذه الحرية والحريصة على تفعيل دور المحامين القانوني والاجتماعي، خصوصًا في ظل الأزمات الاقتصادية والسياسية والأمنية العديدة التي تعصف بالبلد، وفي ظل محاولات القمع والترهيب التي يخضع لها كل من يحاول أن يطالب بالحقيقة، نستغرب موقف نقابة المحامين في بيروت من تعديل نظام آداب مهنة المحاماة، عبر تقييد حرية المحامين، والفرض على جميع المنتسبين أخذ إذن من نقيب المحامين قبل أي ظهور إعلامي.تستدعي نقابة المحامين هذا الأسبوع عدداً من المحامين، من بينهم المحامي نزار صاغية، بعد رفضهم الخضوع لهذا القرار.نرى في هذا الاستدعاء خطر على تقييد الدور الاجتماعي للمحامي، الذي رسالته الأولى تحقيق العدالة، عبر إبداء الرأي القانوني والدفاع عن الحقوق، مثلما ينص قانون تنظيم مهنة المحاماة بمادته الأولى.نقف اليوم، كهيئة طلابية في كلية الحقوق و العلوم السياسية في جامعة القديس يوسف في بيروت، تضامنًا مع المحامي نزار صاغية ومع حريات كل المحامين، ونقف مع الدور الريادي للمحامي في العمل على إنهاء نظام الإفلات من العقاب.نقف أيضاً لنقول أننا مصرون كجيل جديد من حقوقيي الغد على حق المجتمع بالوصول إلى المعلومات، حق المجتمع بأن يكون على دراية بقضايا الشأن العام، شريكاً ومشركاً بتحقيق العدالة ودولة القانون.وبالتالي، نطلب من نقابة المحامين في بيروت بكل احترام التراجع عن قرارها.
ملاحظة: نرجو ممن يرغب بإضافة تعليق، صياغته بلغة لائقة بعيدة عن القدح والذم والتحريض المختلف أو المسّ بالكرامات. إن كل ما ينشر من مقالات وأخبار ونشاطات وتعليقات، لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع الذي لا يتحمّل أي أعباء معنويّة أو ماديّة من جرّائها.
التعليقات
لارسال تعليق يرجى تعبئة الحقول الإلزامية التالية


