في اليوم الذي دشنت فيه مدافع "الجنرال" ميشال عون حربين متتاليتن دمرتا ما تبقى من دولة وجيش ومجتمع وعمران وقضت على آخر حصانة أمام الاحتلال السوري.. ازدادت شعبيته وارتفعت صورته كـ"مخلّص". بل وتضخمت تلك الشعبية والصورة بعد هزيمته هو وكل اللبنانيين. وصار عظيماً أكثر حين فتك بالسياسة وبالنظام البرلماني الديموقراطي حتى يتسنى له الوصول الثأري إلى قصر بعبدا رئيساً. ثم تحول بطلاً أسطورياً حين قضى على الرئاسة والحكم وتقوضت الدولة ومعها الاقتصاد وتمزق الدستور نتفاً وانهار المجتمع اللبناني إلى الحضيض وأُجهِضت آخر الانتفاضات المدنية.
وفي نهاية المطاف، نُصِّب عون أيقونة لا تُمسّ فوق الخراب العميم.ليس عون استثناء في عالمنا العربي هذا. بل نتذكره الآن، في لحظة حروب جنراليّ السودان، عبد الفتاح البرهان ومحمد حمدان دقلو "حميدتي"، اللذين أيضاً كل واحد منهما له شعبه الناظر إليه "مخلّصاً" وبطلاً ومشروع رئيس ملهم. وهما يستأنفان تقليداً سودانياً-عربياً كان الأكثر نجاحاً فيه الجنرال عمر البشير، إن في مدة الحكم أو في شن الحروب وارتكاب الإبادات.
وكان الجنرال خليفة حفتر، في حربه الأهلية الليبية، سبق في السنوات الأخيرة، جنرالات السودان، وتصدى لـ"المهمة المقدسة" كبطل ينقذ ليبيا، ولو أدى ذلك إلى هلاكها واستعصاء دولتها وسلامها وتأبيد نزاعاتها المسلحة، إلى حد "الحنين" للجنرال المقتول معمر القذافي.
وبالطبع، لا ننسى الجنرال اليمني علي عبدالله صالح، قائد سلسلة حروب صعدة، والذي دشن رئاسته المديدة بحفلة إعدامات، والذي أبى ترك الرئاسة إلا واليمن حطام، وهو قتيل على رصيف حرب أهلية لا تزال قائمة.والمذهل أن الرهان على الجنرال المخلّص لم يخفت أبداً في ربوعنا العربية، منذ الجنرال العراقي بكر صدقي وانقلابه عام 1936، ثم الجنرال السوري حسني الزعيم وانقلابه عام 1949.
هذا، وما زال الجنرال الأشرس صدام حسين يحظى بإعجاب هائل في البلاد العربية، بل وتحول إلى "بطل خالد" في المخيال الشعبي، وهو الذي أقل مآثره 300 ألف جثة عراقية في مقابر جماعية سرية، ناهيكم عن أعنف الحروب الدموية التي خاضها وخسرها كلها، وتحويله العراق إلى خزّان كوارث متوالية.
ولا يقلّ الجنرال حافظ الأسد -ندّ صدام حسين اللدود- تقديراً وتوقيراً عند جماهير "الصمود والتصدي"، ولا هو أقل في المآثر الحربية أو المقابر الجماعية أو المعتقلات الجحيمية.. وفي إفشال المؤامرات الصهيونية- الامبريالية. واليوم، يعود "وريث" الجنرال حافظ الأسد، الجنرال الإبن بشار الأسد، كامل الشرعية العربية، قائداً منقذاً ومخلصاً، منتصراً على المؤامرة الكونية، بعدما "اضطر" لتهجير عشرة ملايين سوري وقتل نحو نصف مليون شخص، وتعذيب ما يوازيهم و"حرق البلد" كله تقريباً. يعود رئيساً ناصعاً كمعجزة عربية جديدة، تضاف إلى معجزات الجنرالات، السالفي الذكر وغير المذكورين أيضاً.
ولا تكتمل ملحمة "الخلاص" هذه، إلا بذكر أعداء الجنرالات ومنافسيهم، على شاكلة أبو محمد الجولاني في سوريا، أو أبو بكر البغدادي أو أبو مصعب الزرقاوي في العراق (وسائر سلالة بن لادن والظواهري)، ناهيكم عن قادة ميليشيات "مؤمنين" على الأغلب –سنّة وشيعة- من الصحراء الجزائرية الليبية إلى صحراء سيناء، ومن صحاري اليمن وصولاً إلى بادية الشام وصحراء الأنبار، عدا أمراء الحرب وزعماء القبائل والطوائف.. وكلهم يحذوهم الطموح كي يكونوا جنرالات في بلاد تتصحر بشراً وعمراناً وحياة. وكان مثالهم الأخير، جنرال المشرق العربي المزدهر على يديه، قاسم سليماني.وإذا كان الجنرال فرانشيسكو فرانكو، "أستاذ" جنرالاتنا العرب، في صنع ملحمة الحرب الأهلية على مثال مجزرة غيرنيكا، وفي تأسيس ديكتاتورية أبدية على مملكة الرعب أو جمهورية الخوف.. إلا أنه ليس لنا حظ إسبانيا بالملك خوان كارلوس، وما من تلامذة عرب له.
ملاحظة: نرجو ممن يرغب بإضافة تعليق، صياغته بلغة لائقة بعيدة عن القدح والذم والتحريض المختلف أو المسّ بالكرامات. إن كل ما ينشر من مقالات وأخبار ونشاطات وتعليقات، لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع الذي لا يتحمّل أي أعباء معنويّة أو ماديّة من جرّائها.
التعليقات
لارسال تعليق يرجى تعبئة الحقول الإلزامية التالية


